تركيا

مرة أخرى.. أردوغان يراهن على “الروابط الدينية’ للإبقاء على قواته في أفغانستان

يبدو أن النهج التركي في الإصرار على وجود عناصر من قواتها المسلحة ” خارج الحدود” أصبح القاعدة التي يبنى عليها وليس الاستثناء، وللتدليل على ذلك فإن خريطة انتشار عناصر القوات المسلحة التركية خارج الحدود التركية تمتد لتشمل حوالي 13 دولة في المنطقة العربية وخارجها – بمعنى آخر في مناطق المصلحة التركية مع الأخذ بالاعتبار أنه في دولتين فقط فإن الوجود العسكري التركي يأتي تحت غطاء من الأمم المتحدة.

النوايا التركيا صبت الزيت على نيران التكهنات المستعرة حول إمكانية أن تبقي تركيا على وجود قواتها في أفغانستان في أعقاب انسحاب باقي القوات الأجنبية منها في شكل ” احتلال ” إذا جاز التعبير حيث حذر الجانب الأفغاني بأن الدعوة إلى الجهاد ضد الأتراك في هذا الوقت ستكون جائزة باعتبارهم محتلين.

وهو ما ألمح إليه البيان الأفغاني الذي جاء واضحًا لا يحتمل أكثر من معنى بتاريخ 13 من الشهر الجاري- حيث أشار البيان إلى أن ” قرار القادة الأتراك ليس حكيما، لأنه انتهاك لسيادتنا ولوحدة وسلامة أراضينا، وهو مخالف لمصالحنا الوطنية”. وتزداد المخاوف مع وقوع مطار كابل في قبضة الأتراك حيث تؤمن أنقرة ظهر واشنطن هناك وإن كان الأمر لازال في طور انتظار موافقة الأفغان.  وعلى هذا الأساس تنتظر تركيا التوصل لاتفاق ثنائي بينها وبين كابول يتيح لها البقاء في أفغانستان بعيدًا عن تدويل الأمور لأن النظام التركي لا يرغب في أن يتم النظر إليه باعتباره وكيل الأعمال الأمريكية في أفغانستان.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\تركيا في أفغانستان1.jfif

ويتم التركيز على مطار كابول ووضعه الأمني في المستقبل بسبب أهميته الاستراتيجية التي تتمثل في أنه يشكل مدخل ومخرج رئيسي للدبلوماسيين من أفغانستان كما أنه عن طريقه تتم دخول المساعدات وأعمال الإغاثة وبالتالي فإن هناك مخاوف من وقوعه في يد طالبان أو أي قوة متطرفة أخرى. وجرى التركيز على القوات التركية فيما يخص المطار باعتبارها قد شاركت مسبقًا في إدارة الجناح العسكري للمطار ولكن بطبيعة الحال فإن تأمين المطار بأكمله سيتطلب وجود المزيد من القوات التركية المزودة بعتاد عسكري على مستوى أعلى.

من ناحية أخرى ورغم صدور البيان الأفغاني شديد اللهجة الذي حذر فيه من بقاء القوات التركية في أفغانستان، فإن الجانب التركي يلتزم الصمت ليس تجاهلًا بقدر عدم الرغبة في استفزاز طالبان، لأنه في حال وجود تصريحات استفزازية موجهة من الأتراك والاتفاق على تأمين القوات التركية لمطار كابول فستكون المخاطر الأمنية متصاعدة بل أن الوجود التركي سيكون مهددًا ومصدر خسائر كبيرة للأتراك خصوصًا أن المنوط بها لن يكون تأمين المطار فقط وإنما أيضًا المناطق المحيطة به وهو ما قد يضع القوات التركية في مواجهة عسكرية مفتوحة مع طالبان وبالطبع فإن الغلبة في هذه الحالة ستكون لقوات طالبان فهي أدرى بشعابها ولا شك أن تركيا ستسعى في كل الأحوال إلى تجنب هذا الخيار ولذلك فهي في مفترق طرق في هذا الوقت الذي لا تلوح فيه إمكانية إجراء أي مفاوضات بينها وبين الجانب الأفغاني.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\تركيا في أفغانستان 3.PNG

لا مباشرة في التفاوض

سيناريوهات أخرى ترجح أنه لن تكون هناك مفاوضات مباشرة بين تركيا وأفغانستان للإبقاء على القوات التركية ولكنها لا تستبعد في نفس الوقت وجود مباحثات غير مباشرة عن طريق الوسيط الأفغاني أو الروسي كمسار أول للمباحثات والتي تنتقل فيما بعد ذلك إلى وجود مفاوضات مباشرة خصوصًا أن الوجود العسكري التركي قد يلاقي قبول شعبي أفغاني باعتبار أن تركيا واحدة من أكبر الدول الإسلامية ولكن هذا الطرح متفائل للغاية في نظر البعض لأن تركيا وإن كانت واحدة من أكبر الدول الإسلامية فإنها عضو في حلف الناتو كما أنها جزء لا يتجزأ من كل العمليات العسكرية التي يقوم بها الحلف مما يسحب عليها نفس الصفات التي يسحبها الشعب الأفغاني على الولايات المتحدة باعتبارها كيان احتلال. ولكن وإن كان الرهان التركي يفترض وجود تأييد شعبي في أفغانستان لبقاء قواته هناك فإن نفس الأمر يلقى رفض في الداخل التركي سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى المعارضة.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\2020-10-19T105600Z_1433691360_RC2MLJ9IVW0Q_RTRMADP_3_ARMENIA-AZERBAIJAN.jfif

كما أن أنقرة تراهن على بعد آخر- يتضمن ” تاريخية ومتانة” علاقاتها مع أفغانستان، فمن المعلوم أن أنقرة قد ساهمت بشكل كبير في تأييد دولة أفغانستان عند الإعلان عن قيامها ودعمتها على عدد من الأصعدة كما أن عناصر القوات المسلحة الأتراك متواجدون في أفغانستان منذ عام 2001 ضمن مظلة حلف شمال الأطلسي وقامj بمهام على صعيد القطاع الأمني والصحي وبالتالي يتوقع النظام التركي أنه إذا كان وجودهم يلاقي رفض من طالبان فإن الشعب الأفغاني يرحب بوجودهم.

ويطرح هنا تساؤل – لماذا تعتقد أنقرة أن بإمكانها الإبقاء على قواتها في أفغانستان في الوقت الذي تنسحب فيه كل القوات الأجنبية والإجابة تكمن في رهان أنقرة على أنها يمكن أن تقنع قادة من طالبان بأن بقاء جنودها في أفغانستان لا يضر ولا يمثل أي مساس بالسيادة خصوصًا وأن القوات التركية وطيلة وجودها في أفغانستان لم تشترك في أي عمل عسكري ضد الشعب الأفغاني أضافة إلى أنه من المتوقع الإبقاء على قوات أخرى منها المجر وباكستان وهي إشارات تم إرسالها من الجانب التركي حول إمكانية أن تشارك القوات المجرية والباكستانية مع القوات التركية في مهمة تأمين مطار كابول ولكن الرسائل التركية المبطنة لم تلاق رد فعل من الجانب الأفغاني.

إلا أن كل هذه التكهنات بشأن مستقبل الدور التركي في أفغانستان قد وُضع لها حد عقب تصريحات المتحدث باسم طالبان ” محمد نعيم” الذي أشار إلى أنه لا توجد نية لدى الحركة لتليين موقفها من الوجود التركي في أفغانستان.

وفي مناورة تركية للخروج من العباءة الغربية- فإنها ترغب في توسيط دول على علاقات جيدة بأفغانستان بخلاف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنها ” قطر” بحيث لا تبدو الصورة التركية وكأنها الضامن للمصالح الغربية في أفغانستان.

المصلحة التركية في تأمين مطار كابول

على الرغم من أن تأمين الأتراك لمطار كابول يمكن أن يضر الجانب التركي على الصعيد الأمني بشكل كبير إلا أنه يتضمن جملة من المنافع لأنقرة – يمكن إجمالها في أن تركيا تسعى إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن وبالطبع فإن تأمين المطار الأفغاني يعد نوعًا من التقرب من إدارة الديمقراطي ” بايدن”. كما أن المسعى التركي يهدف إلى ما هو أبعد من ذلك بالتأكيد على دورها القوي ضمن حلف الناتو وأن معضلة إس 400 لم تؤثر على مكانتها داخل الحلف والدليل على ذلك أنها لازالت قادرة على القيام بما فشلت فيه الولايات المتحدة في أفغانستان على مدى عقدين. 

كما أن تطوع الأتراك بتأمين مطار كابول سيستوجب دعمًا ماديًا وغطاءً استخباراتيًا من الناتو وهو الدعم الذي وعد الجانب الأمريكي بتقديمه ولكن الناتو كحلف لم يؤكد بدوره على هذا الدعم مما يضع عملية تأمين المطار بأكملها موضع تساؤل في حال فقدها للدعم المادي خصوصًا إذا ما علمنا أن التكلفة في هذه الحالة تتراوح بين 80 و130 مليار دولار أمريكي .

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\Atlas_Air_flying_off_from_Kabul_Airport_in_2010.jpg

على جانب آخر وكما أشرنا سابقًا فإن القوات التركية واسعة الانتشار في حوالي 13 دولة، ومن ثم فإن النظام التركي لا يسعى فقط للتأكيد على قدرته ونفوذه داخل حلف الناتو ولكنه يسعى إلى التأكيد على نفوذه الإقليمي في أفغانستان وليبيا وأذربيجان وغيرهم.

مخاطر محتملة وسيناريوهات أكثر ترجيحًا

يظهر من خلال الإصرار التركي على بقاء قواتها في أفغانستان عدم إدراك للمخاطر المحتملة، ففي حالة استيلاء طالبان على الحكم في أفغانستان فستجد أنقرة نفسها مضطرة للتعامل مع حكومة دينية متطرف كما أن هذا يفتح الباب على مصراعيه أمام وجود أعداد ضخمة من النازحين الأفغان وهو ما سوف يثير غضب الداخل التركي كما أنه يزيد من المخاوف الأوروبية حول أن تصبح تركيا معبر للنازحين الأفغان إلى أوروبا ولطالما كانت أنقرة مهددًا رئيسيًا لأوروبا فيما يتعلق بقضية اللاجئين.

على جانب آخر تتجاهل أنقرة مخاوف قوى دولية كبرى من الوجود التركي في أفغانستان خصوصًا ” روسيا – إيران – الصين” وهو ما دفع الجانب الروسي للتصريح عن طريق المبعوث الروسي الخاص لأفغانستان ” زامير كابولف” للتأكيد خلال يونيو من العام الجاري على أن بقاء القوات التركية لتأمين مطار كابول يعد انتهاكًا للاتفاقات الموقعة مع طالبان في الوقت الذي تزداد فيه المخاوف الروسية من تركيا ووجوده العسكري في العديد من المناطق خصوصًا بعد الأحاديث عن وجود قاعدة عسكرية تركية في أذربيجان وهي إحدى أعقد مناطق التشابك والتوتر بين روسيا وتركيا. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\_118088676__118083238_gettyimages-89078836-1.jpg

كما تنظر باقي القوى الكبرى للوجود التركي العسكري في أفغانستان باعتباره يمثل المزيد من التوسع الإقليمي لأنقرة. وعدا عن ذلك فإن هناك احتمالية تتعلق بأن التوغل التركي في أفغانستان سيثير حفيظة إيران ” الجارة” ويخلق المزيد من الانقسامات الطائفية والقبلية. خصوصًا وأن طهران تنظر إلى الخروج الأمريكي من أفغانستان باعتباره فرصتها الذهبية لزيادة نفوذها هناك.

وفي ظل ما يتوفر من معطيات- فإن الاحتمالات بخصوص مستقبل الوجود العسكري التركي في أفغانستان تشمل إما الإبقاء على عدد محدود من الجنود الأتراك كقوة لتأمين مطار ” كابول” عن طريق اتفاق ثنائي أما الاحتمالية الثانية فتشمل زيادة أعداد القوات التركية في أفغانستان بالتنسيق مع عدد من الفاعلين أبرزهم حلف الناتو وأفغانستان، بحيث يكون تأمين المطار عن طريق قوة دولية أكثر قبولًا لدى طالبان والأوساط الأفغانية لأنه يبعد على الأقل ظنون الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى