السد الإثيوبي

نص كلمة السودان أمام مجلس الأمن الدولي في الجلسة الخاصة بشأن السد الإثيوبي

أكدت وزير الخارجية السودانية، مريم الصادق، أن صمت المجلس سيرسل رسالة خاطئة، بأن الملء الاحادي المضر بمصلحة السودان، وأمن اهله المباشر والحالية امر مقبول، مما قد يجر مالات وخيمة. 

نص الكلمة :

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد الرئيس، اسمحوا لي ان اتقدم لسيادتكم في مستهل هذا البيان بالتهنئة لسيادتكم على توليكم رئاسة مجلس الامن خلال شهر يوليو الجاري، متمنية لكم كل التوفيق والسداد، والتنهئة من بعد لمندوب استونيا الدائم على نجاح رئاستهم للمجلس خلال الشهر المنصرم.

كما يطيب لي ان اتقدم بالشكر والتقدير لاعضاء المجلس الموقر عامة، ولفرنسا بصفة خاصة على استجابتهم الكريمة لتنظيم هذه الجلسة حول سد النهضة الاثيوبي والذي يمثل مسألة بالغة الاهمية لبلادي..

كما يبرز مدي اهتمام الامم المتحدة بالشراكة مع الاتحاد الافريقي والعمل من أجل تعزيز الامن والسلم الدوليين في افريقيا كما في العالم. واشكر السيد بارفيه انياجنا والسيدة انجري اندرسون على الاحاطات القيمة التي تقدما بها واشكر كذلك الرئيس تشيسيكيدي الكملة التي القيت نيابة عنه، كما اقدر كل الكلمات التي سمعتها التي تقدم بها اعضاء المجلس والعروض القيمة التي قدموها بمشاركة الخبرات في ادارة الانهار الدولية والاضاءات المفيدة التي تقدموا بها.

واحيي اخوتي، وزير الخارجية المصري السيد سامح شكري، ووزير الري الاثيوبي السيد سليشي.. واحيي زميلي الذي يرافقني وزير الري السوداني. السيد الرئيس يعرب السودان عن تقديره لدور الاتحاد الافريقي وجهوده منذ بداية انخراطه في عملية التفاوض مع الدول الثلاث حول سد النهضة الاثيوبي ويؤكد على قيادة العملية بواسطة الاتحاد الافريقي ومواصلة التعاون معه في هذا السياق بهدف التوصل لحل عادي ومنصف ترتضيه جميع الاطراف. 

إننا اذ نخاطبكم اليوم متطلعين الي دوركم الايجابي في حل هذا النزاع الشائك، نؤكد بداية أن السودان كان ولا يزال يقر ويعترف بحقوق الجار الاثيوبي في الاستغلال الحالي والمستقبلي لمياه النيل، واننا دعمنا قيام سد النهضة منذ البداية وندرك ان فوائده لن تقتصر على الجانب الاثيوبي فقط، بشرط ان يتم ملءه وتشغيله بموجب اتفاق قانوني بين الدول الثلاث وفقا للقانون الدولي ومبادئ الاستغلال المنصف والمعقول لموارد المياه العابرة دون الحاق ضرر ذي شأن بدول المصب ويحفظ اسس حقوق الانسان. كما يعزز اعراف حسن الجوار بين الدول.

السودان يعلم بفائدة سد النهضة له من حيث الوقاية من الفياضانات وانسياب جريان المياه بصورة منتظمة طوال العام، هذه الفوائد تحدث اذا تم ملء السد الكبير وجري تشغيله بصورة تجعل السودان على علم بالكيفية التي يتم بها الملء والتشغيل وذلك احد مبادئ الاعراف والقوانين المعمول بها في الانهار العابرة للحدود.

وهي اعرف وقوانين راسخة في كل العالم، ولنا في افريقيا امثلة حية وناجحة ساعدت على استقرار الدول المشتركة في النهر العابر للحدود، كما الحال لاربعة من دول غرب افريقيا التي ظلت تدير في تعاون مستقر نهر السنغال منذ العام 1972. وثمانية من الدول الافريقية التي استمرت تدير نهر النيجر بصورة مشتركة بناء على اتفاق قانوني وملزم من العام 1980. ولكن من دون اتفاق قانوني حول ملء وتشغيل السد، تتحول فوائد سد النهضة إلى مخاطر حقيقية على مصر والسودان وسكانهما.

سد النهضة، هذا المشروع الافريقي الضخم القادر على ان يكون مثالاً للتعاون المثمر لما يزيد عن ربع مليار من المواطنين الافارقة ان احسن استخدامه وقام على اسس التعاون والتكامل، فالسودان لديه من الاراضي الزراعية الخصبة بما يوفر للدول الثلاث والاقليم بل، وللعالم اجمع امنا غذائيا مستداما. 

وبتوفير الكهرباء من اثيوبيا والامكانيات التصنيعية التحويلية من مصر مع توفر الايدي العاملة الخبيرة من الدول الثلاث؛ من الممكن ان يصبح مثالا يحتذي به في التعاون الاقليمي. 

السيد الرئيس، السودان يشدد على اهمية الاتفاق القانوني الملزم على الملء والتشغيل للأسباب التالية:

أولا: حماية الامن البشري في السودان ومصر.

ثانيا: حماية السدود السودانية.

ثالثا: حماية الامن الاستراتيجي للسودان.

إن وجود سد ضخم مثل سد النهضة بسعة، 74 مليار متر مكعب، على بضعة كيلومترات من الحدود السودانية. ومن غير تنسيق في اجراءات السلامة مع مجتمات ادني السد، تشكل خطورة مباشرة على هذه المجتمعات وامنها.

فما يلي حماية الامن البشري، فإن اسلوب حياة ملايين السودانيين ومنذ الاف السنوات يقوم على العيش علي ضفاف نهر النيل وروافده. وهم يعتمدون بصورة اساسية على الزراعة الفيضية. فإن سد النهضة سيغير طرق معيشة هؤلاء الملايين من الناس، وسيقلل من مساحة الاراضي الفيضية بنسبة 50% وهو ثمن نحن مستعدون لدفعة، لامكانية استفادة هؤلاء الناس باستقرار جريان النيل وحمايتهم من الفيضان، ولكن ما لا يمكننا قبوله ان تستخدم طريقة ملء وتشغيل السد الاحادية في ترويع هؤلاء المواطنين والحط من كرامتهم واهدار حقوقهم الانسانية. كما فعلت اثيوبيا قبل شهور متعللة بحقها المنفرد في اقرار كيفية تشغيل السدود. فقد قامت اثيوبيا بإرادتها المنفردة في قفل سد تكيزي منذ نوفمبر الماضي مما جفف كثير من اراضي كانت اسفل النهر. ثم قامت اوائل يوليو العام الماضي باخطار وزارة الري في السودان بصورة احادية، أنها ستقوم بفتح السد، لتمرير 2 مليار ونصف متر مكعب خلال اسبوعين فقط، مما حدا بالوزارة ان تخطر عبر الاعلام الساكنين على ضفاف نهر ستيت بإخلاء مواقع سكنهم خلال فترة ثلاثة ايام فقط، ولكم ان تتصوروا قدر الترويع الذي وقع على هؤلاء المواطنين.

ايضا في يوليو الماضي، عملت اثيوبيا على ملء سد النهضة للعام الاول عام 2020 بمقدار 5 مليار متر مكعب من غير اي اخطار، مما تسبب في انخفاض مناسيب النيل الازرق فجأة وخروج العديد من محطات مياه الشرب على الخدمة لأكثر من ثلاثة ايام في مدينة الخرطوم العاصمة، علماً بان الاثار الاقتصادية والسياسية التي ترتبت على ذلك الامر كانت كبيرة وقد كان العالم كله شاهداً على ذلك، واخيراً ارسل لنا وزير الري الاثيوبي خطابا بتاريخ الخامس من يوليو الجاري يؤكد اصرارهم على الملء للعام الثاني على التوالي رغم اعلامنا لهم بالاضرار التي وقعت وستقع علينا من هذا الملء الاحادي والمنفرد. ان اثيوبيا عرضت لنا بوضوح كيف تتصرف ازاء المواطنين السودانيين في حال عدم وجود اتفاق قانوني ملزم، دون مراعاة لحقوق الجيرة وتستعمل قدرتها المنفردة في ادارة السدود المقامة على اراضيها في تهديد سلامة وامن المواطنين السودانيين.

بالنسبة لحماية السدود السودانية، فان سد الروصيروص، كما اشارت السيدة اندرسون السد الرملي الذي يبعد 100 كلم من سد النهضة، هو اقل من عشر حجم سد النهضة من حيث السعة الاستيعابية للمياه. وهو السد الذي يروي 70% من مشاريع السودان الزراعية المروية سوية مع السدود الاخري والتي تقوم بتوليد ما يقرب من 40% من كهرباء السودان. وعليه، ما لم تتوفر المعلومات لنا بصورة راتبة ومنتظمة عن الكيفية التي يتم بهاء ملء وتشغيل سد النهضة، فإن سلامة سد الروصيرص تكون في خطر كبير. كما ان قدرته على توليد الكهرباء وتوفير المياه للمشاريع الاستراتيجية الضخمة التي يعول عليه السودان في امنه الغذائي واستثماراته الزراعية تكون عرضه للضياع والفشل.

بالنسبة لحماية امن السودان الاستراتيجي، فكما اسلفنا فإن 70% من مشاريع السودان الزراعية المروية القائمة حاليا تعتمد على سدود السودان القائمة على حوض نهر النيل الازرق، لذلك فإن الاطلاع علي كيفية ملء وتشغيل سد النهضة، امر حيوي لتنظيم تشغيل سد الروصيروص ليتمكن السودان من التخطيط الحالي والمستقبلي لمشاريعه الزراعية. 

كما تعلمون فإن السودان اليوم انفتح على العالم بعد نجاح ثورته العظيمة التي افتداها الشباب السوداني بدمائه وقادتها نساء السودان بشجاعة مثابرة. وقد تم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للارهاب بإنهاء ثورة الشعب السوداني للحكم الشمولي الذي روع اهل السودان واستهدف مجموعاته السكانية في دارفور والمنطقتين وفي شرق السودان، ولم تنجو من افعاله الاجرامية اي من اقاليم السودان، فقد احتفي العالم بهذه الثورة العظيمة التي تسير بشراكة مدنية عسكرية تمثل النموذج السوداني المتفرد التي تقدمه للعالم، والتي عكفت للوصول للسودان في جوبا وتواصل العمل من اجل مسارات السلام، كما يتولي رئيس الوزراء السوداني دكتور عبدالله حمدوك، رئاسة منظمة الايجاد التي يعمل السودان عبرها لتحقيق السلام والاستقرار الاقليمي في شرق افريقيا وفي دول جواره في غرب افريقيا.

وقد اجري السودان اصلاحات اقتصادية عميقة ايماناً بتعاونه مع العالم فاحتفت فرنسا في مؤتمر باريس بعودة السودان للمجتمع الدولي وقدمته بصورة بهية للعالم مبينة انفتاح السودان على العالم للتعاون البناء والشراكات الذكية في كافة المجالات التي تمثل الاستثمارات الزراعية فيها القدح المعلي. لذا فإن استهداف تعطيل قدرات السودان الزراعية بفرض هيمنة اثيوبيا الاحادية المنفردة علي كفيفة ملء وتشغيل سد النهضة يعد امراً بالغ الخطورة ومهدداً كبيراً لهذا المستقبل القريب والممكن والذي لاحت انواره وصعد نجمه خاصة فيما يتعلق بالنهضة الزراعية في السودان وتوسيع رقعة المشاريع الزراعية الاستراتيجية فيه. 

جارتنا اثيوبيا والتي تشاركنا معها السراء والضراء تتميز علاقتنا بهم بالخصوصية اتسمت طوال تاريخها الممتد، بالتعاون والتعارض ورعاية المصالح المشتركة وتقوية الاواصر الاخوية للشعبين الشقيقين الامر الذي يحتم علينا سويا، ان نمضي بهذا الامر الي نهايات مرضية تحفظ هذه العلاقات الازلية وتتوقف اثيوبيا عن مزيد من الاضرار للسودان.

السيد الرئيس انطلاقاً من قناعتنا للتعاون الاقليمي فقد شارك السودان بحسن نية وفعالية في جميع جولات التفاوض الثلاثية حول سد النهضة الاثيوبي. منذ انطلاقها في عام 2011، وحتي اليوم وهنا لا بد وان نشير الي مجهودات السودان الكبيرة في اقناع جارتيه مصر واثيوبيا بتوقيع اعلان المبادئ في الخرطوم في مارس 2015. وبعدها مبادرة السيد رئيس الوزراء عبدالله حمودك في يونيو في العام المنصرم، والتي هدفت الي مواصلة التفاوض حول القضايا الخلافية المحدودة المتبقية بعد جولة واشنطن المنتهية في بدايات العام 2020. وكذلك استجاب السودان لمبادرة السيد رئيس جمهورية جنوب افريقيا ورئيس الاتحاد الافريقي انذاك في دورة العام 2020، بمعالجة الملف داخل البيت الافريقي ايمانا بنا بالشعار الحلول الافريقية للمشاكل الافريقية. وشارك السودان في كل جولات التفاوض بفاعلية والتي استمرت لاكثر من نصف العام الا ان عدم تحسين اليه التفاوض باعطاء دور اكبر للخبراء ادت مرة اخري لعدم التوصل لاتفاق ثم واصل السودان انخراطه الايجابي وشارك في الجولة الاخيرة التي دعا اليها السيد رئيس جمهورية الكونغو وقدم السودان مقترح الية تعزيز التفاوض الافريقي، بتحويله الي وساطة بقيادة الاتحاد الافريقي وبمشاركة كل من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة والامم المتحدة وجنوب افريقيا.

الثلاثة الاواخر كانوا اصلا مراقبين في المفاوضات السابقة. ولذات الاسباب المتعلقة بتصلب الموقف الاثيوبي ورفضه لكافة المقترحات التي قدمت، فقد انتهت هذه الجولات دون التوصل للاتفاق المنشود.

السيد الرئيس نأمل من المجلس الموقر الاطلاع بمسؤولياته في حفظ الامن والسلم الدوليين بشكل وقائي وذلك بتعزيز مسار التفاوض تحت مظلة الاتحاد الافريقي عن طريق الاتي:

  1.  دعوة الاطراف الي استئناف التفاوض تحت مظلة الاتحاد الافريقي مع الاطلاع المراقبين والوسطاء الدوليين بأدوار تيسير ووساطة. تساعد الاطراف على التوصل لاتفاق وفق اطار زمني محدد.
  2. دعوة اثيوبيا بعدم اتخاذ خطوات احادية دون اتفاق تعمل على تهديد ملايين السكان خلف سد النهضة.

وقبل الختام فإنني اود ان اقول بوضوح لا لبس فيه، ان الامر مطروح امامكم اليوم، هذه قضية عادلة وعاجلة والمطلوب منكم فيها تعزيز مسار فيه تعثر. ويمكنكم مساعدة هذا المسار بيسر وبدون تكاليف وذلك برفع العنت والمعاناة عن شعب السودان بأن يتم ملء وتشغيل سد النهضة بناء على اتفاق قانوني ملزم وشامل والا فلا يتم اي ملء لاثاره السيئة والضارة على السودان.

أما صمت المجلس فسيرسل رسالة خاطئة، بأن الملء الاحادي المضر بمصلحة السودان، وأمن اهله المباشر والحالية امر مقبول، مما قد يجر مالات وخيمة. السيد الرئيس ختاما، اننا وبعد ان وضعنا امام مجلسكم الموقر هذا الامر بكل تداعياته الخطيرة الامنية والانسانية والاقتصادية والسياسية، وكونه مهددا خطيراً للامن والسلم الدوليين ومن ثم تحديا مباشرا لولاية مجلسكم الموقر بنص ميثاق الامم المتحدة، نكون قد وضعنا المجلس امام فرصة بعمل اجراءات استباقية تاريخية نادرة ليتولي مسؤولياته بهذا الصدد من خلال اعادة الاطراف إلى طاولة التفاوض وتعزيز استكمال المسار الافريقي الذي ارتضته كل الاطراف ودور اكبر لمسيريين الدوليين في اطار تقوية الشراكة بين الامم المتحدة والاتحاد الافريقي.

السيد الرئيس يجدد السودان التأكيد على التزامه الصادق بالمشاركة بحسن نية في اية جهود من شأنها ان توصل الاطراف الي الاتفاق الملزم الذي يحقق مصالح الاطراف الثلاثة، ولكم الشكر الجزيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى