العالم

تطوير المقاتلات الجوية.. تنافس محتدم بين القوى الكبرى

في 20 يوليو الماضي أعلنت مؤسسة روستيك الروسية المتخصصة في مجال الصناعات التكنولوجية عن اطلاقها للنموذج الأولي من طائرتها المقاتلة الجديدة سوخوي 75 أو المعروفة اختصارا باسم Checkmet. المقاتلة الجديدة وُصفت بأنها الأحدث من ناحية التكنولوجيا، والأخف وزنًا في فئة الطائرات المقاتلة من الجيل الخامس. وهي كذلك الأقل من ناحية السعر إذا ما قورنت بعدد من المقاتلات المناظرة من ذات الجيل، فالسعر المتوقع للوحدة الواحدة من سوخوي 75 لا يتجاوز حتى الان 30 مليون دولار، في حين أن سعر نظيرتها الامريكية F-35 يفوق 77 مليون دولار، فضلًا عن أن سعر نظيرتها وشقيقتها الكبرى سوخوي 57 يفوق 40 مليون دولار أمريكي.

بالإضافة إلى ما سبق، ستقدم المقاتلة الجديدة عددًا من الميزات التنافسية التي ستدفع العديد من الجيوش حول العالم للإقبال عليها، فهي سهلة الصيانة نظرًا لاعتمادها في قوة الدفع على محرك واحد، وهي قادرة على تحمل ما وزنه 7.4 طن من الذخائر وخزانات الوقود وقت الإقلاع. وإلى جانب ذلك، تدار المقاتلة الجديدة من خلال منظومة ذكاء اصطناعي متطورة، وهو ما يجعلها أكثر كفاءة وعملية أثناء الاشتباكات.

 لذلك من المتوقع أن يتحمس العديد الدول خاصة النامية منها لاقتناء المقاتلة الجديدة؛ وذلك لاستغلال الفرصة المتاحة لمواكبة التطورات الحديثة في ملف المقاتلات الجوية، بما يسمح لها مضاهاة الدول الكبرى التي حققت نجاحات كبيرة في هذا الشأن خلال السنوات الماضية. لكن الإعلان عن طائرة “كش ملك” أو “Checkmate”, سيكون بمثابة جولة جديدة في السباق المحتدم بين الدول المصنعة للمقاتلات الجوية، حيث ستسعى العديد من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين إلى تقديم مقاتلات مناظرة لسوخوي 75؛ تلبية لاحتياجات العملاء الدوليين، وهو ما سيضمن وسيبقي حصتها من سوق المقاتلات الجوية. 

تاريخ صناعة المقاتلات

استُخدمت الطائرات كوسيلة للقتال بعد اندلاع الحرب العامية الأولى في 1914م, حيث سهلت تلك المركبات الجوية الجديدة عملية إطلاق الرصاص وقذف القنابل على خنادق العدو من أبعاد لم تكن مسبوقة من قبل, كما تم تطور استخدامها لكي تقوم بمهام القتال الجو-جو عن طريق اشتباك طائرة مع أخرى من خلال الرشاشات, لكن تكنولوجيا الطائرات في ذلك الحين كانت بدائية جدًا, فالطائرة كانت مصنوعة من الخشب والورق المقوى, وسرعة المحرك كانت محدودة للغاية، وهو ما أدى بدوره إلى حصر مهام الطائرات المقاتلة في بعض المهمات النوعية.

تصنيع المقاتلات الجوية شهد تطورًا غير مسبوق مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، حيث أدرك المتحاربون أهمية ذلك السلاح في الإغارة على أهداف العدو المدنية والعسكرية، مما سيؤدي بدوره إلى إحداث أضرار جسيمة ببنيته الداخلية، ليقوض ذلك قدرة جيوش العدو على استئناف عملية القتال، لذلك بذلت كل من قوات المحور وقوات الحلفاء العديد من المجهودات لتطوير الطائرات سواء القاذفات كبيرة الحجم منها أو المقاتلات التي تتصف بصغر الحجم وسرعة الحركة. 

لهذا يعزو المؤرخون أن سبب فوز قوات الحلفاء في العديد من العمليات العسكرية الهامة إبان الحرب، مثل معركة بريطانيا الجوية، ومعارك شمال افريقيا، وعملية برباروسا العسكرية لاقتحام روسيا، وأخيرًا معركة برلين، إلى قوة سلاح الجو الذي امتلكته تلك القوات، فالولايات المتحدة امتلكت وحدها بنهاية تلك الحرب أكثر 300,000 طائرة، فيما لم تمتلك ألمانيا النازية بنهاية الحرب سوى ما مجموعه 95,000 طائرة فقط. 

نهاية الحرب العالمية الثانية شهدت تحولا كبيرا في ملف صناعة الطائرات المقاتلة حيث سجل المؤرخون ظهور 6 طرازات من المقاتلات ذات المحركات النفاثة والتي كان في مقدمتها الطائرة الألمانية Messerschmitt Me 262, لتعرف هذه المجموعة من الطائرات فيما بعد بالجيل الأول من المقاتلات النفاثة، ولتبدأ من بعد ذلك سلسلة طويلة من التعديلات على قدرات الطائرة المقاتلة، وهو ما صٌنف في شكل أجيال مختلفة وصلت حتى الآن إلى خمة أجيال. 

أجيال متعاقبة

في بداية الخمسينيات من القرن الماضي تصاعدت حدة المنافسة التسليحية بين القوتين العالميتين في ذلك الوقت, وهما الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي, لذلك ظهرت العديد من التطورات غير المسبوقة في عالم الرادارات والصواريخ الموجهة والذخائر الجوية, هذا ما استدعى تطوير الطائرات المقاتلة لكي تتناسب مع طبيعة واحتياجات المعركة الحديثة, حيث كان مطلوبًا من المقاتلات أن تزيد من قدراتها لأداء مهام مختلفة كالقتال الجوي والقصف الأرضي, لهذا ظهرت مجموعة من الطائرات الأيقونية في عالم المقاتلات الجوية كالطائرة السوفيتية MIG-21 و الطائرة  الفرنسية Mirage III والأمريكية F-104 Starfighter, والتي تحسب جميعها ضمن الجيل الثاني من الطائرات. 

التطور العلمي المتسارع خلال عقد الستينيات ساهم في إضافة تحسينات كبيرة على تكنولوجيات الطائرات المقاتلة, وهو ما ساعد على إنتاج المقاتلات متعددة المهام  Multipurpose Fighter jet, والتي استطاعت حمل مجموعات مختلفة من الأسلحة والذخائر, مثل الصواريخ الموجهة جو-أرض وصواريخ القتال جو-جو بالإضافة إلى القنابل على اختلاف أنواعها, فضلًا عن حمل المدافع الرشاشة وخزانات الوقود والرادارات واسعة المدى, وهو ما أهلها للاشتراك في عمليات عسكرية متنوعة كالاعتراض والاشتباك الجوي, والاستهداف بعيد المدي، بالإضافة إلى الاسناد والدعم الأرضي. 

وساعدت تكنولوجيا الستينيات على تطوير تصميمات حديثة، أهلت المقاتلات الحربية لكي تكون أقل استهلاكًا للوقود، وأكثر قدرة على قطع مسافات طويلة، بالإضافة إلى سهولة المناورة والحركة أثناء العمليات، لذلك وصف هذا العقد بعقد المقاتلات من الجيل الثالث، وكان من أبرز ما تم انتاجه فيه المقاتلة F-4 Phantom  والسوفيتية Sukhoi Su-17 والبريطانية Hawker Siddeley Harrier.

النجاحات التي حققتها الطائرات متعددة المهام من الجيل الثالث، دفعت بالمصممين إلى تطوير وإنتاج المزيد من التكنولوجيات المتقدمة في مجال صناعة المقاتلات الجوية، كالإلكترونيات الرقمية والحاسوبية وأجهزة الملاحة عالية الدقة، وأجهزة البحث والتتبع بالأشعة تحت الحمراء والرادارات فائقة القدرة، فضلًا عن تطوير أداء وشكل محرك الطائرة لكي يوفر أقصى قدرة من الدفع وأعلى إمكانية للمناورة الجوية، وتم ابتكار أجهزة التشويش والهروب من الرادار والصواريخ المطاردة وذلك لتوفير أكبر قدر من الحماية للمقاتلات.

تلك التطويرات السابقة والتي تم إنتاجاها على مدار عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات، وصفت بأنها الجيل الرابع من الطائرات المقاتلة، وكان من أشهر نماذج الطائرات في هذا الجيل المقاتلة الأمريكية F-16 falcon والتي تعد الأشهر والأوسع استخداما في عالمنا اليوم، بالإضافة إلى الطائرة السوفيتية سوخوي Su-27, والسويدية Saab 37, والأوروبية Tornado.

علي الرغم من الأزمات الاقتصادية التي واجهتها دول العالم وفي مقدمتها الدول الكبرى خلال العقد الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين, لم تلن عزيمة الشركات العاملة في تصنيع المقاتلات, بل استمرت في تطوير ما هو متاح من الطائرات, وذلك لتلبية احتياجات الجيوش المختلفة في عملية دعم قدراتها الجوية, لذلك قام العلماء بتعزيز طائرات الجيل الرابع من خلال إضافة ودمج عدد من التقنيات التكنولوجية الحديثة مثل أنظمة الاتصالات والاشتباك المتعدد, لتُعرف تلك الفئة المطورة من طائرات القتال باسم الجيل أربعة ونصف “4.5 “, والتي من أشهر نماذجها على الإطلاق الطائرة الفرنسية داسو رافال Dassault Rafale , والروسية MIG -35, والصينية JF-17 Thunder, والأوروبية Eurofighter Typhoon.

مستقبل أكثر تطورًا

مع عودة سباق التسلح إلى واجهة المشهد العالمي خلال العقدين الماضيين من القرن الحالي، بدأ عدد من الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين في إعادة ترتيب خططها من أجل ضمان التفوق الجوي العسكري، لذلك أطلقت تلك الدول عددًا من البرامج الهادفة إلى صناعة مقاتلات حربية عالية التقنية، لتكون تلك المقاتلات قادرة على التخفي من الرادارات المعادية، ومتمكنة أيضًا من المناورة أثناء القتال، فضلًا عن قدراتها الاستثنائية على الاتصال والسيطرة داخل ساحة المعركة.

وتعد الولايات المتحدة هي الأكثر تقدمًا في هذا الملف, فخلال عامي 2005 و2006م أطلقت أمريكا نوعين مختلفين من تلك الطائرات المتقدمة والتي تحسب على الجيل الخامس من الطائرات, وهما المقاتلة F-22 Raptor  و المقاتلة F-35 Lightning, وتعد الولايات المتحدة كذلك من أكثر الدول إنتاجًا لهذا الجيل من الطائرات حيث انتجت على مدار 15 عامًا فقط ما يفوق 690 طائرة, فيما تأتي الصين كثاني أكبر مصنع للطائرات من الجيل الخامس حيث أنتجت خلال 10 سنوات فقط أكثر من 150 طائرة من طرازي J-20 و FC-31, ويُتوقع خلال السنوات القادمة أن تنتج تلك الدولة مئات أخرى من طائراتها من الجيل الخامس, وهو ما قد يفوق الإنتاج الأمريكي مستقبلًا. 

وتأتي روسيا في المرتبة الأخيرة في هذا السباق، حيث لم تنتج تلك الأخيرة من مقاتلها سوخوي 57 والمنتمية للجيل الخامس للمقاتلات، سوى 10 طائرات فقط فيما لم تنتج من الطائرة الجديدة من سوخوي 75 سوى نموذج وحيد لا يزال قيد الدراسة والتعديل، لكن روسيا عازمة خلال الفترة القادمة على أن تعزز إنتاجها من تلك الطائرات وذلك لكي تناظر قدرات كل من أمريكا والصين.  

وإلى جانب تصنيع الطائرات من الجيل الخامس، يعتزم عدد من الدول الكبرى تدشين برامج خاصة بابتكار طائرات أكثر حداثة وهو ما يوصف بالجيل السادس من الطائرات، وتلك الدول هي الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، واليابان وروسيا، والصين، وألمانيا، والسويد، وإيطاليا، وفرنسا، واسبانيا، والهند.

وستركز تلك الدول في برامجها على الاعتماد على تقنيات الحرب السيبرانية وتقنيات المركبات غير المأهولة في برمجة نظم إدارة تلك الطائرات، وهو ما سيعطيها تفوقًا نوعيًا على كافة أنواع الطائرات التي عرفها البشر يومًا، وسيحميها من اعتراض كافة أنواع أجهزة الرادار بفضل قدراتها المتقدمة على التخفي والهروب السريع. 

ختامًا، تدفع المتغيرات الدولية التي يشهدها عالمنا اليوم إلى تصاعد حالة المنافسة بين الدول الكبرى، وذلك في سبيل إنتاج المقاتلات الجوية الأحدث والأكثر فاعلية بساحة المعارك، ويعد تدشين البرامج البحثية الخاصة بتطوير وتصنيع الطائرات من الأجيال الجديدة جزءًا أصيلًا من سباق التسلح المحتدم بين القوى الكبرى القديمة كالولايات المتحدة ودول غرب أوروبا والدول الكبرى الصاعدة كالصين وروسيا والهند.

لكن هذا السباق يمكن ان يعود بالنفع على الدول النامية، إذ تفتح دول كبرى مثل روسيا والصين الآن أبوابها أمام الدول النامية للمشاركة في مثل تلك البرامج، وهو ما سيؤمن حاجة تلك الدول من المقاتلات ذات التكنولوجيا المتطورة، وهو ما يمكن أن يكون سببًا في تقليص الفجوة التكنولوجية بين إمكاناتها التسليحية وبين إمكانات نظرائها الإقليمين والعالمين من الدول المتقدمة، مما سينعكس بشكل مباشر على أمن واستقرار تلك الدول النامية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى