مقالات رأي

محمد مرعي يكتب: التسويق السياسي وإعادة تقديم مصر للخارج

أصبحت وسائل الإعلام وأدوات التسويق السياسي والاتصال الحكومي المتنوعة من أهم الارتكازات التى تقوم عليها أى إدارة حاكمة في أي دولة لتقديم نفسها للداخل وكذلك للخارج، فعالمنا المعاصر تحول وبحق لقرية صغيرة بفضل الثورة الرقمية والتكنولوجية، وتداخلت فيه المصالح، وتعاظمت فيه أهمية التكتلات والتعاون بين الدول أو بين الهيئات والمؤسسات. وعليه، لم يعد بمقدور أى دولة أن تعيش بمفردها وبمعزل عن العالم، فعلى قدر دورك وتأثيرك ونفوذك فى تحديد مسارات القضايا والملفات الإقليمية والدولية، وعلى قدر نجاحك على صياغة رؤى واستراتيجيات داخلية قابلة للتنفيذ للنهوض والتنمية وقدرتك على تسويقها، على قدر المكاسب التى ستعود عليك بشكل مباشر وغير مباشر.
تعرضت مصر خلال الـ٨ سنوات الماضية من ثورة الثلاثين من يونيو ٢٠١٣ لأضخم حملة دعاية سوداء فى تاريخها، فاقت في نظري ما كانت تتعرض له خلال حقبة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، أى نعم إننا نجحنا نوعًا ما فى صد هذه الدعاية السوداء التى كان يقوم عليها بشكل مباشر التنظيم الدولى للإخوان بدعم من عدد الدول والمنظمات، من خلال تقديم الرواية المصرية حول حقيقة ما حدث ويحدث على أرض الواقع، لكن تظل هناك فجوة وصورة سلبية عن مصر فى الخارج، وتحديدًا في المجتمعات الغربية، وتحتاج لجهد أكبر، ليس عبر مبادرات وقتية، بل «استراتيجيات مستدامة للتسويق السياسي الدولي» لكل ما تشهده مصر من تنمية داخلية على كل المستويات، وكشف لطبيعة الأدوار المصرية فى إقليمها لترسيخ الأمن والاستقرار والسلام لشعبها ولكل شعوب المنطقة.
الاستراتيجية المستدامة التى نحن بصددها، لا تستطيع جهة أو مؤسسة بمفردها أن تقوم عليها، بل تحتاج تضافر وتعاون كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية فى مصر، فلا الخارجية المصرية بكل سفاراتها فى الخارج تستطيع فعل ذلك بمفردها، ولا وزارة التعاون الدولى ولا وزارة الدولة للهجرة، ولا السياحة، ولا الهيئة العامة للاستعلامات، ولا وسائل الإعلام، ولا حتى المجتمع المدنى فى مصر بكل أنواعه، ولا شركات العلاقات العامة… فكل هذه الجهات والهيئات تحتاج للتعاون والتنسيق فيما بينها، وأن توضع لها استراتيجية وأهداف محددة، وأن تكون هناك متابعة وتقييم دائم لمدى تحقيق كل الأهداف من عدمه.
الأهم فى الاستراتيجية المستدامة لإعادة تسويق مصر للخارج، أن نحدد بالضبط فى الأهداف التى يتم وضعها أى صورة نريد تقديم بها أنفسنا، وعليه نحن فى حاجة لصياغة جديدة للخطاب ليكون متماسكًا وقويًا ويكون بلغة يفهمها العالم، فلا مجال هنا للكلام الإنشائى والمبالغ فيه فى تسويق الواقع، نريد تقديم واقعنا كما هو دون تزييف، فهناك المئات من قصص النجاح والنضال والكفاح المصرى لإعادة بناء مصر من جديد يجب أن تُروى للعالم بشكل مختلف.
من خلال تفاعلى مع الأحداث الداخلية والإقليمية والدولية، لاحظت أن هناك تعطشًا كبيرًا لدى العشرات من الصحفيين والباحثين فى الإقليم والعالم لفهم طبيعة ما يحدث فى مصر داخليًا، لفهم شكل السياسات المصرية فى الملفات الإقليمية، وأرى أن هناك فرصة كبيرة أمامنا لتسويق مشروع الإصلاح الداخلى فى مصر، لتسويق حيوية ونفوذ الدور المصرى فى الشرق الأوسط لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، فالدور المصرى فى ليبيا وفى تحديد شكل الصراع على الغاز فى شرق المتوسط، وأمن البحر الأحمر، والأزمة الليبية، والقضية الفلسطينية، وفى إفريقيا، وتحديدًا فى منطقة القرن الإفريقى، وفى ملف مكافحة الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وغيره من الملفات- يمكن إعادة تسويقه وتقديمه للخارج، من خلال ندوات ومؤتمرات تقام فى مصر أو الخارج، تشارك فيها مؤسسات بحثية وأكاديمية ورسمية مصرية مع نظرائها فى الدول الغربية، وأعتقد أن هناك شغفًا كبيرًا لدى الجهات الغربية للتفاعل مع هذه الأنشطة والفعاليات.
من النادر عادة أن نرى أنشطة تسويقية يقوم عليها سفراء مصر فى الخارج أو الهيئة العامة للاستعلامات تشرح طبيعة السياسات المصرية داخليًا وخارجيًا، لكن خلال الشهرين الماضيين، وجدت أن هناك نشاطًا كبيرًا ملفتًا يقوم به سفير مصر فى أمريكا «معتز زهران»، لم يركز على العمل الطبيعى الذى يقوم به أى سفير وهو التواصل المباشر مع مؤسسات صنع القرار الرسمية فى الدولة الموجود بها، بل كان نشاطًا مع مؤسسات بحثية ومدنية أمريكية تؤثر بشكل مباشر فى رسم توجهات السياسات الأمريكية فى العالم.. كتب «زهران» مقالًا فى مجلة فورين بوليسى الأمريكية فى ٣٠ أبريل ٢٠٢١، شرح فيه عدالة القضية المصرية فى أزمة سد النهضة الإثيوبى، وما يجب أن تساعد به واشنطن للوصول لاتفاق بين مصر وإثيوبيا والسودان يحفظ حقوق الدول الثلاث.. وفى الأسبوع الأول من مايو الماضى شارك فى ندوة نظمتها كلية الحرب الوطنية الأمريكية، وكان محور الندوة حول استراتيجية العلاقات بين القاهرة وواشنطن، ودور مصر فى إرساء الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط، كذلك التطرق لأزمة سد النهضة وخطورة الإجراءات الأحادية التى تقوم بها إثيوبيا فى أزمة السد.. وفى الأسبوع الأول من يوليو الجارى، شارك زهران فى ندوة نظمها مركز ويلسون الاستراتيجى الأمريكى وبمشاركة عدد من الخبراء والباحثين الأمريكيين من مراكز بحثية أخرى كمهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وركزت الندوة على حرب غزة الأخيرة، ودور مصر فى وقف الحرب، ودورها أيضًا فى إعادة الإعمار.

النشاط الذى يقوم عليه سفيرنا فى واشنطن، من المهم أن يكون الطبيعى فى كل سفارات مصر فى الخارج، لتسويق الحالة المصرية بشكل حقيقى للمجتمعات والمؤسسات المدنية فى هذه الدولة، وأن يرافق هذا النشاط تعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات لعمل جسور وتعاون وجلسات نقاش بين مؤسسات رسمية وبحثية وبرلمانية وأهلية ودينية وأكاديمية مصرية مع مثيلاتها فى هذه الدول، مع ضرورة أن يرافق هذا النشاط تفعيل أكبر للدبلوماسية الرقمية فى الخارجية وكل سفاراتها، والتفكير فى خلق إدارة جديدة داخل وزارة الخارجية تكون معنية بالدبلوسية الرقمية أسوة بدول كثيرة، فالإعلام الرقمى حاليًا هو أهم أدوات الدول للتسويق السياسى.
أحلامنا فى الجمهورية الجديدة كبيرة للغاية، نريد المنافسة على أن نكون دائمًا فى المقدمة، مثلًا، أن تكون لدينا استراتيجية واضحة لكيفية جعل مصر الوجهة السياحية الأولى عالميًا تفوق دولًا كفرنسا وتركيا وإسبانيا وتسويقها على هذا الأساس، ولدينا كل المؤهلات لذلك.. أن تكون لدينا استراتيجية واضحة يتم فيها عمل تعاون وتنسيق حقيقى وعملى بين كل مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية، لتسويق مصر اقتصاديًا للخارج بأنها الأفضل لنشاط المال والأعمال فى الأسواق الناشئة، وتسويق حركة العمران الواسعة فى مصر كالعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها.. نريد استراتيجية تسويقية لحجم المجهودات التى تمت لترسيخ حقوق المرأة وقيم المواطنة.. نريد تسويق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التى تم الانتهاء من صياغتها ومنتظر الإعلان عنها رسميًا من مؤسسة الرئاسة.. نريد تسويق مصر كبلد للتعايش والتسامح وكقوة لضمان السلام فى الشرق الأوسط.

Twitter Account: @mar3e

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى