دول المغرب العربي

“إسقاط منظومة الحكم”.. حركة النهضة في مرمى غضب التونسيين

لم يجد التونسيون بد من العودة مجددًا إلى الشارع، والتحرك بشكل “عنيف” تجاه ما تشهده بلادهم من تردٍ على كافة المستويات، إثر صراع بين مؤسسات الحكم ممتد منذ أكثر من سبعة أشهر، أدى إلى عجز الحكومة بشكل شبه تام عن أداء مهامها، وفشل في توفير الخدمات الأساسية للمواطنين مع استمرار التهاوي الاقتصادي بشكل حاد، وتفاقم أزمة انتشار فيروس كورونا المستجد؛ إذ تعد تونس أحد أكثر دول المنطقة تأثرًا بتبعات الموجة الثالثة من فيروس كورونا من حيث أعداد الإصابات والوفيات التي تشهد ارتفاعًا مطردًا، بالتزامن مع النقص الحاد في المستلزمات الطبية والأكسجين.

ثورة في ذكرى الجمهورية

قرر التونسيون اليوم 25 يوليو 2021 في الذكرى الـ64 لإعلان الجمهورية التونسية توجيه أصابع الاتهام والخروج بشكل مباشر ضد المتسبب الرئيس في الأزمة التي تشهدها بلادهم الآن، وهو حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي رئيس البرلمان التي أظهرت عجزًا تامًا عن إدارة البلاد بشكل صحيح منذ ثورة 2011، وباتت سببًا في إفساد أي جهود لإعادة بناء تونس على المستويين السياسي والاقتصادي، وأغرقت البلاد في أزمات سياسية لا طائل منها.

تظاهر مئات التونسيين في محيط البرلمان التونسي، للاحتجاج على التردي العام للأوضاع، مطالبين بإسقاط الحكومة ومحاسبتها ومحاسبة الغنوشي على ما تسببوا فيه من أزمات. وشملت الاحتجاجات عددًا من المدن والولايات التونسية هي تونس العاصمة وسوسة وصفاقس والكاف وتوزر والقيروان وسيدي بوزيد ونابل والمهدية والمنستير وقفصة وجندوبة، وتستمر هذه الاحتجاجات في الاتساع لتشمل مدنًا وولايات أكثر.

تظاهرات حاشدة في تونس.. حرق مقرات النهضة ومطالب برحيل الإخوان

وقد كان مشهد حرق أعلام حركة النهضة وإسقاط لافتاتها والهتاف ضد رئيسها راشد الغنوشي عاملًا مشتركًا في كل ميادين التظاهر تقريبًا، ومنها هتافات “يا غنوشي يا سفاح يا قاتل الأرواح”، و”الشوارع والصدام حتى يسقط النظام”. واتجهت المظاهرات إلى اقتحام عدد من مقرات حركة النهضة في المدن والولايات، وإحراق بعض هذه المقرات، منها مقر الحركة في مدينة توزر بكل مشتملاته. ولم تستطع التعزيزات الأمنية عند مقر البرلمان ومقرات حركة النهضة في المدن التونسية وإطلاق الغاز المسيل للدموع أن تكون حائلًا دون هذا الاقتحام في ظل الأعداد الغفيرة للمتظاهرين.

المظاهرات التي أتت بمشاركة ومباركة عدد من الأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني التونسية، جاءت انعكاسًا لتشخيص دقيق لتفاصيل الأزمة التي تواجهها تونس حاليًا، وهو تشخيص اتفقت فيه رؤى التونسيين مع ما كرره أكثر من مرة الرئيس التونسي قيس سعيد من سعي قوى إلى إعلاء مصلحتها الخاصة على مصلحة الوطن، وآخرها ما قاله (23 يوليو) من اتهام أطراف داخلية بالتلاعب بالملفات من أجل إفساد الدولة، مؤكدًا أن هناك “لوبيات داخل الدولة، والكوارث أو التجاوزات، التي وقعت، وما زالت تقع، كان هدفها ترتيب أوضاع تتيح لتلك اللوبيات الاستمرار في السلطة”.

تونس تنتفض ضد الإخوان.. اقتحام مقرات للنهضة في 3 محافظات

وقد أدى هذا الوضع إلى ترجيح كفة الرئيس التونسي وزيادة المؤيدين لموقفه من الأزمة الدائرة مع حركة النهضة وحكومة هشام المشيشي، بشكل أدى إلى مطالبة التونسيين إلى “إسقاط منظومة الحكم” و”حل البرلمان”. وقال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي إن “زمن الطبقة الحاكمة في تونس انتهي وأنه لم يعد مسموحا للتونسيين السكوت على التقصير الحكومي، والقوى الحاكمة خيبت آمال التونسيين وفشلت في معالجة الأزمات الصحية والاقتصادية”.

الضغوط على “النهضة” تتزايد

تتعرض حركة النهضة لمجموعة من الضغوط التي تجعلها في موقف حرج في السياسة التونسية، خاصة وأنها سبق وأن حاولت الاعتماد على الشارع في ترجيح كفتها في صراعها مع الرئيس التونسي عندما دعت إلى مظاهرات في شهر مارس الماضي “للثبات ودعم المؤسسات”، إلا أن هذا الرهان لم يكن صائبًا لأن تونس تشهد منذ ذلك الحين وحتى الآن موجات مستمرة من المظاهرات اعتراضًا على الأوضاع العامة، وهو ما قاد المشهد إلى احتقان انفلاتي كما هو الوضع الآن. 

  • أزمة كورونا

كانت أزمة تفشي وباء كورونا في تونس اختبارًا حقيقيًا لمنظومة الحكم، وقد أثبتت فيها حكومة هشام المشيشي والائتلاف البرلماني الداعم لها بزعامة النهضة فشلًا ذريعًا، أدى إلى نقص حاد في المستلزمات الطبية، وتسجيل أرقام يومية قياسية في الإصابات والوفيات. إلا أن الرئيس التونسي قد استطاع الخروج من مأزق هذا الاستعصاء الحكومي ومحاولة توفير هذه المستلزمات من خلال علاقاته الخارجية.

فساهمت هذه العلاقات الخارجية في توافد المساعدات الطبية والإغاثية وخاصة اللقاحات والأكسجين من عدد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر والأوروبية وفي مقدمتها فرنسا إلى تونس لمحاولة إنقاذ الوضع الصحي من الانهيار. وهو ما ضاعف من الموقف الشعبي السلبي تجاه حكومة المشيشي وحركة النهضة اللتين حاولتا تحويل هذه الأزمة أيضًا إلى ورقة في الصراع السياسي عبر إقالة وزير الصحة فوزي مهدي المحسوب على قيس سعيد. وهو ما تبعه إصدار الرئيس التونسي قرارًا (21 يوليو) بتسليم إدارة الأزمة الصحية في البلاد إلى الإدارة الصحية العسكرية.

ولذلك قال الرئيس التونسي، قيس سعيد (24 يوليو) إنه لا مجال لمراكز قوى تتنافس في السيطرة على تونس أو تفجيرها من الداخل،وتونس دولة واحدة ولا مجال لدول داخل الدولة، ولا بد من قراءة نقدية لسبب تردي الوضع»، معربًا عن استيائه من محاولة توظيف أزمة «كورونا» لغايات سياسية، محذراً من أن «صحّة المواطن ليست بضاعة تتقاذفها قوى أو مجموعات ضغط، وليست من قبيل الأسهم في الشركات التجارية تحكمها قوانين العرض والطلب”.

  • الأزمة داخل البرلمان

بلغ تردي الأداء السياسي في تونس ذروته تحت قبة البرلمان في ظل الاستقطاب الحاد بين أعضائه، وتحول هذا الاستقطاب والخلاف إلى تشابك واستخدام العنف في الكثير من الوقائع. وبينما فشل البرلمان قبل ذلك في سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي بوصفه المتسبب الأساسي في الأزمة السياسية التونسية بشكل عام وداخل البرلمان بشكل خاص، يعمل نواب داخل البرلمان التونسي على جمع توقيعات على وثيقة جديدة لسحب الثقة منه، أملًا في الوصول إلى العدد المطلوب وهو 109 نائبًا، وقد وصل هذا العدد إلى 73 نائبًا حتى 16 يوليو الجاري. وهو ما يزيد الضغوط على حركة النهضة وزعيمها، مع احتمالات النجاح هذه المرة في سحب الثقة من الغنوشي في ضوء حدة معارضته داخل البرلمان، وانهيار تحالفات الحركة مع عدد من القوى داخل البرلمان منها كتلة قلب تونس.

الحل قبل الانفجار

أشار المرصد المصري في تقرير سابق إلى أن رئيس الوزراء هشام المشيشي يبقى هو الطرف الأضعف في الصراع السياسي الدائر في تونس بين السلطتين المنتخبتين؛ إذ يكتسب قوته فقط من الائتلاف البرلماني ، وإذا ما اقتضت الضرورة فإن أول ما يمكن التنازل عنه هو التعديل الوزاري الذي أجراه المشيشي باستبعاد الوزراء الذين أثيرت حولهم شبهات فساد، أو التخلي عن الحكومة كلها.

وبالنظر إلى الوضع الراهن والمعطيات السابقة يمكن التأكيد على هذه النتيجة، خاصة وأن حركة النهضة قد دعت (7 يوليو) إلى “تشكيل حكومة سياسية قادرة على مواجهة القضايا الراهنة، وذلك في ظل تفاقم الأزمة السياسية في البلاد، ومناقشة المسائل الخلافية، بعيداً من الشحن والتشنج وفي كنف احترام الرموز الوطنية ومؤسسات الدولة ومقتضيات العيش المشترك بين التونسيين والتونسيات”. وهي دعوة تعبر عن تراجع قدرات الحركة على المناورة والتمسك بمواقفها مع استمرار العجز الحكومي وازدياد الغضب المجتمعي.

\\SERVER\Folder Redirection\M.abdelrazik\Desktop\MOUDRARR.jpg

يشير مجمل هذه المعطيات والأحداث التي حدثت اليوم والتي أخذت طابعًا اشتباكيًا عنيفًا مع حدوث اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن في محيط البرلمان التونسي وعند مكاتب حركة النهضة في عدد من المدن والولايات، وكذلك حرق مدرعة تابعة لقوات الأمن الوطني وإصابة عنصري أمن في مدينة صفاقس؛ إلى أن استمرار الأزمة السياسية في تونس قد ينذر بأن انفجارًا اجتماعيًا بات وشيكًا، ويستلزم إحداث اختراق لهذه الأزمة قبل الانزلاق إلى الانفلات والفوضى التامة التي لن يكون بمقدور أي من ساسة تونس توقع مساراتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى