الصحافة المصرية

“استعادة الأراضي”..بين سيادة الدولة وسيف القانون

تخوض الدولة غمار معركة تهدف لفرض قوة القانون، ولإعلاء سيادة الدولة من خلال شن حرب لاسترداد الأراضي المنهوبة تطبيقا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أشار خلال خطابه أثناء افتتاح مشروع الصوب الزراعية، منذ عدة أيام، بقاعدة محمد نجيب العسكرية في مطروح إلى منطقة “كينج ماريوت”.

واشتهرت  تلك المنطقة بأنها تعتبر خليطا يجمع بين طياته من يطلق عليهم صفوة المجتمع، جنبا إلى جنب مع الآثار القديمة في آن واحد.

وتشتهر المنطقة ، التي تقع في جنوب غرب الإسكندرية، منذ القدم بطقسها الجاف صيفا وشتاء، إذ تقل بها نسب الرطوبة إلى أقصى حد معظم أيام العام تقريبا، ما يجعل منها مشتى ومصيفا خلال كل شهور العام. كما أنها تحتوي عديدا من الآثار التي تعود الى العصور البطلمية والرومانية. 

ماهي بحيرة ماريوت

وتعد بحيرة ماريوت واحدة من أصغر البحيرات، وكانت في الماضي هي الأكثر في انتاج الأسماك وأصبحت الآن الأكثر من حيث التلوث. ويستقبل الحوض الرئيسي في البحيرة، 6 آلاف فدان، مياهها تأتي من مصارف القلعة ومحطة التنقية الزراعية ومصرف العموم ومحطة التنقية الغربية. 

وتعرضت البحيرة السمكية للتلوث بجميع المخلفات والنفايات الصلبة نتيجة القاء الصرف الصحي والصناعي والقمامة فيها، فضلاً عن ردم أجزاء كبيرة منها مما أدى لتشريد آلاف الصيادين، كما أدى تلوث البحيرة إلى تناقض الأسماك فيها واختلال التوازن الأيكولوجي للأحياء المائية والنباتية إضافة لتأثير ذلك على الصحة العامة والبيئة. 

جذور المشكلة 

وتحولت البحيرة والمنطقة المحيطة بها إلى رمز من رموز التعديات على أراضي الدولة. وهو ما تناوله الرئيس السيسي في خطابه المشار اليه سالفًا، بعد أن ذكر أن طلبات النظر في شأن هذه المنطقة أصبحت تعرض عليه في الأونة الأخيرة بشكل شخصي بسبب الكم الهائل من مخالفات البناء الموجودة هناك، وهو ما كانت النائبة انجي مراد، قد لفتت الانتباه إليه عدة مرات، قبل عامين من الآن، خلال اجتماعات لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، بحضور محافظ الإسكندرية.

وحذر من تحول منطقة كينج ماريوت بحر العامرية لمنطقة عشوائية بسبب كل ما يحتويه المكان من مخالفات بناء وكان هذا هو السبب الذي دفعها إلى تقديم طلب إحاطة. 

وتجددت مطالبات بشأن النظر في مسألة هذه المنطقة مرة أخرى قبل عام تحديدا في يونيو 2018، عندما أشار محافظ الإسكندرية السابق الدكتور محمد سلطان خلال اجتماع لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب إلى المشكلة، وتحدث بشأن إزالة 27 فيلا بمنطقة الكينج مريوط، والتي كانت موضع طلب الإحاطة، حيث قال: “ما بني على باطل فهو باطل وتم بناؤه على مخالفة قانونية”.

وأوضح أنه كسلطة تنفيذية في حاجة إلى تطبيق القانون قائلًا: “الفيلات تم بناؤها بالتنسيق مع فاسدين في الحي، وتم القبض عليهم وأوصت الجهات الرقابية بإزالة الفيلات”. وهكذا مرت المسألة بعدة مراحل وصولاً إلى الرئيس شخصيًا، والذي شدد على ضرورة عمل محور يُنهي التعدي على كينج ماريوت، مؤكدا  اعتزامه استعادة أوضاع جميع بحيرات مِصر مرة أخرى تمامًا كما كانت.

وأضاف أن الوضع في كينج ماريوت لن يتم تقنينه بدون الرجوع إلى الرئيس شخصيًا.

استعادة الأراضي

 ولا تعد هذه المرة الأولى التي تقوم بها الدولة بشن معركة استعادة أراضي الدولة، فقد بدأ الأمر في عام 2016 عندما قام الرئيس بإصدار قرار رقم 75 لسنة 2016، بتشكيل لجنة برئاسة المهندس إبراهيم محلب، تختص بحصر كافة الأراضي التي يثبت استيلاء أصحابها عليها بغير وجه حق واستردادها بكافة الطرق القانونية، بالإضافة إلى حصر كافة الديون المستحقة للجهات صاحبة الولاية على الأرض وتصنيف المدينين بهذه المستحقات. 

وبمجرد انشائها بدأت لجنة استعادة أراضي الدولة بتنفيذ أعمالها من خلال شن موجات متعددة في جميع محافظات مصر بالتنسيق مع قوات إنفاذ القانون ووزارات الدفاع والداخلية والتنمية المحلية والتي كانت قد شكلت غرفة عمليات دائمة تحت الإشراف المباشر للواء محمود شعراوي وزير التنمية المحلية لمتابعة إجراءات الموجة بالتنسيق مع كافة المحافظات. 

وبلغت الحملات  ثلاثة عشر موجة حتى الآن. نجحت الدولة من خلالها في استعادة مساحات شاسعة من أراضي الدولة، إذ نجحت الموجة الثانية عشر على سبيل المثال في إزالة نحو 8300 حالة تعدي من بينها نحو 4721 حالة تعدي على أراضي بناء تصل مساحتها إلى ما يزيد عن أربعة ملايين متر مربع، ونحو 3550 حالة تعدي على أراضي زراعية تصل مساحتها نحو 34 ألف فدان. 

بينما استكملت اللجنة نفسها في أداء مهامها من خلال الموجة الثالثة عشر لإزالة التعديات على الأراضي الدولة، بحيث بلغت مساحة الأراضي المستردة في 2019، برئاسة المهندس شريف إسماعيل مساعد رئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، من تنفيذ نحو 13 ألف حالة تعدي على أراضي بناء نتج عنها استرداد نحو 3 مليون و569 ألف متر مربع. كما تم تنفيذ الإزالة ل 5213 حالة تعدي على أراضي زراعية بلغت مساحة ما تم استرداده منها نحو 193 ألف فدان. 

جهود الدولة في انقاذ البحيرات من الفوضى

تملك مصر 14 بحيرة وترتيبها من الغرب إلى الشرق “مريوط، إدكو، البرلس، المنزلة، البردويل، سيوة، البحيرات المرة، نبع الحمراء، بحيرة التمساح، بحيرة بورفؤاد، بحيرة قارون، ناصر، بحيرات توشكى، الريان”.وتمثل هذه البحيرات أهمية اقتصادية بالغة حيث يبلغ إنتاجها من الأسماك أكثر من 75 % من إجمالي الإنتاج في مصر.

وبسبب ما مرت به البلاد من ثورات وفوضى، طال الإهمال البحيرات المصرية حتى أصبحت أمام محط ردم أو منصات لصرف مخلفات المصانع، فضلاً عن تعرضها لانتهاكات بسبب الصيد الجائر. وانطلاقًا من توصيات الرئيس اجتمعت الأجهزة المعنية في الدولة لأجل نجدة البحيرات، وبدأت أولى بشائرها تظهر عند بحيرة المنزلة، حيث حضرت الكراكات العملاقة في رمي مئات الأطنان يوميًا من باطن البحيرة الى حوافها، كما تم إزالة التعديات من وجه البحيرة. مما ترتب عليه أن انكشف أمام الصيادين مستقبل مبشر وحياة أجمل. 

بينما عانت بحيرة ناصر في جنوب البلاد من تدهور حاد في انتاجها السمكي بسبب الاستنزاف المستمر لمواردها وما تتعرض له من صيد جائر باستخدام شباك مخالفة أو الصيد باستخدام الصعق بالكهرباء أو رش المبيدات التي تصيب الأسماك بالاختناق حتى تطفو على السطح. وهو ما دفع الرئيس المصري إلى اصدار تكليفاته الى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، في عام 2016، لأجل اعداد دراسة شاملة حول تكريك بحيرة ناصر لأجل زيادة عمقها، بهدف تقليل الفاقد المائي بسبب البخر، فضلاً عن الاستفادة من الطمي الناتج عن عملية التكريك في استصلاح الأراضي. 

وتأتي بحيرة المنزلة باعتبارها واحدة من أهم البحيرات الشمالية في البحر المتوسط، على قائمة البحيرات المعرضة للمخاطر، إذ تواجه تحديات مختلفة من تجفيف وتلوث وانتشار للنباتات المائية واطماء البواغيز والصيد الجائر وتدهور الأمن وعدم وجود معايير بالقوانين الحالية لحمايتها، حيث تميل نسبة مياه الصرف بها 7.2 متر مكعب 96%، صرف زراعي، بواقع 6.9 مليار متر مكعب و 1.6% صرف صناعي و 2.4% صرف صحي، كما أن 50% من صرف المنشآت غير مطابق. وقامت وزارة الموارد المائية بتنفيذ أعمال تطوير بحيرة المنزلة على مرحلتين بقيمة مبدئية تصل 305 ملايين جنيه، خلال شهر يونيو من العام المقبل. 

وفي محافظة البحيرة تقع بحيرة إدكو التي تعرضت لجميع أنواع التعديات من حيث مشاكل التجفيف، التلوث، إقامة المزارع، صيد الزريعة، وتحولت إلى بركة تلوث تسببت في نفوق الأسماك. 

حملات الدولة لإزالة التعديات من أمام كورنيش النيل

قامت الأجهزة المعنية بالدولة بعمل حملات متكررة لإزالة التعديات من أماكن متفرقة بشتى أنحاء الجمهورية، جاء من ضمنها كورنيش النيل وما تم من حملات متكررة تهدف لإزالة التعديات عليه. ومن ضمنها قرار اللواء أحمد راشد، بإزالة 10 أبراج تم بنائها بشكل مخالف على كورنيش النيل بحي الوراق. وذلك بعد أن صدر بشأن هذه الأبراج أكثر من 30 قرارًا إزالة، وتم اثبات مخالفتها للمواصفات الفنية في أعمال البناء. كما شهدت منطقة الوراق حملة تطهير أخرى تهدف لوقف الانتهاكات على نهر النيل، حيث قامت شرطة المسطحات المائية مدعومة بقوات الجيش بهدم عدد من الكافيتيريات وقاعات الأفراح، والمراسي النيلية المخالفة والتي تعمل بدون تراخيص وشوهت المظهر الحضاري والجمالي لكورنيش النيل. وأسفرت الحملة عن إزالة 3 قاعات أفراح مخالفة وعدد 2 كافيتريا وكذلك نجحت في إزالة كافة المراسي ومراكب التنزه المخالفة مستخدمين المعدات الثقيلة والأوناش لتنفيذ قرار الإزالة. 

وفي المنيا، أسفرت خطة تطوير الكورنيش عن رفع ما يزيد عن 10 آلاف طن مخلفات بناء، ورفع وأزالة التعديات والاشغالات الواقعة على المنطقة بداية من شمال فندق حورس وحتى دماريس، وتحرير محاضر فورية للمخالفين. بالإضافة إلى إلى عدة مناطق أخرى في أماكن متفرقة من الجمهورية. 

حملات إزالة التعديات من منطقة المنتزه

في 2018، شن حي ثاني المنتزه شرق الإسكندرية، حملة مكبرة لإزالة التعديات عن أراضي الأوقاف، بغرض مجابهة مافيا التعديات على الأراضي بشتى أحياء المحافظة. وتم تنفيذ 5 قرارات إزالة في أرض الإحلال أمام محطة قطار المنتزه، شارع ملك حفني السياحي على مسطح 2,3000 التابعة لهيئة الأوقاف المصرية. كما قام حي منتزه أول بشن حملة مكبرة لإزالة الاشغالات ومطاردة الباعة الجائلين بميدان توريل بالرأس السوداء. وتم من خلال الحملة رفع جميع الاشغالات، وإزالة التعديات المتواجدة بالطريق العام، والأكشاك والتعريشات التي تعوق المارة.  كما أعادت الأجهزة التنفيذية بمحافظة الإسكندرية، شن حملة مكبرة لإزالة التعديات والمباني المخالفة على الأراضي الزراعية بريف المنتزه، شرقي المدينة. استهدفت الحملة التعديات على أراضي قرى الكوبانية والرحامنة وحوض 10 وكرملة، حيث تم تنفيذ 16 قرار إزالة لتعديات على الأراضي الزراعية تتضمن عددًا من المباني والأسوار والغرف الخرسانية بإجمالي مساحة 3250 مترا مربعاً.
وفي سياق مماثل، استكملت الأجهزة الأمنية بالإسكندرية في حملات إزالة التعديات، إذ قام حي المنتزه اول في مطلع 2019، بشن حملة تهدف إلى الحفاظ على الرقعة الزراعية، وأسفرت الحملة عن تنفيذ قرار الإزالة رقم 38 لسنة 2019 بعزبة نوبار بطريق “المحمودية- خورشيد”، وتم خلالها إزالة حوائط وأعمدة خرسانية على مساحة 5 آلاف و400 متر أراضي زراعية.

 يشار إلى أن كل الجهود سالفة الذكر هي جزء بسيط من جهود الدولة لأجل استعادة قوة القانون من خلال شن حرب لأجل استعادة الأراضي المنهوبة، ولا تزال الحرب مستمرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى