مقالات رأي

صلاح النصراوي يكتب : السياسة الأمريكية في شرق أوسط متحول

منذ فوز الرئيس جو بايدن في انتخابات الرئاسة الامريكية نهاية العام الماضي بدأت الأسئلة تتوالى عن ماهية وطبيعة السياسة الخارجية التي ستتبعها ادارته، خاصة بسبب التوقعات باحلال بدائل غير انعزالية لسياسات سلفه دونالد ترامب الذي خاض علاقاته الخارجية تحت راية شعاره المفضل “امريكا اولاً”.وكان من الطبيعي ان يحتل الشرق الاوسط الاولوية في اهتمامات دوله وشعوبه عما يمكن ان تنطوي عليه السياسة الامريكية الجديدة في ظل تحولات جوهرية وصراعات قوى حادة وتبادل ادوار، ربما تعيد تشكيل المنطقة لفترة طويلة قادمة.

اكثر من قرنين من الزمان مرا على اول اتصال امريكي مع منطقتنا، التي ستعرف لاحقا في ادبياتهم بالشرق الادنى، ثم بعد ذلك بالشرق الأوسط، وهي فترة طويلة في الزمن التاريخي كي تكشف عن اتجاهات بوصلة السياسة الامريكية في المنطقة، لا سيما وانها فترة توالت عليها امبراطوريات استعمارية، ونشأت فيها دول خرجت من رحم حروب عالمية كبرى وجرت في ربوعها صراعات دولية واقليمية ضارية شكلت جميعها صورة الشرق الأوسط كما هو عليه اليوم.واذا ما كان هناك من وصف عام للاشتباك الامريكي مع منطقتنا فهو يكمن في الاتجاه التصاعدي الذي أخذه المنحنى العام من مجرد طموحات في التمدد التجاري والتوسع التبشيري وايجاد مواطئ قدم في سواحل شمال افريقيا للحصول الى المزيد من العبيد في بداية القرن التاسع عشر، الى ان تصبح واحدة من اهم مناطق النفوذ والمصالح الامنية الاستراتيجية العالمية للولايات المتحدة لما يزيد عن قرن الأن.
بعد الحرب العالمية الاولى خرجت الولايات المتحدة شريكة في الانتصارات التي حققها الحلفاء بعد ان اصبحت مبادئ الرئيس ودرو ولسن احدى الوثائق الاساسية التي رسمت معالم الرؤية الامريكية لعالم ما بعد الحرب الذي يقوده التحالف الغربي.كان من نصيب امريكا من المكاسب في الشرق الأوسط هو امتيازات في شركات البترول فتحت امامها هيمنة على السوق العالمية لهذه السلعة التي سميت بالذهب الاسود امتدت لعقود طويلة.غير ان الاهم هو انها منحت الولايات المتحدة الفرصة كي يكون لها موطئ قدم في الشرق الأوسط وتدخل شريكا مع الحلفاء البريطانيين والفرنسيين في قيادة هذه المنطقة الاستراتيجية التي تشكل قلب العالم.
ستشكل الحرب العالمية الثانية وبعدها الحرب الباردة الرافعة التي وضعت الولايات المتحدة في بؤرة السياسية الغربية واستراتجيات الهيمنة الشرق الأوسط من خلال وضع المنطقة في صميم عملية الاحتواء ومناطق النفوذ التي اطلقها جورج كينون والتي اصبحت السياسية الخارجية الرسمية الامريكية.ستترسخ سياسة امريكا في المنطقة على اسس ثابتة وهي مكافحة الشيوعية واحتواء النفوذ السوفيتي ومواجهة حركة التحرر الوطني والقومي العربية وحماية اسرائيل وضمان أمن خطوط امدادات البترول وستخوض من أجل ذلك اشرس المعارك السياسية وتنفذ دسائس ومؤامرات من اجل ترسيخ وجودها ونفوذها كقوة مهيمنة على المنطقة.
ربما سيكون سقوط الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الشيوعية مع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي واعلان الرئيس جورج بوش الاب عن انتصار القطب الواحد هو استهلال المرحلة الثالثة من مراحل النفوذ الامريكي في الشرق الاوسط الذي اصبح طاغيا من الناحيتين السياسية والعسكرية، وخاصة بعد حرب الخليج الاولى عام 1991.وسيتيح التقدم الاقتصادي الذي تحقق خلال فترة رئاسة بل كلنتن بتحقيق نسبة نمو بلغت نحو 27 بالمائة والثورة التكنلوجية التي انتجت الانترنيت ووسائل الاتصال المتقدمة مصادر قوة اضافة للولايات المتحدة ادت الى تعزيز مواقعها في الشرق الاوسط وان تقوم في عهد جورج بوش الابن باول عملية غزو كبرى في المنطقة في العراق والسعي بعد ذلك لفرض نظام سياسي على دولها من خلال ما دعي بالفوضى الخلاقة، وهي استراتيجية تفكيك وهدم واعادة تركيب لم تنج من تبعاتها المنطقة رغم فشلها.
في المرحلة الرابعة سيأتي باراك اوباما على رأس ادارة جديدة كانت الولايات المتحدة قد خرجت جريحة من الهزيمة في العراق، عاجزة عن ان تجد حلا سلميا للصراع العربي الاسرائيلي بعد نحو ستة عقود، غارقة في ازمة مالية واقتصادية طاحنة ضربت قوتها المادية في الصميم.اضافة الى ذلك كانت القوتان الصينية والروسية تبزغان في عالم جديد مما سيجعل من بقاء امريكا لاعبا اساسيا في الشرق الاوسط موضع شك وسيدفع باوباما الى محاولة تفكيك الاستراتجية الامريكية القديمة في الشرق الاوسط وكشف محدودية القوة الامريكية في العالم الجديد معلنا في خطاب شهير له في اكاديمية ويست بوينت العسكرية بان امريكا “لا يمكنها ان تكون المطرقة التي تهوي كلما وجدت مسمارا في العالم.”
مرحلة العزلة الامريكية الخارجية ستتوج بخسارة الديمقراطيين في انتخابات 2016 بالرغم من مسعى اوباما الخروج المنظم من الشرق الاوسط وسيأتي دونالد ترامب لكي يكرس سياسة جديدة كما شرح توجهاتها الاساسية في استراتيجية الامن القومي لعام 2017 ونفذها في العديد من مناطق الاشتباك الامريكية التقليدية ومنها تقليل المساهمات في الناتو والخروج من النافتا وتبريد العلاقة مع الاتحاد الاوربي وتقليل الاحتكاكات مع روسيا.سيركز ترامب ضمن سياسة “امريكا اولا” على مسائل الامن الوطني كالهجرة ومكافحة الارهاب ومواجهة الهجمات السبرانية.وبقدر ما يتعلق الامر بالشرق الأوسط فقد ترجمت سياسة الخروج من “الحروب التي لا نهاية لها” والتي استنزفت امريكا الى تحالفات ثنائية مع بعض الانظمة العربية، طابعها الحقيقي استثماري ومحورها التضييق على ايران ودعم اسرائيل وتكريس التطبيع معها بهدف فرض وجودها النهائي في المنطقة.

غروب القرن الامريكي في الشرق الاوسط

بتأسيس قيادة المنطقة المركزية (CENTCOM) عام 1983 بدلا عن قوة المهام المشتركة للانتشار السريع (RDJTF) فقد اكدت الولايات المتحدة على استعدادها لتعزيز دورها الامني في المنطقة الذي أخذ بالتوسع منذ الانسحاب البريطاني من شرق السويس.كان قرار الرئيس رونالد ريغن تأسيس القيادة في ذروة ازمات كبرى في المنطقة كالحرب العراقية الايرانية والغزو السوفيتي لافغانستان والحرب الاسرائيلية ضد لبنان هو بمثابة اندفاع في “الانغماس الاستراتيجي” في المنطقة لمواجهة اعداء امريكيا وحماية حلفائها ومصالحها.هذا الانغماس المتزايد ارتبط بعاملين اساسيين هما الاندفاع الامريكي بالرغبة بقيادة العالم في مواجهة الاتحاد السوفيتي وهزيمته والقدرة على حشد تأييد الرأي العام الامريكي لمواجهة التهديديات التي تتعرض لها بلادهم.
على مدى العقد الاخير تظافرت عوامل شتى كي تضع القوة الامريكية وهيمنتها على الشرق الأوسط محل اختبار بشأن مستقبل السياسية الامريكية في المنطقة وبدأت المؤشرات تتوالى على تراجع الدور الامريكي وابتعاد الولايات المتحدة عن المكانة التي احتلتها طيلة عقود طويلة في المنطقة في مؤشر على امكانية بدء مرحلة “الانقطاع الاستراتيجي” كبديل عن “الاستمرار الاستراتيجي” الذي طبع التواجد الامريكي خلال الفترات السابقة.فعلى النقيض من تنامي انتشار القوات الامريكية في المنطقة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي فقد اصبح هذا الانتشار الواسع مع نهاية العقد الماضي عبئا ثقيلا في ظل غياب الحافز الاستراتيجي على المستويين والاقليمي والدولي والانهاك الذي اصاب القوة الامريكية وقلة العائد الاقتصادي ازاء تكلفة الانتشار المرتفعة وبدء عهد الانعزالية الامريكية.
اقليميا، كان غزو العراق واحتلاله ضربة قاصمة للنفوذ الامريكي في الشرق الاوسط بسبب فشل الولايات المتحدة في بناء عراق ديمقراطي كما وعدت وتحول العراق الى دولة فاشلة وبؤرة صراعات طائفية وعرقية ومصنع للارهاب في المنطقة وفي العالم.كشف المشروع الامريكي في العراق تناقضات السياسة الامريكية بين القيم الاخلاقية والسياسية والثقافية التي كانت تدعيها امريكا وبين غطرسة القوة والهيمنة بالنفوذ التي كشفت عن الفجوة الهائلة بين الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين في المنطقة الذين ارتابوا مما سمتها ادارة الرئيس جورج بوش بمشاريع الاصلاح في المنطقة بعد غزو العراق وتغيير النظام فيه.صحيح ان الضغوط التي مارستها تلك الادارة تركت اثاراً تراكمية، ومنها ما ساهم في اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، الا ان المقاومة الشرسة التي ابدتها الدول العربية الرئيسية لاجندة الاصلاح الامريكية هذه ادت الى تآكل النفوذ الامريكي وبدء تراجعه.
على الصعيد العالمي كان هوس الولايات المتحدة بفكرة الاحادية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وغياب الخطر الذي يمثله قد بدأ يتلاشى بعد ان ادركت امريكا بعد ذلك الكلفة العالية لاستفرادها بقطبية القوة العالمية لفترة قصيرة ريثما تغيرت المعادلة سريعا ببزوغ اقطاب جديدة وهي روسيا والصين وظهور ميول استقلالية عن الهيمنة الامريكية المطلقة لدى اليابان والدول الكبرى في الاتحاد الاوربي.وازداد تفكك القطبية بظهور قوى اقليمية ناهظة كالهند والبرازيل وكوريا الجنوبية، بل بظهور فواعل تعمل خارج اطار الدولة لكنها تؤثر على نظام الامن الدولي كطالبان والقاعدة وحماس وحزب الله.وسيلاحظ ريتشارد هاس في مقال له بعنوان عصر اللاقطبية (مجلة فورين افيرز مايو/ يونيو 2008) بان “حقيقة القوى الامريكية لم تعد بامكانها ان تخفي الاضمحلال النسبي للدور الامريكي في العالم.”ولم يكن هناك منطقة في العالم بان فيها هذا الضمور في القوة الامريكية واتضحت علامات التعب اكثر من الشرق الأوسط بعد نحو قرن من اقتحامها له.
لا شك ان هناك عوامل اخرى ساهمت تدريجيا في تراجع الدور الامريكي في المنطقة منها اضطرارها لتوظيف فائض القوة الذي لديها في الحرب على الارهاب التي شنتها بعد تفجيرات 11 سبتمبر وفتحها جبهات عالمية متعددة وتسخير موارد كبيرة دون ان تحقق نتائج حاسمة في معركتها ضد تنظيمات ارهابية لازالت نشطة وتتشعب.كما ساهم تراجع دور البترول الجيوسياسي ( geopolitics of energy) في العقود الاخيرة بسبب التحولات في سوق الطاقة العالمي وانتقال ثقل سوق البترول الى الصين وشرق اسيا وكذلك زيادة الاعتماد على موارد غير بترولية مثل الغاز وكثافة استخدام محركات السيارات الكهربائية بتراجع مماثل في دور البترول في سياسات الامن في الشرق الأوسط.اما العامل الاخر المتثمل بالدعم التاريخي الامريكي لاسرائيل فانه اصبح اقل شأنا بسبب تنامي القوة الاسرائيلية وعدم اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة مثلما بان في الحرب على لبنان عام 2006 ثم الحروب مع غزة منذ عام 2008 وكذلك عمليات الردع التي تقوم بها اسرائيل في سوريا وضد المصالح الايرانية.

تحولات البيئة الامنية في الاقليم وتبعاتها

المقصود بالتحولات (transformation) الاقليمية في السياقات التاريخية والجيوستراتيجية هي الانتقالات الكبرى التي تتم في قرارات السياسة الخارجية خلال حقب او فترات والتي تؤدي الى تغييرات جوهرية في المشهد وفي سلوكيات الدول، او اللاعبين الاخرين في الاقليم.وفي خضم التحولات سيكون هناك دائما تغييرات معيارية في موازين القوى بين دول دول آفلة وأخرى طالعة تشعر بالقوة وتبدأ بأخذ دورها في تحمل مسؤولية القيادة في الاقليم.
في هذا السياق شهدت منطقة الشرق الاوسط خلال السنوات الماضية تغييرات بنوية عميقة على صعيدين: اولاً في نطاق البيئة الامنية الاقليمية، وثانياً في ظهور توجهات سياسية جديدة نحو الولايات المتحدة شهدتها العديد من دولها كانعكاس للتحولات في الدور الامريكي.فعلى المستوى الاول جرت عملية تحول في المشهد الجيبولتيكي الجاري في عدة مناطق في الاقليم ناتج عن افرازات التدخل الامريكي في المنطقة.فقد ادى الفشل الامريكي في العراق الى ثلاث نتائج بارزة، الاولى هي ازدياد النفوذ الايراني في العراق نتيجة استغلال ايران للفراغ الذي خلفته امريكا بعد انسحابها غير المدروس عام 2011 ومن ثم اتساع هذا النفوذ الى دول اخرى في المنطقة.النتيجة الثانية كانت تنامي الارهاب ووصوله الى مرحلة متقدمة في اعلان دولة الخلافة الاسلامية (داعش) عام 2014 وعجز القوة الامريكية عن ان تقضي على التنظيم وامتداته، وبالتالي استمرار خطر الظاهرة الارهابية في المنطقة.اما النتيجة الثالثة فقد تمثلت بالتحورات الجذرية في العلاقات العربية-الامريكية منذ اخفاق مشروع بوش للاصلاح الديمقراطي في المنطقة وبعدها تخبط ادارة اوباما في التعامل مع احداث الربيع العربي، الأمر الذي هز ثقة اطراف اساسية في النظام الاقليمي العربي بالسياسة الامريكية، وبالنتيجة الى تقلص مساحة الدور الامريكي في المنطقة.
التحولات الاساسية الاخرى في الاقليم جرت مع الدخول المتزايد للقوتين الروسية والصينية الى الشرق الاوسط وتقليصهما للتفاوت في المكانة والنفوذ اللذان تمتعت بهما الولايات المتحدة الامريكية في المنطقة لعقود طويلة.لا يتعلق الامر فقط بالوجود العسكري والبحري القوي لروسيا في سوريا او للاتفاقات التي ابرمتها مع عدد من الدول لانشاء قواعد او تطوير التعاون العسكري معها، بل بالنموذج الذي قدمته روسيا في تحدي الولايات المتحدة التي عملت لعقود طويلة على حرمان الاتحاد السوفيتي من التمدد في المنطقة.وبفضل العمل الدؤوب على اختراق المنطقة عبر عقود طويلة تمكنت الصين ايضا من استغلال التراجع الامريكي فتمكنت عبر مشروع “الحزام والطريق” من ان تقدم اغراءات كثيرة لدول المنطقة كي تتسلل جيوبولتيكيا اليها وتنشر اسطولها البحري في خليج عدن او ان تتفق مع ايران لنشر الالاف من الجنود الصينيين في منطقة الخليج العربي التي ظلت تعتبرها واشنطن بحيرة مغلقة على امريكا وحلفائها.
ما سيرخي بظلاله ايضا على مسرح التحولات الجيوسياسية في الشرق الاوسط هو تنامي النفوذ الايراني والتركي وظهور البلدين كلاعبين طموحين يسعيان لحجز دوريهما في تقرير مستقبل المنطقة عبر التمدد بوسائل التدخل المباشر او من خلال الوكلاء المحليين، او حتى المرتزقة.ولا سباب تاريخية تتعلق بالدور الذي لعبته الدولتان في الماضي وذهنية التوسع التي لاتزال تسود في ثقافتيهما والتمددات الديموغرافية والدينية والمذهبية لهما فان تأثير ذلك سيكون طاغيا في تغيير البيئة الامنية والمجال الجيوبولتكي وموازين القوى في المنطقة.لقد اثير الكثير خلال السنين الاخيرة بشأن الاتفاقيات الدولية التي تأسست عليها المنطقة بعد الحرب العالمية الالولى من “سايكس بيكو” مرورا بـ”سيفر” و”سان ريمو” حتى “لوزان” وكذلك التفاهمات التي تمت في المراحل اللاحقة والتي لاتزال تثير المخاوف من صراعات محتملة قد تتجاوز نتائجها من مجرد تحولات في سياق معادلة امنية اقليمية جديدة الى سياق تاريخي-جغرافي وتؤدي الى تغيير في الخرائط.
وبطبيعة الحال وككل تحولات جيوسياسة فانها تترك انعكاساتها داخليا بتغييرات عميقة داخل مجتمعات ودول المنطقة تخلق من خلال التفاعل بينهما بيئة اقليمية مغايرة، وخاصة حين تتعرض الدولة الى انهيارات ويظهر فاعلون اساسيون جدد من خارجها يسعون الى تغيير معالم المشهد السياسي.ما نراه اليوم على اتساع دول المنطقة ظهور هؤلاء الفاعلين ممثلين بجماعات الهويات الدينية والطائفية والإثنية والقبلية التي يفرض وجودها مقاربات جديدة في قضايا العلاقات الدولية والامن العالمي.ان الظهور المتزايد لهذه الجماعات، وخاصة عندما تكون مسيسة ومسلحة، خلال العقود الاخيرة فرض تغييرات جوهرية في معادلات القوة وازاح الكثير من الادوار القديمة ومنها ادوار الاطراف الخارجية.ان نظرة الى سلوكيات حزب الله في لبنان والمليشيات الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن وحزب العمال الكردستاني في تركيا وتنظيم داعش الارهابي وغيرها من الجماعات في عموم المنطقة ستكشف ليس فقط عن اصطفافات القوى الجديدة فيها، بل عن تغيير في طبيعية الصراعات التي تأخذ طابع هوياتي لم يعد بالامكان تجاهلها من قبل المخططين الاستراتيجيين ودراسي العلاقات الدولية.

هل تعود امريكا للشرق الاوسط؟

سيبصح من نافل القول اذا ربطنا كل هذه الجزئيات بالكليات ان هذه التحولات تؤشر الى أزمة انتقال المنطقة من نظام قديم آيل الى الزوال الى نظام جديد في طريقه الى ان يتشكل مما سيضع موضع المسائلة من قبل صانعي القرار السياسي والمحللين والمتابعين في المنطقة الدور الامريكي في الشرق الأوسط الذي طالما كان قياديا خلال نحو قرن وعما اذا كان سيظل كذلك، او يتحور بدوره وفقا للمعادلات الجيوسياسية المستجدة.ما تخبرنا به الوقائع الحالية هو ان المكاسب السياسية والعسكرية والاستراتيجية التي حققتها امريكا في الشرق الأوسط اصبحت الان تواجه تحديات كبيرة.اضافة الى النفوذ والهيمنة السياسية والاقتصادية كان لواء التفوق والسيطرة في المنطقة قد انعقد للولايات المتحدة في كل المجالات العملياتية حيث ظل بامكانها ان تنشر قواتها واساطيلها وقواعدها الجوية في اي مكان واي وقت.اما الان فهي تواجه ببرود او لا مبالاة من قبل حلفاء الامس، وبمقاومة شرسة من قبل قوى محلية او اقليمية ومنافسة قوية على الارض وفي البحر وفي السماء من قبل اقطاب دوليين كروسيا والصين.
تتطلع الانظار الى الرئيس بايدن كي يكشف عن رؤيته واستراتجيته تجاه الشرق الأوسط بعدما اصبح جليا ان الدور الامريكي فيها اما انه قد تراجع كليا على احد التقديرات، او انه تقلص الى حجم مساحة الاطراف المنافسة، على تقديرات اخرى.ما هو معلن من سياسيات بايدن هو نيته انهاء حروب امريكيا في العالم وكانت اول خطواته العملية هو الانسحاب من افغانستان وخطوات اخرى شملت تقليص الوجود العسكري في العراق واعادة تموضع القوات الامريكية في المنطقة، مثل نقل القوات من قاعدة السيلية في قطر الى الاردن وسحب بطاريات باتريوت ومعدات اخرى من الخليج.اما على الصعيد السياسي فان ما هو معلن ايضا التوجه نحو شرق اسيا والصين حيث يرى بايدن الخطر الاكبر الذي يمثله التنين الصيني على المصالح الامريكية في العالم والى حد ما الى روسيا التي يرى انها تمثل خطرا وخاصة في المجال السبراني.
كان شعار بايدن الذي اطلقه فور توليه المسؤولية هو “ها قد عادت امريكا” ( America is back) لكن وقائع الشهور الستة المنقضية تشي بشيء مختلف غير مجرد تقاطع ذلك مع شعار سلفه ترامب “امريكا اولاً”.فاذا ما اخذنا “توجيهات الامن القومي الاستراتيجية المؤقتة” التي صدرت عن ادارة بايدن في مارس بعين الاعتبار فان الاتجاه العام للخطوات الامريكية المتوقعة في الشرق الاوسط هو “تحجيم” عدد القوات خلال الفترة القادمة بحيث تكون متناسبة مع الحاجة الى المستويات المطلوبة لإعاقة نشاطات شبكات الارهاب الدولي وردع العدائيات الايرانية وحماية المصالح الامريكية الحيوية.”اما توجيهات بايدن الى اللجنة المشكلة في البنتاغون لـ”مراجعة موقف القوة الدولي” (global force posture review) فانها تستهدف اعادة النظر بالاتفاقات والالتزمات التي تعهدت بها الولايات المتحدة نحو شركائها في العالم واعادة هيكلة مصادر القوة العسكرية في مناطق من بينها العراق والبحرين والكويت في الشرق الأوسط.
التحليل الاولي للخطوات الفعلية التي اشتبكت فيها سياسة بايدن الخارجية في الشرق الأوسط سيشير الى ضبابية وتعثر وارتباك في بعض الملفات الرئيسية التي كان على ادارته ان تعالجها لتصحيح اخطاء امريكا في المنطقة، خاصة تلك التي ارتكبتها خلال العقدين الماضيين، وكذلك التخلي عن الاتجاه الانعزالي لادارة ترامب.على رأس هذه الملفات تأتي اليمن التي اختارها بايدن منطلقا لدبلوماسية شرق أوسطية كان يأمل من ورائها ان يحقق اختراقا يدخل عبره الى تحقيق انجازات في ملفات اخرى تتعلق بايران وملفها النووي وتصاعد نفوذها في المنطقة.اما عدم اليقين الذي يحيط بدبلوماسية ادارة بايدن فانه يتجلى في ملف التعامل مع المليشيات العراقية التي تتحدى الوجود الامريكي هناك باطلاق الصواريخ والمسيرات الهجومية على القوات الامريكية بهدف اجبارها على المغادرة.وفي سوريا وليبيا ولبنان لم تنجح ادارة بايدن لحد الان من بلورة خيار استراتيجي واضح يتعامل مع مسارات الازمات في هذه البلدان ويحقق فيها نتائج ما، مما يوفر ادلة اضافية على الحدود الضيقة لشعار عادت امريكا، بالاقل في ما يتعلق بالشرق الأوسط.
ستكون هناك اختبارات اخرى لسياسة ادارة بايدن في ما يتعلق بملفات كانت المقاربات بشانها تتفاوت بين الادارات الامريكية المتعاقبة اعلن انه سيمنحها الاولوية وهي حقوق الانسان وتعزيز الديمقراطية وهي قضايا شائكة ودائما ما سممت علاقات واشنطن مع عواصم الشرق الأوسط.لهذا الهدف عين بايدن مبعوثة خاصة لحقوق الانسان كما اعلن عن خطط لعقد ما يدعى مؤتمر “قمة الديممقراطية” واعتبر ان المجالين سيكونان في نصب اهتمامات الدبلوماسية الامريكية في عهده.حتى الان تحاول الاطراف المعنية في المنطقة جس نبض بايدن لتتعرف الى اي مدى يمكن ان يمضي في هذه الملفات في الوقت الذي يسود اعتقاد كبير ان الأمر يتعلق غالبا بأجندة الجناح اليساري داخل حزبه الديمقراطي الذي لا يزال يحتاجه في دعم مواقفه سواء في الكونغرس، او على صعيد الشارع الذي جعلته الانتخابات الأخيرة اكثر استقطابا.
وسواء اكان الأمر يتعلق بنية بايدن الخروج من حروب امريكا التي لا نهاية لها او بهدف التركيز على تحديات الصين وروسيا او بسبب فقدان امريكا ثقتها في نفسها وفي دورها العالمي والملل الذي اصاب نخبتها السياسية والاستراتيجية فان الترجيحات الحالية هي صعوبة خروج امريكا التام من الشرق الأوسط، حتى لو استمر تراجع دورها النسبي فيه.ان ما سيعيد امريكا، ولو بدرجة اقل من الاندفاع، هي مصالحها ومصالح حلفائها الغربيين، وخاصة في قضايا الهجرة والارهاب، والتغيير المناخي والطاقة وقلة الموارد وكلها قضايا تشتبك فيها مع المنطقة ولن ينفع ان تقيم جدرانا عازلة بينهما لتجنبها.لقد مارس صناع السياسة في الولايات المتحدة عبر تاريخها في المنطقة مقتربات شتى من الوعيد والتهديد والاحتواء وتغيير الانظمة والحروب، وهم بلا شك ليسوا قليلو حيلة في تجريب مسارات جديدة تتعامل مع تحولات المنطقة، وتلك بحد ذاتها مسألة لا تخلو من دواعي القلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى