مكافحة الإرهاب

“تنظيم القاعدة”… بين سكون الحاضر وتحديات المستقبل

إن فهم حاضر ومستقبل القاعدة أكثر تعقيدًا من مجرد تقييم تراجعها أو نشاطها. فعلى الرغم من معاناتها من النكسات التي لا تعد ولا تحصى، لا تزال المجموعة تحتفظ بعدة فروع نشطة، وما بين عناصر الضعف والقوة بين النبأ شبه المؤكد حول وفاة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في أكتوبر 2020 والذي مثل ضربة قوية لصفوف الكيان “القاعدي” لما له من تأثير على التنظيم ومصيره في ظل عدم مركزية القرار داخل الهيكل التنظيمي وارتباك فروعه بسبب مقتل القيادات المؤثرة والفاعلة، وما بين صفقة فبراير 2020 التي أبرمتها أمريكا مع حركة طالبان الأفغانية، والتي وعدت فيها الحركة بقطع العلاقات مع تنظيم القاعدة التي تسببت في غزو الولايات المتحدة لأفغانستان في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وما بين صعود نفوذ داعش في بعض الأماكن؛ نجدنا في مقارنة دعت إليها التحديات الراهنة بين حاضر تنظيم القاعدة ومستقبله. 

واقع تنظيم القاعدة

عانى تنظيم القاعدة خلال السنوات الأخيرة من تحجيم الإمكانيات على مستوى القاعدة “الأم”، أو الفروع المنتسبة له في بعض المناطق، وهذا التحجيم نتج عن:

  • ضعف هوية تنظيم القاعدة: تأسس التنظيم  على عقيدة العدو البعيد واعتبرت القاعدة أن قتال الولايات المتحدة هو المفتاح لتحقيق أجندتها العابرة للحدود، لكن في ظل حكم الظواهري تخلت الجماعة إلى حد كبير عن أجندتها العالمية وسمحت لفروعها بشكل متزايد بشن صراعات محلية، في حين أن مهاجمة الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، ضرورية لهوية القاعدة لأن هجمات الحادي عشر من سبتمبر قدمت شيئًا جديدًا، يتجاوز عقيدة الظواهري “العدو القريب” و “العدو البعيد” أو مفهوم عبد الله عزام للجهاد الدفاعي؛ فيمكننا القول أن القاعدة لم تكن واضحة، وفي الوقت الحاضر لم تقترح استراتيجية لترجمة النجاح المحلي إلى تأثيرات بعيدة المدى وعابرة للحدود، ففي حين قللت بشكل فعال من مهاجمة الولايات المتحدة، إلا أنها فشلت في صياغة وتقديم رؤية استراتيجية جديدة تليق بالعصر الجديد، وبعد فشل تركيزها الأول على الولايات المتحدة ورفضها المسار البديل للخلافة على غرار الدولة الإسلامية، لا يزال من غير الواضح كيف تتصور القاعدة النجاح أو حتى ما تأمل في تحقيقه.
  • قيادة غائبة وواقع صعب: تعتمد استراتيجية القاعدة المستقبلية على خليفة الظواهري الذي يصعب التكهن به حتى الآن منذ مقتل العديد من أعضاء القاعدة البارزين في الآونة الأخيرة، إضافةً إلى معاناة تنظيم القاعدة من نكسات في أواخر عام 2019 حتى الآن؛ حيث قُتل حمزة بن لادن، نجل أسامة بن لادن في عملية أمريكية في عام 2019، كما اغتيل والد زوجة حمزة، محمد المصري، الذي كان الخليفة المحتمل للزرقاوي في أغسطس 2020 على يد عملاء إسرائيليين في إيران بأمر من الولايات المتحدة، وفي عام 2020 قُتل حسام عبد الرؤوف، الملقب بأبو محسن المصري، وعبد المالك دروكدال – زعيم القاعدة في المغرب، وقاسم الريمي – قائد القاعدة في شبه الجزيرة العربية 2020، كما ألقي القبض على زعيمه خالد باطرفي، المعروف أيضًا باسم أبو مقداد الكندي، خلال عملية في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة. كما أدت نفس العملية إلى مقتل الرجل الثاني في المجموعة، سعد عاطف العولقي، وفي اليمن وردت أنباء عن مقتل قائد المجموعة في محافظة أبين، الخضر الوليدي، في نوفمبر، ودحر المجموعة في محافظة البيضاء، وتشتت بقايا المقاتلين من تلك المحافظة باتجاه محافظات شبوة ومأرب وأبين.

وبالإضافة إلى الخسائر القيادية، يعاني تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية من تآكل في صفوفه بسبب الانشقاقات التي يقودها في المقام الأول أحد مساعدي باطرفي السابقين، أبو عمر النهدي، ومع ذلك، على الرغم من هذه الاضطرابات والهدوء النسبي الذي أعقب القبض على باطرفي، تمكنت القاعدة في جزيرة العرب من شن هجوم كبير في مديرية لودر بمحافظة أبين في ديسمبر، مما أدى إلى مقتل العديد من أفراد قوات الحزام الأمني. ويؤكد الهجوم استمرار التهديد الذي تشكله الجماعة وطموحاتها الهجومية ضد أهداف البنية التحتية.

  • عدم تماسك التنظيم: يعاني تنظيم القاعدة في الوقت الحالي من عدم التماسك؛ حيث تحول إلى “حركة غير مترابطة بشكل شبكي، تضم مجموعات متشابهة التفكير ورغم أنها متميزة إقليميًا، إلا أن كل منها يسعى إلى تحقيق أجندات محلية بشكل متزايد؛ مما أدى إلى تآكل إضافي في تماسك التنظيم، بمعنى أن القاعدة لم تعد أكبر من مجموع أجزائها، فقد كشف التحول نموذج أكثر لامركزية عن الأهداف المتباينة بين القاعدة الأساسية وفروعها، فلطالما سعت القاعدة الأساسية إلى مهاجمة الغرب، أما معظم فروع القاعدة الإقليمية، على العكس من ذلك، أعطت الأولوية للقضايا والنزاعات المحلية مع الجماعات والأنظمة المسلحة.
  • الضغط المستمر على القاعدة: أدى الضغط المستمر لمكافحة الإرهاب من قبل الولايات المتحدة وحلفائها إلى تحقيق نتائج إيجابية، حيث قدمت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية قيمة، واتضح ذلك في العمليات التي نفذتها إسرائيل ضد أبو محسن المصري في إيران، وأيضًا التي نفذتها فرنسا ضد عبد المالك دروكدال على الحدود المالية الجزائرية. 
  • فقدان الأهمية للقاعدة بين شبابها: تلاشت أهمية القاعدة في الوقت الحاضر خاصة بين الجهاديين الشباب الذين لم يولد الكثير منهم عندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر ضد الولايات المتحدة الأمريكية. حيث فقد التنظيم الدعم خاصةً عندما رأى العديد من الجهاديين أن موقف التنظيم من إقامة الخلافة طويل الأمد حذر للغاية، كما أدى إعلان أبو بكر البغدادي الخلافة في عام 2014 إلى إبعاد الكثير من شباب القاعدة الأصغر سنًا عن القاعدة، حيث بدأ المزيد منهم ينظرون إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية على أنها المجموعة التي وعدت بالأمل في رؤية خلافة راسخة في حياتهم. 

مستقبل القاعدة… هل تتغير موازين القوى؟

المرجع

قد تؤدي وفاة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة في 13 نوفمبر 2020، بالإضافة لقرار انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي الأفغانية والتي ستكتمل في 31 أغسطس 2021 وفقًا لما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرًا، إلى جانب تراجع تنظيم داعش إلى تغيير موازين القوى حيث:

  • الزعيم القادم: من الممكن أن يكون الزعيم الجديد أكثر جاذبية من الظواهري إذا تمكن التنظيم من إيجاد خليفة للظواهري يحمل فكر وعقلية أسامة بن لادن، حيث يعتمد التنظيم كثيرًا على من يتولى القيادة، فقيادة التنظيم دائما لها أهمية كبيرة للجماعات الإرهابية، خاصة الجهادية، التي غالبًا ما تنهض وتنهار بناءً على حظوظ أميرها. 

ومن الممكن أن يحتاج القائد الجديد أيضًا إلى ضمان ولاء المنتسبين المحليين، مثل فرع القاعدة في اليمن، فهذه الفروع التابعة لها حوافز خاصة للبقاء مخلصة والاحتفاظ باسم القاعدة، ولكن إذا ظلت العلامة التجارية العالمية للقاعدة ضعيفة، فسيكون هناك حافز أقل لجماعات جديدة للانضمام والمزيد للانشقاق عن المنتسبين الحاليين. وقد يسعى الزعيم الجديد إلى شن هجوم إرهابي بارز على الغرب أو جذب الانتباه بطريقة أخرى وذلك من أجل تعزيز مكانته. وهذا من شأنه أن يساعده في إثبات حسن نيته وفصل القائد عن كتلة المزيد من الشخصيات المحلية الذين يتنافسون جميعًا على المجندين والمال.

  • علاقة أفغانستان بالقاعدة: إن أكثر التنبؤات العامة تحديدا بشأن احتمالات تجدد التهديد الإرهابي الدولي من أفغانستان هو نشاط القاعدة وقدرتها على تجديد وتطوير نفسها في أفغانستان، حيث قد ينتج عن ذلك تهديدًا للولايات المتحدة الأمريكية في غضون عامين من انسحاب جميع قوات الجيش الأمريكي من البلاد بحلول 11 سبتمبر أو 31 أغسطس 2021 كما أعلن الرئيس الأمريكي مؤخرًا، خاصة إذا استولت طالبان التي تسعى إلى نفوذ سياسي أكبر في كابول على السلطة واحتفظت بعلاقتها مع القاعدة، ولم تفي بوعدها الذي قطعته في اتفاق فبراير 2020 مع إدارة ترامب لنأيها عن القاعدة ومنع أي جماعة إرهابية من شن هجمات على الولايات المتحدة من الأراضي الأفغانية. علمًا بأنه بعد أيام معدودة من خروج معظم القوات الأمريكية وجميع قوات الناتو المتبقية بما في ذلك معظم القوات البريطانية من أكبر قاعدة جوية في أفغانستان في الرابع من يوليو 2021، وما لبث أن خرجت معظم القوات الأجنبية حتى هاجمت حركة طالبان معظم الأراضي الأفغانية وأعلنت سيطرتها على 85 بالمئة من الأراضي الأفغانية.

ومن يتابع علاقة القاعدة بحركة طالبان يجد أن القاعدة تحتفظ بنفوذها العالمي تحت حماية طالبان ودليل ذلك أن طالبان قد قامت في العقد الماضي بترقية سراج حقاني، وهو متمرد تابع للقاعدة ويرأس شبكة حقاني، ليصبح قائد العمليات العسكرية لطالبان عام 2015. 

وأشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن “جزءًا كبيرًا” من قيادة القاعدة لا يزال يُعتقد أنه موجود في المنطقة الحدودية بين أفغانستان وباكستان. ويضيف أن العلاقات بين طالبان والقاعدة “نمت بشكل أعمق نتيجة للروابط الشخصية للزواج والشراكة المشتركة في النضال، والتي تعززت الآن من خلال العلاقات بين الجيل الثاني”.

كما ذكر تقرير للأمم المتحدة الذي نُشر في فبراير 2021 أن “مقتل العديد من قادة القاعدة في الأراضي الخاضعة لسيطرة طالبان يؤكد مدى قرب الجماعتين”. وتحدث التقرير عن مقتل الرؤوف ومقتل نائب زعيم تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية محمد حنيف في 10 نوفمبر 2020 في ولاية فرح بأفغانستان. وأشار التقرير إلى أن محمد حنيف “كان يقدم تدريبات على صنع القنابل لمتمردي طالبان”؛ فكلاهما على ما يبدو قد منحتهما طالبان المأوى والحماية، واختتم التقرير بأن هناك “أدلة أخرى على علاقات وثيقة بين الجماعات”، مستشهدٍ بطلب طالبان إدراج زوجة أحد كبار الشخصيات في القاعدة الذي قُتل في مداهمة عام 2019 في صفقة تبادل الأسرى لعام 2020 مع الحكومة الأفغانية.

  • تراجع تنظيم داعش: ومن المفارقات بالنسبة لداعش، أن التاريخ أثبت أن تقييم القاعدة للمستقبل على المدى المتوسط ​​كان أكثر دقة، حيث انتهت هيمنة داعش على مساحات شاسعة من العراق وسوريا في نهاية المطاف، مع إجبار تنظيم الدولة الإسلامية على الخروج من معاقلهم وأراضيهم بسحق الهزائم العسكرية. وقد وصف تقييم للتهديدات الأمريكية في جميع أنحاء العالم في عام 2019 القاعدة بأنها تعزز هيكلها القيادي وتواصل الحث على شن هجمات ضد الأهداف الغربية، كما اعتبر تقرير للأمم المتحدة في نفس العام أن القاعدة منظمة مرنة وقوية من تنظيم الدولة الإسلامية في اليمن وسوريا والصومال وأجزاء كبيرة من غرب إفريقيا.

فأي وريث سوف يستفيد أيضا من تراجع تنظيم داعش، وهو أضعف بكثير وأقل إلهامًا الآن بعد أن فقد الخلافة، ومع أنه لا يزال صامداً سواء في سوريا أو مع داعميه في دول أخرى، ونموذجه وأفكاره قوية، إلا أنه لم يعد يمثل عملاق التجنيد وجمع الأموال كما كان في ذروته في عامي 2014 و 2015.
وبناءً على ما سبق، يتضح أنه على الرغم من تضاؤل ​​أهمية القاعدة على المسرح العالمي، إلا أن المنظمة لم تنقرض وستظل تشكل تهديدًا لأهدافها التقليدية في المستقبل القريب حيث لا يزال تنظيم القاعدة له علامته التجارية ويتردد صداه بين الجهاديين، ولذا فإنه من غير المرجح أن يتلاشى، كما أن القاعدة في عام 2021 هي منظمة مختلفة اختلافًا جوهريًا عن تلك التي بناها أسامة بن لادن وتوسعت منذ أكثر من 30 عامًا، ومع ذلك يجدر الاعتراف بأن الجهاديين قد حققوا بعض أهدافهم؛ فبعد كل شيء دفعوا الدول الغربية إلى حروب مكلفة في الخارج وتغييرات مجتمعية في الداخل، وختامًا فإن الفترة المقبلة ستثبت هل القاعدة ستعيد تشكيل عملياتها الإرهابية؟ وهل ستتحالف القاعدة بقوة مع حركة طالبان الأفغانية؟ وهل ستصبح أفغانستان ملاذًا أمنًا للإرهابيين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى