مقالات رأي

مصر وسياسة النفس الطويل

الصراعات والتحديات المصيرية التي تواجه الدول والأمم في عالمنا المعاصر، سواء كانت سياسية أو أمنية أو اقتصادية، أصبحت أكثر تعقيدًا، وكل الملفات تداخلت مع بعضها البعض، وهو ما نطلق عليه “الصراعات الهجينة” التي تتداخل فيها كل الأطراف الدولية والإقليمية، كل حسب ثقله وما يمتلكه من قدرات على تحديد مسار هذه الصراعات لتحقيق مصالحه، فالمصالح متشابكة والفاعلون كُثر في كل صراع، ومن تتوافق مصالحه مع مصالحك وأهدافك في ملف ليس بالضرورة أن تتوافق مصالحه معك في ملف آخر، وهذا ما يدفعنا دائمًا أن نقول إن العلاقات الدولية تبنى دائمًا على المصالح وفقط، وليست هناك صداقة دائمة أو عداوة دائمة.

تتسم هذه الصراعات بأن السياسات والمواقف المعلنة لأطراف الصراع والمؤثرين فيه بشكل أو بآخر لا تعبر بالضرورة عن نواياهم وسياساتهم وأهدافهم الحقيقية، وقد تكون هناك أطراف فاعلة بشكل كبير ومؤثر في صراع معين لكن لا تجدها جزءًا من التعاطي السياسي والإعلامي على المستوى الدولي.. ولتبسيط الأمر، إذا طالعت على سبيل المثال كل المواقف الإقليمية والدولية تجاه أزمة ليبيا، ستكتشف أن جميع الأطراف اتفقوا على رغبتهم في رؤية ليبيا مستقرة وموحدة تنعم بالسلام والرخاء!، لكن في نفس الوقت يخفون أهدافهم الاستراتيجية في هذا البلد الغنى وتعظيم مكاسبهم من ثروات الغاز والبترول وكعكة الإعمار وصفقات الأسلحة المستقبلية والاستفادة من وضعية ليبيا الجيوستراتيجية في شمال إفريقيا وعلى البحر الأبيض المتوسط.

هذا التقديم لا يعنى بالضرورة أننا سنشهد استدامة للصراعات القائمة، فاستدامتها ستكون لها تداعيات خطيرة بطرق وأشكال مختلفة على السلام والأمن الدوليين، وهو ما سيدفع الأطراف الأكثر فاعلية في النهاية إلى حتمية الحسم والحل والوصول لتوافق عبر تقديم تنازلات تضمن لكل طرف تحقيق الحد الأدنى من مصالحه، أو استخدام الطرف الأقوى في المعادلة، الصراع، كل أدواته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وحتى العسكرية لتحييد أطراف أخرى وطردها خارج طاولة توزيع المكاسب.

قُدّر لمصر، الدولة الأكبر والأقوى في الشرق الأوسط، أن تكون طرفًا رئيسيًا في كل صراعات وأزمات الإقليم، خاصة التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على أمنها القومي ومجالها الحيوي، ونجحت بشهادة العدو قبل الصديق عبر «سياسة النفس الطويل»، والتوظيف الاحترافي لقدراتها الشاملة، التي عملت على تعظيمها وتنميتها في السنوات الأخيرة في حسم الكثير من التحديات الكبيرة التي واجهتها على المستوى الداخلي أو الخارجي، وأن تكون طرفًا لا غنى عنه فعليًا وغير قابل للاستبدال في أي معادلة جديدة للأمن الإقليمي، وأن تعيد بناء وتشكيل علاقاتها الخارجية على أسس جديدة مع كل القوى الدولية والإقليمية بما يساعدها على الحفاظ على مصالحها القومية ومصالح إقليمها العربي.

كثيرًا ما يقف البعض عاجزًا عن فهم كيف تدار السياسة الخارجية المصرية في الملفات المختلفة، وتطرح العديد من التساؤلات على المستويات الشعبية وحتى الأكاديمية والبحثية والإعلامية في محاولة لفك طلاسم تعاطى القاهرة مع ملفات الإقليم المعقدة والمركبة والهجينة التي تتسم، كما ذكرنا في الأعلى، بتعدد الفاعلين والأطراف، لكن يغيب عن هؤلاء أن مصر عادة لا تحسم صراعاتها بنظرية «الضربة القاضية»، فهي دولة رشيدة وذكية لديها تراكم كبير من الخبرات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية اكتسبتها على مدى أكثر من ٧٠ عامًا من صراعاتها المختلفة ما يساعدها على الحفاظ على مصالحها بأقل الخسائر، وقد تهزم وتنكسر في أوقات، لكن لا تلبث أن تنهض مرة أخرى وتكون أكثر قوة مما سبق، وتعيد بناء نفسها من جديد لتقوم بالدور الذي قُدّر لها ولا غنى عنه.

الثقة الكبيرة التي يتحدث بها دائمًا الرئيس السيسي حول مآلات التصعيد الإثيوبي في أزمة سد النهضة، والتأكيد على امتلاك مصر كل القدرات لحماية أمنها المائي، لم تأتِ من فراغ، وليس مجرد طمأنة للشعب المصري الذي تثق غالبيته بالفعل في إدارة مؤسسات الدولة للملف، لكن هذه الثقة مدفوعة بوجود سيناريوهات متنوعة للتعامل مع الأزمة وبتقديرات مواقف استراتيجية لتعاطى مختلف الأطراف الإقليمية والدولية مع الملف وقدرات وشكل تداخلات كل طرف وآليات مواجهته.

ملف أزمة السد والصراع على النيل الذي خلقه حكام إثيوبيا لا ينبغي النظر له كملف منفصل عن باقي الملفات والأزمات والصراعات الإقليمية والدولية، فلا تستطيع فصله عن الحرب الأهلية والاقتتال الإثني والعرقي داخل إثيوبيا، الذي من المتوقع أن يتصاعد وبقوة مرة أخرى وتكون له تداعيات على مستقبل الدولة الإثيوبية بشكلها الحالي مع طموح القوميات الإثيوبية المختلفة في تقرير مصيرها، ولا يمكن عزله عن التطورات الداخلية السياسية في السودان والصراع الناعم بين المكون العسكري والمدني، ولا الأزمة الحدودية حول منطقة الفشقة بين إثيوبيا والسودان، ومستقبل التطبيع السوداني الإسرائيلي، كما لا يمكن عزله عن الصراع على النفوذ بين أمريكا والصين وروسيا في منطقة القرن الإفريقي، ولا يمكن فصله عن الرغبة الروسية في إنشاء قاعدة عسكرية على سواحل السودان، التي تراجعت بضغوط أمريكية، ولا يمكن فصله عن مآلات مستقبل الحكم في إريتريا بعد تحالف “أفورقى” مع “آبى أحمد” في محاربة جبهة تحرير شعب تيجراى، ولا عزله عن استراتيجية التطويق المصرية الأمنية والعسكرية والاقتصادية لإثيوبيا بتحالفات واستراتيجيات تعاون مع دول شرق إفريقيا، ولا ملفات الشرق الأوسط الأخرى كملف ليبيا والصراع الفلسطيني الإسرائيلي وملف إيران النووي وأمن الخليج والبحر الأحمر وغيرها.

تعي مؤسسات الدولة المصرية جيدًا طبيعة الصراعات الهجينة التي تشتبك معها حاليًا، وتمارس «استراتيجيات طويلة الأمد مضمونة النتائج» لتحييد وإخضاع الخصوم والمساومة والتهديد الظاهر والباطن بملفات إقليمية أخرى، وتعلم متى وأين وكيف تصعد وتخفض حدة الصراع، وتنجح دائمًا في اللعب على تناقضات المصالح لكل الأطراف وتطويعها لصالح قضايا ومصالح الأمة المصرية، وبما نضمن معه الحفاظ على مكتسبات مشروع الإصلاح الاقتصادي داخليًا، واستكمال مشروع التنمية الشاملة الحالية، وعدم العودة مرة أخرى لنقطة الصفر وترك الإقليم يتم ابتلاعه والوقوع في شباك المخططات المشبوهة.

Twitter Account: @mar3e

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى