روسيا

نظرة على أبرز محطات العلاقات الروسية الإثيوبية في ضوء التطورات الأخيرة

يرجع التاريخ الأول لنشأة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا وإثيوبيا إلى عام 1898. لكن مسار العلاقات بين البلدين لم يستمر على نفس المنوال على مدار الفترات التاريخية الممتدة، إذ أنه عاصر فترات انقطاع على غرار ما جرى عام 1917، حدثت بسبب سقوط الإمبراطورية الروسية وانقطاع العلاقات، الذي تلاه أن فشلت محاولات الدولة السوفيتية الوريثة للإمبراطورية على مدار الفترة الممتدة ما بين 1921-1922 لإعادة استئناف العلاقات لكن هذه المحاولات فشلت بسبب المعارضة الدبلوماسية من قِبَل بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا. ثم عاودت العلاقات الاستئناف مرة أخرى بدءا من عام 1942، واستمرت حتى الوقت الراهن لكن ما بين فترات صعود وهبوط.

نجحت روسيا –الاتحاد السوفيتي سابقًا- في بناء عدد من المنشآت الصناعية خلال فترة السوفيت في إثيوبيا. كما تم إجراء العديد من الاستكشافات الجيولوجية في إثيوبيا على يد المتخصصين الروس.

وفي مجالات التعاون التعليمي خلال تلك الفترة، تلقى نحو أكثر من 20 ألف مواطن إثيوبي التعليم في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية كما تلقى نحو خمسة آلاف متخصص تدريبات مهنية. تلى ذلك أن شهد عام 1991 تغييرات سياسية محورية على الصعيد الداخلي للبلدان، فقد تغير النظام السياسي في إثيوبيا وانهار الاتحاد السوفيتي مما ترتب عليها انخفاض مستويات التفاعل الثنائي.  

شهدت فترة منتصف التسعينيات أولى الخطوات على طريق إحياء الحوار السياسي. ترتب عليها أن وقع رئيس وزراء إثيوبيا، “ميليس زيناوي”، إعلان مبادئ العلاقات الودية والشراكة بين البلدان في ديسمبر 2001.

وخلال الثلاثينيات، تمكن الاتحاد السوفيتي وإثيوبيا من إبرام عدد من الاتفاقيات التجارية المفيدة للطرفين على الرغم من غياب العلاقات الرسمية آنذاك. ذلك بعد أن نجح السوفيت في إقناع أديس أبابا بأن العلاقات الاقتصادية السوفيتية الإثيوبية تشكل ضرورة بالنسبة لإثيوبيا. لذا، توجهت الحكومة الاثيوبية بطلب ملح للاتحاد السوفيتي في عام 1934 لتوسعة واستعادة العلاقات التجارية والدبلوماسية، إلا أن اندلاع الحرب مع إيطاليا في وقت قريب حال دون تحقيق ذلك.

كيف دخلت العلاقات بين البلدين إلى مرحلة التعاون النشط؟

بدءا من العام 2013، توالت الزيارات الرسمية بين مسؤولي البلدين في مجالات عدة. وبوجه عام، تُشكل العلاقات الروسية مع إثيوبيا خطوة مهمة على سبيل تنفيذ الاستراتيجية الروسية بالعودة إلى القارة الإفريقية بوجه عام. لذا فإنه من الأجدر القول إن روسيا لا تولي اهتمامًا خاصًا لتنمية علاقاتها مع إثيوبيا بشكل منفرد، لكنها تهتم بوجه عام بتعزيز علاقاتها مع دول القارة الإفريقية ككل.

وفي هذا الإطار، تُعد زيارة وزير الخارجية الروسي، “سيرجي لافروف”، إلى إثيوبيا مارس 2018 واحدة من أبرز هذه الزيارات. حيث جاءت زيارته الى إثيوبيا في ختام الجولة التي أجراها إلى القارة الإفريقية زار من خلالها أنجولا، وناميبيا، وموزمبيق، وزيمبابوي، وإثيوبيا. وكان الغرض من زيارته وقتها، هو بناء العلاقات التجارية والاقتصادية مع بُلدان القارة الإفريقية ككل، وفي القطاعات العلمية والتقنية والإنسانية كذلك.

وفي سبتمبر 2019، زار وزير الخارجية الإثيوبي، “فيدري جيدا” موسكو، وأجرى خلال زيارته محادثات مع وزير خارجية روسيا. وجاءت بعد ذلك اللحظة الدبلوماسية الروسية المُشرقة في مؤتمر القمة الروسية الإفريقية الأول من نوعه، الذي انعقد في سوتشي بتاريخ 2019. وقامت البلدان –على هامش اجتماعات القمة- بالتوقيع على اتفاقية حكومية دولية للتعاون في مجالات الطاقة الذرية للأغراض السلمية، كما نصت تلك الاتفاقية على إنشاء مركز روسي اثيوبي مشترك في إثيوبيا للعلوم والتكنولوجية النووية.

وكان البلدان قد وقعتا في إبريل من العام نفسه، على خارطة طريق بين البلدان، بغرض تطوير التعاون في مجالات الطاقة النووية السلمية.  وفي ديسمبر 2019، انعقد الاجتماع العاشر لفريق العمل الروسي الإثيوبي حول التعاون العسكري التقني في موسكو.

بالنسبة لأهمية اثيوبيا التجارية بالنسبة لروسيا، فهذا الأمر من الممكن أن نلقى نظرة عليه في ضوء معاينة طبيعة وحجم الصادرات الروسية إلى إثيوبيا. ففي هيكل الصادرات الروسية إلى إثيوبيا، يقع الجزء الأكبر من الإمدادات على الأسمدة المعدنية (56٪) ومحاصيل الحبوب (40٪). فيما يتكون معدل 91,4% من الصادرات الاثيوبية الى روسيا 91,4% من المنتجات الزراعية مثل (البن، والبذور الزيتية، والبقوليات، والخضروات، والزهور). وفي عام 2018 على سبيل المثال، بلغ الفائض التجاري مع إثيوبيا 33,8 مليون دولار.

نظرة تحليلية على طبيعة العلاقات بين البلدين في ضوء التطورات الأخيرة

في الآونة الأخيرة، أصبحت قضية سد النهضة هي الشغل الشاغل لدى العديد من المصريين. وباتت الأحاديث السياسية سواء في الشارع أو في البيوت لا تخلو من ذكر السد، ولا تخلو كذلك –بعد جلسة الأمن الأخيرة- من الإتيان على الحديث عن التخلي الروسي عن مِصر لصالح التضامن مع إثيوبيا. وفي ضوء ما تم ذكره آنفًا عن أبرز ملامح ما يربط بين إثيوبيا.

نُذكر بأن الاستراتيجية الروسية بالعودة إلى أفريقيا وما تبذله روسيا في هذا السياق لا يخفى على أحد. لكن بالنسبة لروسيا جهودها نحو تعزيز نفوذها في القارة ينقسم بين شقين، شق يحتوي على شمال أفريقيا والآخر كما نعرف يتعلق ببقية القارة. بالنسبة لروسيا، إثيوبيا لا تتعدى كونها إحدى الأحجار التي تستخدمها روسيا لبناء مجرى علاقاتها هناك. ففي أثناء قيامها بتوطيد علاقاتها مع إثيوبيا هي تقوم أيضًا بتوطيد العلاقات بنفس الطريقة مع الدول المجاورة لها. نخلص من كل ذلك إلى أن روسيا تنظر لإثيوبيا بالفعل بعين الاهتمام، لكن السؤال هنا يتمحور حول قدر ووزن هذا الاهتمام بالمقارنة مع ما عاداه؟!

بمعنى، لو ألقينا نظرة على طبيعة العلاقات بين مصر وروسيا سنجد أنها علاقات تاريخية ممتدة على كافة الأوجه. وسنجد أيضًا أن روسيا تعول على مصر في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط ككل، كبلد يحتل مكانة محورية بحد ذاتها وبشكل منفرد على خارطة العلاقات الخارجية الروسية. إذًا، نتوقف هنا لنعيد صياغة السؤال مرة أخرى. هل من الممكن أن يتم تفسير الموقف الروسي الأخير في مجلس الأمن بالإضافة الى ما تلاه من توقيع اتفاقية تعاون عسكري بين روسيا واثيوبيا كدلالة على وقيعة بين مصر وروسيا؟!

ردًا على ذلك، يُشار إلى أن روسيا تطمح لإنشاء العديد من القواعد العسكرية لها في القارة الأفريقية، ولاسيما في مِصر بموقع يطل على البحر المتوسط أملاً في تعزيز نفوذها البحري وعمل خط من شأنه أن يُخدم على قاعدتها في طرطوس بسوريا، التي تعزز بدورها من أداء القاعدة البحرية الموجودة في شبه جزيرة القرم. لكن عوضًا عن ذلك، تم انشاء قاعدتين بحريتين مصريتين بمدينة مرسى مطروح المصرية على شواطئ البحر المتوسط، في موقع يتميز بأن من يسيطر عليه لا يتمكن من حماية مقدرات البحر المتوسط من الغاز الطبيعي فحسب، بل سينجح كذلك في تأمين البوابة الغربية من النواحي الليبية المضطربة بالفعل والمتنازع عليها بين أطراف عديدة ولاعبين دوليين واقليميين عدة من بينهم روسيا.

وفي سياق آخر قريب، شاركت مصر في المناورات العسكرية المقامة في البحر الأسود تحت عنوان “نسيم البحر”، التي انطلقت بتاريخ 28 يونيو برعاية حلف الناتو ومشاركة من القوات الأوكرانية. ومن المتعارف عليه أن أي مناورات عسكرية من قبل حلف الناتو في هذا النطاق الجغرافي يثير غضب موسكو بشدة. نظرًا لأن روسيا تنظر لأي تحركات عسكرية في هذه المنطقة باعتبارها مساس مباشر بأمنها القومي.

من ناحية أخرى، وقبل كل ذلك، لطالما كان الموقف الروسي إزاء أزمة سد النهضة جليًا. أو تحديدًا بدا هذا الموقف بوضوح خلال القمة الروسية الإفريقية، التي انعقدت في سوتشي بتاريخ 2019. فقد سبقت هذه القمة ترويج كبير من موسكو عن رغبتها ونواياها لحل الأزمة، ولاستخدام نفوذها وسيطرتها في تقديم حلول مقترحة فشل الغرب في تقديمها. وذهب كافة الأطراف للمشاركة في القمة بنفوس متفائلة. لكن ما حدث كان على العكس من ذلك تمامًا.

إذ أن موسكو لم تمارس الضغوط المنتظرة على إثيوبيا باعتبارها الطرف الجاني والطرف المعتدي على القانون الدولي، علمًا بأنها بالفعل تملك ما يكفي من قدرة على ممارسة ضغوط كان ليكون في مقدورها إضفاء نوع ولو بسيط من التغيرات المحورية على الموقف الإثيوبي المتعنت.

وانتهت القمة بدون إضافة أو إنقاص أي شيء على مسار المفاوضات المتعثرة أو الأزمة الممتدة منذ سنوات بين كافة الأطراف، ولم يحدث أي شيء سوى التأكيد والترويج على النفوذ الروسي ومدى عمقه في القارة الإفريقية. إذا نسأل هنا سؤال، هل كانت روسيا عاجزة عن المساهمة في تغيير الموقف الإثيوبي؟ نقول بالطبع لا، وامتناعها عن ذلك منذ البداية لم يكن بدافع العجز ولا الوهن، بقدر ما كان عدم رغبة في الخروج عن الحيادية في علاقاتها مع بلدان ترى أنها تملك مصالح مشتركة مع كلا منهما على حدا. ونخلص من كل ذلك، إلى أن موقف روسيا من أزمة سد النهضة منذ بادئ ذي بدء لطالما كان حياديًا غير منحازًا لأي الجانبين على حساب الآخر.

إذا ما هو السر وراء اللهجة المضادة لمصر، التي صدرت عن المندوب الروسي في جلسة الأمن الأخيرة؟! هذه اللهجة لا يقف خلفها تغير جديد طرأ على الموقف الروسي، بقدر ما يبدو من خلالها وجود رغبة لدى القيادة الروسية في تشديد لهجة الخطاب مع مصر تعبيرًا عن رفضها للمشاركة المصرية في المناورات التدريبية الروتينية في البحر الأسود. او ربما تُعزى هذه اللهجة إلى عدم قدرة روسيا على الحصول على حقوق انشاء قواعد عسكرية خاصة بها في مصر كما هو الحال لدى العديد من الدول الأفريقية الأخرى.

لكن في السياق نفسه، من الممكن النظر إلى قرار استئناف حركة الرحلات الجماعية إلى المنتجعات المصرية في مدينتي شرم الشيخ والغردقة، بعد توقف دام لمدة ست سنوات، زار خلالها مصر وفود فحص أمني روسية لا حصر لها، وأكدوا جميعهم على أن مصر ومجالها الجوي مساحات آمنة للطيران. لكن مع ذلك لم تتخذ القيادة الروسية هذا القرار طوال هذا الوقت على الرغم من الضغط الشعبي من السائح الروسي على القيادة املاً في اتخاذه. بمعنى، هذا القرار الذي كان ولا يزال سياسيًا بحتًا لا علاقة له بمستوى الأمن في مصر، تم اتخاذه الآن أملاً في توصيل رسالة محددة للقيادة المصرية مفادها أن العلاقات لا تزال قوية ومتماسكة وما حدث في مجلس الأمن لا يتعدى كونه أكثر من مجرد لهجة مشددة تعبيرًا عن الغضب.

لكن السؤال الأخير هو، ماذا عن اتفاقية التعاون العسكري الأخيرة بين روسيا وإثيوبيا؟! نرى أنه ينبغي التفرقة هنا بين وثيقة تعاون عسكري ووثيقة دفاع عسكري. حيث أن هذه الوثيقة لا تتعدى كونها وثيقة تمنح روسيا الحق في المساهمة –المحدودة- في تعزيز الجيش الإثيوبي الضعيف للغاية سلفًا لأسباب عدة. لذا فإن روسيا لن تنجح في تعزيزه إلا في ضوء الحدود والإمكانيات المتاحة لدى الجانب الإثيوبي، ولن يتعدى الأمر كونه أكثر من ذلك.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى