السد الإثيوبي

ننشر كلمة وزير المياه والطاقة الإثيوبي أمام مجلس الأمن بشأن سد النهضة

طالب وزير المياه والطاقة والري الإثيوبي، سيلشي بيكيلي، خلال كلمته أمام جلسة مجلس الأمن المنعقدة أمس الخميس بشأن سد النهضة، بأن يعيد المجلس الملف إلى الاتحاد الأفريقي، وأن تكون هذه آخر مرة يناقش فيها مجلس الأمن هذه القضية.

 وفيما يلي النص الكامل للكلمة:

شكرًا السيد الرئيس وتفضل بقبول خالص التهاني فيما تقودون عمل المجلس لشهر يوليو، 

أحيي أعضاء المجلس، والشقيق سامح شكري، والشقيقة معالي الوزيرة السيدة ميريام الصديق،

أتقدم بالشكر لصاحبة السعادة السيدة إنجر اندرسن، والمبعوث الخاص للأمين العام للقرن الأفريقي على جهودهم، وأرحب هنا بممثل رئيس الاجتماع الأفريقي،

في هذا الاجتماع وفي مداولات المجلس اليوم يتم التدقيق في مسألة سد لتوليد الطاقة الكهرومائية بشكل غير مسبوق، لسد متأكدًا وقد أكون أول وزير مياه يخاطب مجلسكم. تؤمن إثيوبيا أن مناقشة مسألة سد النهضة الإثيوبي الكبير إنما تضيع وقت وموارد مجلس الأمن في الأمم المتحدة، لذلك يشرفني أن اتحدث أمام هذه الهيئة الموقرة لأعبر عن مشاغلي وقضايا دولة إثيوبيا العادلة. 

منذ عام في 19 يوليو 2020 وتحت رئاستكم شجع أعضاء المجلس إثيوبيا ومصر والسودان على مواصلة التفاوض لحل المسائل العالقة، وعبروا عن دعمهم للعملية التي يقودها الاتحاد الأفريقي لتسهيل المشاورات والمحادثات. وقد شاركت إثيوبيا في المفاوضات بعد أن جددت التزامها بحسن نية للتوصل إلى نتيجة متفاوض عليها ومقبولة من كل الأطراف برعاية الاتحاد الأفريقي.

أود أن اغتنم هذه الفرصة لاعترف بجهود جمهورية جنوب أفريقيا واتقدم بخالص الشكر لها على تيسير المفاوضات بشكل فعال حتى نهاية رئاستها للاتحاد الأفريقي في فبراير 2021. وفي الإطار نفسه تثني إثيوبيا على جهود جمهورية الكونغو الديمقراطية الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي على الجهود الحثيثة المبذولة في هذه الظروف العصيبة، بما في ذلك خلال تقويض المفاوضات عدة مرات.

السيد الرئيس، 

نحن نناقش هنا مشروع سد لتوليد الطاقة الكهرومائية وهو ليس الأول من نوعه في أفريقيا أو العالم، فنحن نبني خزانًا لتخزين المياه بما يؤدي إلى توليد الكهرباء بإدارة التوربينات. ولمعلوماتكم خزان السد أصغر بمرتين ونصف من سد أسوان في مصر، لعل ما يميز سد النهضة الإثيوبي الكبير عن المشاريع الأخرى هو الأمل والطموح الذي ولده لـ 65 مليون إثيوبي لا يحصل على الكهرباء، كما أن السد فريد من نوعه أيضًا لأنه يبنى بـ 5ملايين دولارات حصدناها من دماء ودموع وعرق جبين المواطنين الإثيوبيين، فالسد سد محق وهو في المكان الصحيح، ويهدف إلى تحسين حياة الناس في المنطقة بأثرها.

عدم قدرتنا على استخدام نهر النيل تؤثر بشكل كبير في شعبنا، فهناك مقولتان إثيوبيتان شائعتان بما معناه أنه لسخرية القدر يواجه فقير محنة فهو يقف في النهر يشكو من العطش، ولتغيير هذه الشكوى التي توارثتها الأجيال لجأنا إلى حوض النيل ومنطقة آبي التي تضم ثلثي مياه إثيوبيا. في هذا النهر الكبير الذي نتشاركه مع الدول المجاورة يأمل الناس أن ينتشلوا أنفسهم من العتمة وأن يمضوا ببناء سد النهضة الكبير.

يحمل السد بصمات المزارعين الإثيوبيين والرعاة والطلاب والعاملين والرجال ونساء الأعمال، والجالية في كل أصقاع العالم، وهم الذين يسعون إلى تحسين حياتهم في هذه الظروف العصيبة. 

يتمنى الإثيوبيون الخير للمصريين والسودان، كما يمنى ذلك هم لنا، وكلنا نريد أن نعيش معًا بسلام وأن نتعاون لملحتنا المشتركة، ويثبت السد هذا المبدأ الأساسي، مبدأ الازدهار المشترك، ولهذا السبب يشكل السد أحد مشاريع التكامل الإقليمي تحت برنامج تنمية البُنى التحتية في أفريقيا.

السيد الرئيس،

 أفريقيا مهد الحضارة وهي أكثر شابة في العالم، وستحصد ثمارها الديموغرافية إ ذا ما استثمرت بشبابها. وفي الإطار نفسه، 70% من سكان إثيوبيا لا تتخطى أعمارهم 30 عامًا، أكثر من 100 ألف إثيوبي يتخرج من الجامعة سنويًا، بالإضافة إلى ذلك أكثر من 30 مليون إثيوبي يتعلم في المدارس بمستويات تعليم مختلفة، وللاستجابة إلى احتياجات سكاننا المتنامين علينا أن نعمل في الدولة بشكل حتمي وأساسي، فحياة الإثيوبيين الذين يعانون في الصحراء وهم يحاولون أن يعبروا إلى أوروبا، اللاجئ الذي يأتي من الشرق الأوسط ويضحي بشبابه لتحسين حياة أسرته، الشاب والشابة الذين يعودون من سجون المهاجرين في أفريقيا، وكل مواطن حافي القدمين يعود بموجات الترحيل الجماعي من الشرق الأوسط كلهم يستحقون حياة كريمة، ومشروع سد النهضة مشروع هؤلاء الناس، وهو محاولة متواضعة لتحقيق هذا الحلم.

على الرغم من كل شيء اخترنا أن نعمل ونواجه التحديات بدلًا من أن نغرق في مشاكلنا اخترنا مواجهتها وشيئًا فشيًا نحن ننجح في هذا.

السيد الرئيس، 

للأسف نحن هنا اليوم لأن مصر ومؤخرًا السودان قد عبرتا عن رفضهما لهذا السد، يهمني أن أسير هنا إلى أن الدولتين الجارتين لديهما سدود كبيرة وصغيرة، قامتا بإنشائها دون الأخذ في عين الاعتبار حقوق الدول المشاطئة الأخرى، وبعد رفض دعوة إثيوبيا للمفاوضات.

وبعد سلسلة من المفاوضات لمعالجة مشاغل الدول المجاورة بحسن نية، وجدنا أنفسنا مجبرين على مكافحة هذا المعارضة المواجهة ضد السد، والتي تهدف إلى حرمان إثيوبيا من حقها في استخدام المياه، فالمشكلة هنا أنه ليس لدينا بديل آخر قابل للحياة، بل على عكس مصر والسودان ليس لإثيوبيا مخزون أرضي كبير وليس لدينا بحر نحليها، فحوالي 70% من مياه دولتي تأتي من حوض النيل، وحتى لو أردنا ذلك وحاولنا لا يمكننا أن نتفادى استخدام مياه نهر النيل، فبناء السدود جزء من جهودنا، فنحن نركز أيضًا على عدة مبادرات لزراعة الأشجار والاستفادة من مصادر المياه الشحة، لدينا هدف بزراعة 20 مليار شجرة في غضون 5 أعوام، وفي العامين المنصرمين زرعنا 10 مليار شجرة، هذه مبادرة تشمل تشارك الشتلات مع الدول المجاورة، وهي جزء من مبادرة الحزام الأخضر في الاتحاد الأفريقي، وبالتالي ندعو مصر والسودان إلى الانضمام لهذا المشروع الذي يعزز الصمود ويحسن مصادر المياه.

السيد الرئيس، 

تؤمن إثيوبيا أنه يُمكن أن نتوصل لاتفاق لو توفرت الإرادة السياسية والالتزام بالتفاوض بحسن نية، فقد توصلنا اصلًا إلى تفاهم حول عدد من المسائل، والاتحاد الأفريقي يبقي هذه المسألة قيد نظره، وهو ييسر المفاوضات بشكل ممتاز، وبالتالي نأسف لأن البلدين المجاورين، أو البلدان الشقيقة اختارت أن تطرح هذه المسألة على مجلس الأمن. لن أغوص في التفاصيل الفنية للسدود ولكنني أود أن نتوقف لحظة لننظر في الموضوع الذي نناقشه اليوم فنحن نتحدث عن سد لتوليد الطاقة الكهرومائية، للمرة الأولى منذ إنشائه يجبر مجلس الأمن على البت في مشروع تنموي، مجلس الأمن هيئة سياسية معنية بالأمن، ومن غير المفيد أن نطرح عليه مسألة تتطلب حدًا فنيًا مائيًا ليبت فيها.

ويجب أن نوضح هنا أن المشكلة الأساسية للنزاع بين الدول الثلاث هي السعي للحفاظ على الوضع الاستعماري والاحتكاري القائم في النيل، هذه المقاربة القائمة على حل المشاكل باستخدام الطريقة التي أدت إلى نشوء هذه المشاكل تعيق أي تفاوض حول السد. ويواجه مجلس مسألة أساسية وهي البت فيما إذا كان للإثيوبيين الحق في استخدام مياه نهر النيل، وبالنيابة عن الإثيوبيين أدعو الأصدقاء في المجلس وفي المجتمع الدولي إلى الإجابة عن هذا السؤال: هل يحق للإثيوبيين أن يشربوا من نهر النيل؟

السيد الرئيس، 

لمعلوماتكم أود أن أتقدم بأخر تطورات المفاوضات التي قادتها الاتحاد الأفريقي، ففي 24 يونيو 2021 عقدت هيئة مكتب الاتحاد الأفريقي اجتماعًا لمناقشة عدد من المسائل من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير، وقام رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية صاحب السعادة السيد فيلكس تشيسيكيدي بإحاطة المكتب، وقدم خطته للمفاوضات المقبلة، لكن للأسف لم تحضر جمهورية السودان هذا الاجتماع رفيع المستوي، وبغياب السودان من اجتماع المكتب تكون الدولتان قد عرقلتا 9 اجتماعات منذ يونيو 2020، ويجب أن تعرفوا اليوم أن أثيوبيا لا تستجيب للضغوط السياسية والتدخل وسوف تواصل ممارسة ضبط النفس وتبدي التعاون لأننا دائمًا سنكون متصلين ومترابطين بهذا النهر شئنا أم أبينا. سنواصل شرب المياه من النهر نفسه ويجب أن نتعلم أن نتعايش بسلام كجيران.

أُعيد التأكيد بالتزام إثيوبيا طويل الأمد بالعملية التفاوضية بقيادة الاتحاد الأفريقي، مرتكزة على أماننا بأن الإفريقيين يتمتعون بالحكمة والخبرة الفنية والقدرة على معالجة تحدياتهم، ونحن نؤمن أن المقاربة على مراحل التي اقترحها السيد الرئيس فليكس تشيسيكيدي، رئيس الاتحاد الأفريقي، يُمكن أن تساعدنا على حل هذه الورطة التي ولدها الإرث الاستعماري في حوض النيل، والتي ترد السودان ومصر الحفاظ عليها.

السيد الرئيس،

أود أن اتناول أيضًا ملء السد للعام الثاني، هذا الملء يحصل في يوليو وأغسطس من هذا العام، وقد وفرنا المعلومات الضرورية حول أساليب ملء السد. ودعوني أكون واضحًا، ملء السد يشكل جزء من عملية البناء، وهذا أمر منصوص عليه بشكل واضح في إعلان المبادئ الذي وقع عليه رؤساء دولنا الثلاث في مارس 2015. ملء السد سيدي الرئيس مسألة فيزيائية محضة فمتى وصل الأسفلت إلى علو محدد تتدفق المياه من البوابات السفلية أو تفيض فوق الأسفلت، فبتصميمه الحالي سيخزن السد المياه حتى تصل إلى 13.5 مليار متر مكعب، وهذا يتماشى مع ما تم الاتفاق عليه مع مصر والسودان، فمن العادل أن تتمكن الدولة التي تولد 77 مليار متر مكعب من المياه أن تحتفظ بجزء بسيط من هذه المياه يتدفق في سد لتوليد الطاقة الكهرومائية.

لا نحتاج إلى اقناع مصر أو السودان بالمنافع التي سيعود بها السد عيلهما، فبحسب حكمة مسؤول سوداني يشكل السد أداة للتكامل الإقليمي، وسد النهضة بالنسبة للسودان كسد أسوان بالنسبة لمصر، وأنظروا لي الآن ابذل قصارى جهدي لأعلل لكم أنه لا يوجد أي تهديد يطرحه السد، كلنا البلدان المشاطئة في النيل معًا في الوفرة والندرة، لا يجوز أن يقف أي منها عطشًا يتأمل الأخر وهو يشرب، ومن خلال سد النهضة تدعو إثيوبيا إلى تشغيل المنطق في حوض النيل، وبالتالي لا يجوز أن نقحم المجلس في مفاوضات السد في مسعى لتحقيق أهداف سياسية محلية.

السيد الرئيس، لو وافق المجلس على المسار الذي تطرحه مصر والسودان سيعلق في حل نزاعات حول كل الأنهار العابرة للحدود، وبخلاف دولة جزرية شقيقة لنا كل أعضاء المجلس موارد مائية عابرة للحدود، ولقد واصلتهم معالجة الخلافات بشأنها بشكل ثنائي، محادثات السد والعملية التي أطلقناها منذ 2010 علمتنا دروسًا كثيرة ونأمل أن تدفعنا هذه العملية إلى العمل من خلال آليات إقليمية لحل مشكلات حوض النيل.

وبالتالي سوف نأسف لو رأينا المجلس يفرض حلًا على الجميع، لكن يجب أن يرفض المجلس أي محاولة لتحويله إلى هيئة استئنافية تبت في مسائل الأنهار العابرة للحدود أو المفاوضات.

السيد الرئيس،

عرقلت المعاهدات الاستعمارية قدرة أفريقيا على استخدام مواردها الطبيعية لمصلحة شعبها، لقد اعترفت بلدان حوض النيل بهذه المشكلة وعملت على معالجتها، ففي عام 1999 أنشأت مبادرة حوض النيل، وفي 2010 اعتمدت الإطار التعاوني حول النيل بعد 13 عامًا من المفاوضات، وهذا الاتفاق الإطاري الذي قمتهم بدعمه في المجلس ماديًا وفنيًا سمح لبلدان حوض النيل بالاتفاق على تشارك مياه النيل بشكل متساوي ومنطقي. 

لقد استبدلنا الادعاءات الاحتكارية والاستعمارية بالقانون الدولي المتفق عليه ومبادئه، هذه أداة لا تزال اليوم بانتظار مصادقة عضوين لدخول حيز التنفيذ، فمطالب مصر التي لا تشبع ومؤخرًا مطالب السودان لا تتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير بل تتعلق بالمشاريع التنموية المستقبلية في إثيوبيا والبلدان المتشاطئة الأخرى، بدون محكمة استئنافية فعالة وآلية إقليمية سيتم طرح مسائل مماثلة على المجلس في المستقبل، واليوم أنتم ستبتون في السد وغدًا قد تبتون في مشاكل كل بلدان حوض النيل.

ملكية النيل تعود إلى كل بلدان الحوض، مياه النهر تكفينا جميعًا، وبالتالي نحث الأشقاء والشقيقات في مصر والسودان على أن يفهموا أن حل مشكلة النيل لن يأتي من مجلس الأمن، بل سيتمخض فقط عن مفاوضات بحسن نية تأخذ بعين الاعتبار تنمية كل الدول. وتتطلع إثيوبيا إلى مواصلة المفاوضات التي يقودها الاتحاد الأفريقي حول السد، الحل موجود ويمكننا أن نبشر بأخبار سارة من خلال الاتفاق على حل مقبول للجميع.

في الختام، السيد الرئيس،

اسمحوا لي أن أطلب باحترام من المجلس أن يعيد هذه المسألة إلى قيادة الاتحاد الأفريقي المشروعة والقادرة وأن يشجع مصر والسودان على التفاوض بشكل جدي، للتوصل إلى تسوية متفاوض عليها حول الملء الأول وتشغيل السد، كما ونطلب من المجلس أن تكون آخر مرة يناقش فيها سد النهضة الإثيوبي الكبير، فليس هناك موضوع يتعلق بولاية المجلس في السد.

وشكرًا 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى