آسيا

“تحالف المتنافسين” .. ما وراء تمديد معاهدة حسن الجوار والتعاون بين روسيا والصين

خلال قمة افتراضية جمعت الرئيسين الصيني “شي جين بينج” والروسي “فلاديمير بوتين” يوم 28 يونيو 2021، تم الاتفاق على تمديد المعاهدة الثنائية بشأن حسن الجوار والتعاون الودي التي مر عليها عشرون عامًا. وبدأ الحديث حول ما إذا كان هذا الاجتماع سيغير مسار العلاقات الصينية الروسية، خاصةً مع النظرة الأمريكية لهما بأنهما تهديد متزايد لواشنطن.
تعكس دلالة توقيت الاجتماع التأكيد على الاستمرار في الشراكة الثنائية رفيعة المستوى بين البلدين، وأن علاقتهما تسير للأمام دون التأثر بعلاقات القوى العظمى الأخرى، كما تعكس –وفقًا لما قاله وزير خارجية الصين “وانغ يي”- إن المعاهدة تتوافق مع ما اتبعه الجانبان من أسس الدعم المتبادل والتعاون المربح.
تم توقيع المعاهدة بين الزعيم الصيني السابق “جيانغ زيمين” و”بوتين” في 16 يوليو 2001. على الرغم من أنها لا تفرض أي التزام على أي من الدولتين، فهي أكدت على أنهما لن يستخدما الأسلحة النووية ضد بعضهما، وتسوية أية خلافات بالطرق السلمية دون اللجوء للعنف أو فرض الضغط. كما تؤكد على الالتزام بالحد من استخدام الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، وذلك انطلاقًا من الإيمان بمعاهدة الصواريخ الباليسيتة لعام 1972.
جاءت الاتفاقية خلال فترة تحولية في النظام الدولي والرغبة في عالم متعدد الأقطاب، خاصةً في ظل مواجهة روسيا الكثير من الضغوط الدولية الغربية بعد نهاية الحرب الباردة، وتوسيع حلف الناتو، وزيادة مساحة التنافس على مجال النفوذ في وسط وشرق أوروبا. بالإضافة لما شهدته منطقة الشرق الأوسط فيما بعد من حروب متتالية واضطرابات إقليمية.

دوافع الحفاظ على التقارب

يتفق البلدان من خلال شراكتهما على تقسيم المهام في منطقة آسيا الوسطى، حيث تتولى روسيا الشق الأمني، وتقود الصين التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال مواءمة مبادرتها للحزام والطريق مع الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. وعليه، تسعى موسكو وبكين إلى نظام دولي أكثر توازناً لكن برؤية مختلفة تهدف –في النهاية- لإسقاط الهيمنة الأمريكية الأحادية. ومن مظاهر ذلك، الانحياز بين البلدين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ومواجهتهما للولايات المتحدة وحلفائها في قضايا مثل سوريا، ورفض الانتقادات الغربية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان.
يعد ضعف العلاقات مع الغرب أحد أهم أسباب التقارب بين القوتين لتعزيز علاقتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية. فعلى سبيل المثال؛ حين توترت العلاقات التجارية الأمريكية مع الصين بعدما فرض كل منهما تعريفات بمليارات الدولارات على سلع الآخر، ازدهرت العلاقات التجارية بين الصين وروسيا. وإذا نظرنا إلى الاحتياج المتبادل، فإن تدهور العلاقات بين روسيا والغرب الذي نتج عن فرض عقوبات اقتصادية بسبب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014، والتدخل في الانتخابات الأمريكية لعام 2016، والاتهام بتسميم عميل مزدوج سابق في المملكة المتحدة، ساهم أيضًا في المساعي الروسية لإيجاد شريك شرقًا، خاصةً أن الصين تُعد سوقًا هائلًا لنمو تجارتها لأنها مصدر قوي لاستهلاك الطاقة، حيث تحتل روسيا مكانة ضمن أكبر ثلاثة منتجين من للنفط والغاز الطبيعي في العالم. فقدت عُقدت صفقة بقيمة 400 مليار دولار لنقل الغاز الطبيعي من روسيا والعديد من مشاريع محطات الطاقة النووية المشتركة في الصين، كان آخرها يوم 19 مايو 2021 حين شهد الرئيسان وضع حجر أساس لمشروع تعاون ثنائي في مجال الطاقة النووية.
وصل الأمر بالتعبير عن حسن العلاقات إلى وصف الرئيس الصيني لنظيره الروسي في سبتمبر 2019 بأنه “أفضل صديق”، وتم توقيع بيانات تعبر عن الالتزام بتطوير التعاون الاستراتيجي والشراكة الشاملة، وتعزيز الاستقرار الاستراتيجي الذي يشمل القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، بما يعود بالفائدة على قضايا الاستقرار الاستراتيجي العالمي. ناهيك عن أنه الآمال ذهبت إلى أن تزيد التجارة المتبادلة إلى 200 مليار دولار بحلول عام 2024، بعدما وصلت قيمتها إلى 107 عام 2018.
لكن رغم هذه المساعي، فإن العلاقة الاقتصادية بينهما ليست نديّة بسبب اختلاف معدل النمو لاقتصاد كل منهما، وهذا يدفع إلى القول إن هناك خلل في تلك الشراكة يذهب لصالح الصين ويجعلها هي الشريك المهيمن في تلك العلاقة، وذلك بناءً على حجم السوق وتوقعات روسيا للنمو. كما يبدو أن الربط بين مبادرة الحزام الطريق والاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي السابق ذكره يخدم أهدافًا سياسية بشكل أكبر، لأن الأمر يتجاهل الأسس والنتائج الاقتصادية وطبيعة التفاعل المستقبلية. إذ توجد عدد من القيود الهيكلية مثل تقيّد التجارة والاستثمار في الاقتصاد الروسي في مسألة الاندماج، وهو ما قد يمنع التعاون في المستقبل خوفًا من الوقوع في مكانة متدنية عن قوة عظمى محتملة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تخوفات روسية من توسيع الصين لنفوذها الاقتصادي في آسيا الوسطى التي تعتبرها روسيا مجالًا لنفوذها، بجانب الاستثمار الصيني في سيبيريا والشرق الأقصى الروسي. تخشى روسيا أيضًا من أن تحل منظمة شنغهاي للتعاون –التي تعد روسيا عضوًا فيها- محل معاهدة الأمن الجماعي في آسيا الوسطى، لذا فهي تعمل على التنسيق بين المنظمتين كي لا يحدث ذلك.

تعاون عسكري وثيق؟

كان الجيش الصيني ضمن سبع جيوش تم دعوتهم للانضمام لتدريبات عسكرية ضخمة أجرتها روسيا تحت اسم “Tsentr 2019″، وتستفيد الصين من ذلك بحكم أن روسيا لها خبرة عملية على الأرض أكبر منها. ويستهدف التعاون الأمني والعسكري بينهما بشكل أساسي مواجهة وإحباط السياسات الأمريكية التي تعمل على ترسيخ أنظمة الدفاعات الصاروخية. بجانب ذلك، تعمل كلا القوتين على توسيع نفوذهم على حساب الولايات المتحدة، ومن ثم تقويض التحالفات الأمريكية الثنائية ومتعددة الأطراف. ومن المتوقع –وفقًأ لخبراء- أن يتعمق البعد العسكري في علاقات الدولتين فيما يخص الأمن الإقليمي ومبيعات الأسلحة، إذ تعد موسكو أكبر مورد للأسلحة لبكين، حيث وفرت 70٪ من واردات الصين من الأسلحة بين عامي 2014 و2018. هذا بالإضافة إلى التدريبات العسكرية كما سبق الذكر، والحوارات الدفاعية.
على المدى القصير، يمثل استمرار التعاون بين روسيا والصين تهديدًا للولايات المتحدة ومصالحها على المستوى الإقليمي، وستزداد تلك التهديدات في حالة قيام الصين وروسيا بتشكيل تحالف دفاعي كامل. لكن لا يبدو أن كل شيء يسير بشكل ودّي في الجانب العسكري بينهما، إذ تعد مشاركة الصين في المناورات، لم يكن يتعلق بالتعبير عن التعاون كما يتضح، فالأمر يعد رسالة من روسيا للصين تتعلق بطبيعة المصالح الصينية في المنطقة لأن آسيا الوسطى الآن هي ساحة معركة جديدة للنفوذ العسكري والأمني وليس الاقتصادي فقط.
بشكل عام، يتضح أن الشراكة بينهما ستكون غير متوازنة أكثر في المستقبل، خاصةً مع ارتفاع الصين عن روسيا في أكثر من مجال. وبالنسبة للمجال العسكري، قد تحتاج الصين لبناء ارتكازات عسكرية تحمي مبادرة الحزام والطريق تجعلها أكثر حدة لحماية استثماراتها. في هذا النطاق، ستكون روسيا هي أفضل بلد قادرة على إفساد طموحات الصين البرية، لكن يعوقها عدم وجود بدائل قوية لعلاقتها الاقتصادية مع الصين في ظل بعدها عن الغرب، وهو الأمر الذي يبدو بعيد المنال في المدى المنظور.

تأثير الجائحة على علاقة البلدين

في بداية انتشار جائحة فيروس كورونا المستجد، أغلقت روسيا حدودها مع الصين، وتصاعد الأمر ضد الصينين على أراضيها رغم أن البلدين قد عززا شراكتهما الاستراتيجية في العام السابق للجائحة. لكن التوجه المتناسق نحو النظام الدولي ورؤيتهم للهيمنة الأمريكية كان له أثره في العلاقات بين البلدين في ظل تفشي الفيروس، فقد عبرت بكين عن تفهمها للإجراءات الروسية الخاصة بغلق الحدود، واعتبرت ما قيل عن الإساءة للصينيين مجرد شائعات. وأكد الروس أن هذا الحظر مؤقت، وأن موسكو ستستمر في إصدار تأشيرات العمل والعبور للمواطنين الصينيين.
وعندما دخلت مرحلة مكافحة الفيروس عبر اللقاح، أبرمت شركات صينية اتفاقيات خلال شهر أبريل 2021 لتصنيع أكثر من 260 مليون جرعة من لقاح “سبوتنيك V” الروسي، الذي وافقت عليه أكثر من 60 دولة مثل المكسيك والهند والأرجنتين. واعتبر محللون ذلك ضمن مساعي كلا البلدين لتأكيد أهداف اللقاحات الدولية لمساعدة البلدان النامية. ومن جانب آخر، قد يحقق ذلك لهما مكاسب جيوسياسية عبر كسب تأييد دولي لهما، خاصةً الصين التي تسعى لصقل صورتها كزعيمة لدول الجنوب. كما أن ذلك يعكس سمعة مشوهة للنظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ونشر صورة عن الغرب “الأناني” انطلاقًا من انخراط بكين وموسكو في عمل إنساني واستغلال “إنتاج اللقاحات” كأداة قوة ناعمة للتأثير على النظام العالمي، واستخدام مسألة اللقاحات لبدء تعاون بشأن الأمن البيولوجي.

ختامًا

في الأخير، يمكن القول إن التفاهم بين القوتين الصينية والروسية لا يعد أكثر من كونه علاقة نفعية مدفوعة بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية، فهي علاقة تعد حائط صد أمام المحاولات الغربية للدفع بالانقسام بينهما، كان آخر هذه المحاولات قيام الرئيس الأمريكي “جو بايدن” بالإشارة –خلال قمته مع “بوتين”- إلى أن روسيا تتعرض للضغط من قبل الصين التي تمضي قُدمًا لتكون أقوى اقتصاد في العالم وأقوى جيش في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الروسي. لكن تبادلت الصين وروسيا التأكيد على قوة الصداقة بينهما وتعاونهما القوي.
كما يجب النظر إلى مدى تأثير العلاقة الشخصية بين قيادة البلدين على العلاقات الرسمية، ففي عهد “ستالين” و”ماو” كانت هناك اشتباكات حدودية ورهائن سياسيون. لكن في ظل قيادة “شي” و”بوتين” تطورت الروابط بينهما والسعي لتطوير أساليب لمواجهة العدو الأمريكي المشترك والمعارضة الغربية المتزايدة لحكومتهما.
وفي ضوء ذلك، لن تتأثر العلاقات بين البلدين بالسلب –في المدى المنظور- طالما لا تزال الولايات المتحدة عدوهما المشترك، وسيتم تجاوز الخسائر التي تكبدها الاقتصاد الروسي عبر مزيد من الاندماج مع الصين لإنعاش اقتصادها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى