إيران

“إشكاليات البقاء”.. أبعاد وتداعيات “حرب المياه” الإيرانية على العراق

تشن إيران وتركيا حرب مياه “ضروس” على العراق منذ سبعينيات القرن الماضي بدأت إرهاصات ملامحها في انخفاض تدفق نهري “دجلة والفرات” من 80 مليار متر مكعب سنويًا خلال السبعينيات إلى أقل من 50 مليار متر مكعب، وتفاقمت إلى حد كبير بعد عام 2003 وانصراف العراق عن قضية المياه، لتبلغ ذروتها خلال الأعوام الأخيرة في صورة انقطاعات سنوية متكررة لبعض الروافد النهرية الحدودية المغذية لنهري “دجلة والفرات” خاصة خلال فصل الصيف، كان أحدثها هذا الشهر حيث بلغت الإطلاقات المائية من إيران “صفرًا”، ما دفع الحكومة العراقية للتلويح باللجوء إلى المجتمع الدولي من أجل تقاسم الضرر وإطلاق حصة البلاد المائية حسب المواثيق الدولية، منوهة إلى تفاقم الأزمة بمحافظة “ديالي”.

محددات الأزمة المائية بين البلدين

تداخلت مجموعة من العوامل يرتبط بعضها بطرفي الأزمة وأخرى متصلة بالمتغيرات الدولية والإقليمية مُشكلة الصورة الظاهرة الآن لحجم الأزمة المائية بين إيران والعراق، نستعرضها كالتالي:

• سياسات إدارة المياه الإيرانية: تقع إيران ضمن خارطة الدول الأكثر جفافًا وتأثرًا بالتغيرات المناخية في الشرق الأوسط، ما يجعل الموارد المائية النادرة ورقة في يد حكومة طهران توظفها لتحقيق أهداف عرقية وسياسية واقتصادية، سواء بالضغط على “عرب الأحواز” داخليًا أو استخدامها لمساومة وابتزاز وإخضاع الحكومة العراقية خارجيًا. ولتحقيق مآربها اتبعت طهران مبدأ فرض الأمر الواقع مستغلة حالة الضعف التي تعتري العراق على كافة الأصعدة، وبنت عددا ضخما من السدود على الأنهار الحدودية المشتركة وغيرت مسار بعضها مانعة تمامًا تدفقها داخل العراق، ومن ذلك: نهر “الزاب” الصغير الذي يصب في مدينة السلمانية، ونهر “الوند” المار عبر مدينة خانقين، ونهر “كارون” الذي يصب في شط العرب، ونهر “دويريج” الذي يصب في هور المشرح، ونهر “الكرخة” الذي يصب في هور الحويزة، وأنهار  “الطيب”، “كنجان” ،”وادي كنكير” ، “قرة تو” ، “هركينه” و”زرين جوي” الكبير.

وفي 2011 أقرت الحكومة مشروعًا لبناء 152 سدًا يقع بعضها على نهري “سيروان” و “الزاب السفلي” و”ديالي” وهما الرافدان المهمان لنهر دجلة. وفي 2019، أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني خطة لبناء 109 سدود  على مدار عامين. وتشير تقديرات “هيومان رايتس ووتش ” إلى أنه تم بناء 12 سدًا على نهر سيرفان المغذي لنهر ديالي بين عامي 2011 و2019، و5 سدود على روافد نهر الكرخة بين عامي 2011 و2017، وسد جوتفاند على روافد نهر كارون، فضلًا عن مئات السدود الأخرى التي تبلغ في أحد التقديرات نحو 600 سد.

• الأولوية المتأخرة لقضية المياه عراقيًا: في ظل أزمات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة ومتشابكة بدأت منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فتصاعد تنظيم داعش الإرهابي عام 2014 والانخراط في الموجهات العسكرية مع عناصره، تراجع الاهتمام الحكومي بقضية المياه؛ حيث لا تزال تعتمد البلاد على الأساليب القديمة للري كالري بالغمر، وزراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز، وتشغيل السدود القائمة ما يتسبب في نسب هدر تصل إلى 50%. واستمرار تشغيل البنية التحتية المتهالكة كشبكات الأنابيب المتهدمة، وعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة الهدر نتيجة شبكات توزيع المياه القديمة في بغداد 29%، وتتراوح بين 20% و40% في بقية المحافظات، فضلًا عن غياب شبكات الصرف الصحي وتعطل محطات معالجة مياه الصرف لنقص إمدادات الكهرباء اللازمة لتشغيلها مما يؤدي إلى تلويث المياه. وتجاهل بناء السدود الجديدة حيث لم ينشأ العراق سدًا واحدًا منذ عام 2003 مكتفيًا بالسدود التي أنشأها بين عامي 1959 و2002.

• غياب الإطار القانوني لإدارة وتقاسم المياه: بخلاف اتفاق الجزائر عام 1975 بين إيران والعراق على ممر شط العرب–المعطل حاليًا -لا توجد أي اتفاقيات بشأن الأنهار غير الملاحية المشتركة بين البلدين، ولا تزال اتفاقية الأمم المتحدة لقانون الاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية لعام 1997 غير مطبقة، وهو ما دفع طهران إلى ممارسة السيادة المطلقة على الأنهار المشتركة غير عابئة بترتب أي مسؤولية قانونية.

وقد دعا المسؤولون العراقيون للتوصل إلى اتفاقيات مع إيران وتركيا تسمح بكميات مياه عادلة دون جدوى، ويرجع ذلك لغياب استراتيجية تفاوضية عراقية واضحة وعدم التعامل مع المياه كقضية استراتيجية، وتراجع أولوية قضية المياه على أجندة الملفات المشتركة وعزلها عن المصالح الأخرى مع البلدان المجاورة؛ فعلى سبيل المثال، دعا رئيس الوزراء العراقي السابق عادل عبد المهدي إلى العودة لاتفاق 1975 الذي يقسم مياه شط العرب بين العراق وإيران خلال زيارته لطهران عام 2019 دون جدوى.

ومنذ ذلك الحين لم يجتمع البلدان إلا مرات قليلة لبحث مشكلة المياه. كما لم تسفر جولات مباحثات أجراها العراق خلال أوقات متفرقة هذا العام مع دول المنبع الثلاث؛ إيران وتركيا وسوريا، للاتفاق على تقاسم الحصص المائية عن اتفاقيات ملزمة. ويضاف إلى ذلك عدم وجود تقليد قائم للمفاوضات الثنائية بشأن موضوع المياه، عدم رغبة طهران في الانخراط بمفاوضات جادة في هذا الشأن لأسباب محلية وإقليمية متشابكة، وإصرارها على اعتبار قضية المياه الحدودية نزاعات داخلية خاصة بمناطق حدودية معينة.

• التغيرات المناخية: ألقت تداعيات قضية المناخ العالمية بظلالها على الشرق الأوسط، مرتبة أعباءً جديدة على دوله المثقلة بجملة متشابكة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية. وفي الحالة موضوع الدراسة يلعب تغير المناخ دورًا مزدوجًا في أزمة المياه بين العراق وإيران؛ فبالنسبة للأخيرة التغيرات المناخية دافعًا لقطع إمدادات سيروان والكارون والكرخة، التقليل من تأثيرات الجفاف الأسوأ منذ عام 1971، حيث بلغ متوسط هطول الأمطار السنوي 9.8 بوصات (250 ملم) أي أقل من ثلث المتوسط العالمي البالغ 39 بوصة (990 ملم)، وذكرت الحكومة أن معدل هطول الأمطار انخفض عام 2021 بنسبة 40% عن المتوسط السنوي، وانخفض متوسط مستوى المياه في السدود بنسبة 47% من سبتمبر 2020 إلى يوليو 2021، وواجهت أكثر من 300 مدينة نقصًا بالمياه، وكانت المحافظات الجنوبية والشرقية الأكثر تضررًا.

أما على الجانب العراقي الواقع في منطقة تعاني الجفاف وندرة المياه وانخفاض معدل هطول الأمطار وزيادة متوسط درجات الحرارة، تلعب التغيرات المناخية دورًا مفاقمًا للأزمة في ظل انخفاض معدل هطول الأمطار على البلاد، ووصل إلى أقل من الثلث خلال شتاء 2017-2018، مرتبًا عليه انخفاض السعة التخزينية لخزانات المياه الجوفية إلى ما يقارب 50 مليار متر مكعب عام 2015 نزولًا من 157 مليار متر مكعب، بالتزامن مع زيادة معدل السحب إلى نحو 5.2 مليار متر مكعب، وسحب مياه جديدة بنحو 1.47 مليار متر مكعب سنويًّا عبر أنظمة المياه الجوفية، وفقًا لتقرير خطة التنمية الوطنية الصادر عن وزارة التخطيط العراقية. وتأكيدًا على ذلك وضع تقرير صادر عن المنتدى العربي للبيئة والتنمية، بعنوان “تأثير تغير المناخ على الدول العربية”، العراق ضمن الدول الأكثر تضررًا بشح المياه، كونه دولة مصب.  

• الارتباط العضوي العراقي بإيران: تعتمد موضوعات البنية التحتية والاقتصاد العراقية؛ كالنفط والغاز والمياه والكهرباء والتجارة، بشكل كبير على جارتها الشرقية، بما يضعها دائمًا في دائرة التأثر المباشر بالأزمات الإيرانية وتحميلها تكلفة اقتصادها المتداعي، كما يجعل من تلك الموارد ورقة للضغط السياسي على حكومة بغداد في عدد من الموضوعات السياسية وبالأخص الخروج من سياسة المحاور إلى رحب إقامة علاقات متوازنة عربيًا وأوروبيًا وأسيويًا، والضغط على العراق في ملف خروج القوات الأمريكية، والحفاظ على نموذج الحكم القائم على المحاصصة والطائفية، وغيرها من الملفات الهامة بالنسبة لطهران.

تداعيات الأزمة على الداخل العراقي

تنضوي أزمة المياه العراقية على مجموعة متشابكة من التداعيات والتحديات التي تساهم في تعقيد الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في هذا البلد المنهك المتطلع لمرحلة إعادة الأعمار وتحقيق الاستقرار السياسي، ومن هذا التحديات نستعرض الآتي:

• تقويض النظام الفيدرالي: تأتي معظم احتياجات إقليم كردستان العراق من نهري سيروان والزاب السفلي القادمين من إيران، وبالتالي فإن أي خلل في معدلات التدفق تنعكس مباشرة على الاحتياجات الزراعية والأمن المائي للإقليم، وهو ما قد يساهم في تأجيج الخلافات بين حكومتي بغداد وكردستان، خاصة مع لجوء الأخيرة إلى اشهار سلاح المياه في أوقات الأزمات للضغط على الحكومة المركزية؛ فقد منع المسؤولون الأكراد التدفقات إلى المناطق التي يسيطر عليها الشيعة خلال خلافات الميزانية مع الحكومة الفيدرالية. علاوة على أن سياسة السدود الكردستانية التي لجأ إليها الإقليم لمعالجة المشكلة وتوليد الطاقة وتوفير المياه للري ومصايد الأسماك والسياحة، تعيق إمدادات المياه لأجزاء أخرى من البلاد.

• مخاطر بيئية: تحمل سياسة السدود الإيرانية مخاطر بيئية جمة على العراق، تتنوع وتتعدد مظاهرها، لتشمل زيادة ملوحة مياه نهر شط العرب الناتج عن التقاء نهري دجلة والفرات؛ فقيام إيران بقطع روافده، وإقامة مشاريع للتخلص من مياه البزل المالحة المنحدرة من المزارع ورميها في شط العرب، وصرف المخلفات الصناعية لمصنع عبادان المحتوية على غاز الأمونيا، إلى جانب بلوغ معدل البخر في النهر 1500-2500 ملم سنويًا مقارنة باستقبال 150-300 ملم من الأمطار سنويًا، أدت جميعها إلى انخفاض نسبه المياه بالنهر وصعود مياه الخليج المالحة له، وبالتالي زيادة ملوحته لتسجل 25 ألف جزء من المليون ارتفاعًا من المعدل الطبيعي البالغ 1000 جزء من المليون، بما يصاحب ذلك من انقراض سلالات نادرة من الأسماك والأحياء المائية، ونفوق الحيوانات، وموت أشجار النخيل، أي فقدان التنوع البيولوجي. فضلًا عن تبوير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وزيادة وتيرة العواصف الترابية والرملية (300 سنويًا) التي تخلق مشكلات لقطاعات الصناعة والطيران والتجارية. علاوة على اختفاء بحيرة الملح ثاني أكبر بحيرة في العراق،

• تهديد الأمن المائي والغذائي: تمثل الأنهار مصدرًا رئيسيًا لتوفير حاجات البلاد من المياه التي تقدر إجمالًا بـ 50 مليار متر مكعب سنويًا، يتوفر منها حاليًا 30 مليار متر مكعب، بعجز يصل إلى 20 مليار متر مكعب سنويًا، وعلى مدار العشر سنوات الماضية، خسر العراق نحو 80% من المياه المتدفقة من إيران. ومتوقع أن يقلل نهرا دجلة والفرات من تصريفهما بنسبة 50% بحلول عام 2030 مقارنة بمستوى الثمانينيات. وفي 2020، انخفض تدفق نهر سيروان إلى 7 م3/ث من 45 م3/ث، بينما انخفض تدفق نهر الزاب الصغير إلى 2م3/ث، وانقطعت المياه تمامًا عن سد دوكان بإقليم كردستان الذي يعتمد عليه 100 ألف شخص.

وسيكون لانخفاض تدفق الأنهار الحدودية المشتركة تأثيرًا على السدود الموجودة في العراق، حيث يوجد حاليًا ثلاثة سدود عراقية على نهريي الزاب الصغير وسيروان، هما دوكان ودربنديخان وحمرين، ويتم تشغيل سدي دوكان ودربنديخان من قبل حكومة إقليم كردستان، بينما يتم تشغيل سد حمرين من قبل حكومة بغداد، وتعتبر هذه المشاريع حيوية للأمن المائي في كردستان والمناطق الزراعية بالقرب من بغداد وخارجها.

ويترتب على ذلك تفاقم أزمة العجز المائي لتصل إلى 18%، وهي تتجلى بوضوح في بعض المحافظات مثل كركوك التي تبلغ نسبة العجز في مياه الشرب بها 42%. ويتوقع أن يصل عجز المياه إلى 10.5 مليار متر مكعب سنويًا عام 2035 بحسب تقديرات وزارة الموارد المائية العراقية، ويفاقم من الأزمة المائية تداعيات التغيرات المناخية المتوقعة، فبحلول عام 2050 ستنخفض نسبة هطول الأمطار على البلاد بحوالي 25%، وترتفع درجة الحرارة بمتوسط 2.2 درجة مئوية مقارنة بعام 1990، ما يعني المزيد من التصحر وندرة المياه. وترى تقديرات أن العراق سيكون في المرتبة الأخيرة بين 20 دولة ستعاني من إجهاد مائي كبير بحلول 2040، وحاليًا تبلغ درجة الإجهاد المائي 3.7 من 5 وفقًا لمؤشر الإجهاد المائي.

وكنتيجة منطقية لانخفاض تدفق مياه نهري دجلة والفرات، بسبب سياسة السدود الإيرانية والتركية، تم تبوير مساحات واسعة من البساتين والأراضي الزراعية التي تستهلك 80% من مياه العراق وتوفر فرص عمل لنحو 36% من السكان؛ إذ انخفضت قدرة الإنتاج الزراعي بالبلاد بنسبة 50% خلال العقدين الماضيين، وفي ديالي وحدها تعرضت 75% من الأراضي الزراعية للجفاف، كما أن مستنقعات بلاد ما بين النهرين التي أقام فيها عرب الأهوار لأكثر من 5 آلاف عام، وكانت أكبر نظام بيئي في غرب أوراسيا، جفت بسبب انخفاض تدفقات الأنهار. ويضاعف من تلك الأزمة تصاعد فرص الجفاف في السنوات المقبلة، بما يهدد مستقبل الإنتاج الغذائي ويجعل الغطاء النباتي أكثر عرضة لحرائق الغابات، فضلًا عن إمكانية خسارة 40% من الأراضي الزراعية مع تشغيل سد إليسو التركي حيث يتوقع أن تنخفض مناسيب نهر دجلة من 20.93 مليار متر مكعب سنويًا إلى 9.7 مليار متر مكعب، أي بنحو 50%.

وقد كشف برنامج الأمم المتحدة للبيئة عام 2018 أن العراق يفقد حوالي 25 ألف هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة سنويًا، وانخفض إسهام القطاع الزراعي في الناتج المحلي من 4.2% عام 2013 إلى 3.1% عام 2016، بحسب تقرير خطة التنمية الوطنية الصادر عن وزارة التخطيط العراقية، وبالتالي ارتفاع فاتورة الواردات الزراعية والضغط على الاقتصاد، ومن المعروف أن إيران وتركيا من أكبر شركاء العراق الزراعيين لكن الميزان التجاري لا يأتي في صالح الأخيرة؛ إذ تصدر تركيا سلع زراعية للعراق بقيمة 2.8 مليار دولار سنويًا، أما إيران فتصدر له بقيمة 2.2 مليار دولار سنويًا.

وبالفعل بدأت ملامح التأثيرات السلبية على قطاع الزراعية ترتسم في قرار الحكومة العراقية منع زراعة بعض المحاصيل مثل الأرز والذرة والخضروات، والاكتفاء بزراعات الفواكه.

• إثارة الأزمات السياسية: أدت التحولات الأيكولوجية السالف ذكرها إلى تأثيرات ديمغرافية ناتجة عن هجرات جماعية داخلية من نقاط التأثر المباشر، كسكان ناحية السيبة بالبصرة لقطع نهر كارون، وسكان قضائي مندلي وقزانية وبعقوبة بديالي لجفاف نهر خريسان الذي يعتمد على بحيرة سد حمرون شبه الجافة. وتثير عمليات النزوح المقترنة بضعف الخدمات وتلوث المياه وعدم صلاحيتها للشرب حالة من الاستياء الشعبي؛ ففي 2018 اندلعت احتجاجات عنيفة بالبصرة بعد نقل 100 ألف شخص إلى المستشفى بسبب الأعراض الناجمة عن شرب المياه الملوثة، وتكرر المشهد نفسه في يناير 2020. ويرى أستاذ الجغرافيا السياسية دياري الفيلي أن أزمة المياه ستؤدي لتدهور السلم المجتمعي، عبر تحفيز الصراعات العشائرية على الأراضي الزراعية والحصص المائية، وتحفيز بعض المحافظات نحو المطالبة بتشكيل أقاليم جديدة للسيطرة على حصص أكبر من المياه، إلى جانب احتمال موجات هجرة من الجنوب إلى الشمال. 

• تفاقم الأزمات الاقتصادية: رتبت حركة الهجرة الداخلية المرتبطة بالصعوبات الاقتصادية التي تواجه أولئك الذين تعتمد سبل عيشهم على مياه الأنهار، ضغوطات كبيرة على البلدات والمدن المكتظة بالفعل، وفاقمت مشكلات نقص الإسكان والوظائف والكهرباء. فضلًا عن أن ملوحة المياه ستؤثر على أنظمة التبريد لمحطات الطاقة الحرارية بالبصرة وبالتالي مزيد من الأعطال في وقت تتجاوز فيه درجات الحرارة خلال فصل الصيف 50 درجة مئوية أحيانًا.

• تصاعد المخاطر الأمنية: أثبتت الدراسات وجود علاقة وثيقة بين التأثيرات الناجمة عن التغيرات المناجية كالجفاف وملوحة الأنهار وانخفاض مستويات المياه الجوفية وما يستتبعها من خسارة الأراضي الزراعية، وبين تصاعد المخاطر الأمنية المرتبطة بانتشار الجماعات الإرهابية وزيادة عمليات التجنيد بين صفوفها خاصة هؤلاء الذين فقدوا وظائفهم. وللعراق سوابق تاريخية متعددة في هذا الصدد؛ فخلال الجفاف الشديد عام 2010 (الخامس خلال سبع سنوات) قام الجهاديون بتوزيع أغذية على السكان، وفي 2012، عندما أزالت الرياح الشديدة مئات حقول الباذنجان بالقرب من كركوك قاموا بتوزيع النقود.

ومع ظهور تنظيم داعش لوحظ أنه اجتذب دعمًا أكبر في المجتمعات المحرومة من المياه مقارنة بغيرها، ففي منخفض الثرثار الواقع شمال غرب محافظة تكريت وشمال محافظة الأنبار انضم المزارعون الذين لديهم حقول قريبة من الرمال الزاحفة إلى التنظيم بأعداد أكبر من نظرائهم بالقرب من وادي النهر. علاوة على ذلك، ارتبطت ظاهرة التصحر وتبوير الأراضي الزراعية والجفاف بازدياد معدل الجريمة الجنائية بعد اتجاه المزارعين إلى السرقة والسطو المسلح والإتجار في البشر لكسب الزرق بعدما تخلوا عن مزارعهم البور.

  ختاما


 تنضوي الأزمة المائية بين بغداد وطهران على مجموعة متنوعة ومتشابكة من الأسباب التي يبدو أنها لن تجد طريقها إلى الحل على المدى القصير لارتباطها بنهج إيران الحريصة على الامساك بكافة الموارد العراقية لاستخدامها كورقة ضغط ومساومة رابحة، بينما تتطلب مشروعات تنمية والحفاظ على مياه العراق حالة من الاستقرار السياسي وتوافر الموارد الاقتصادية اللازمة للتمويل وكلاهما غير متحقق حاليًا، فضلًا عن ضرورة توافر إرادة دولية للضغط على طهران للانخراط ضمن إطار قانوني لتقاسم المياه مع الجار الغربي، يبدو أنها غير متحققة، ويُمكن استجلاء ذلك بوضوح من الموقف الدولي الضعيف الذي يصل إلى حد التخاذل تجاه أزمة سد النهضة، وبالتالي لن يكون المجتمع الدولي متحمسًا لتحقيق سابقة في المنطقة بشأن تنظيم عمليات بناء السدود على الأنهار الدولية أو التدخل في تحديد حصص المياه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى