أفريقيا

مستقبل سلطة “آبي أحمد”.. تحديات متباينة وموقف مضطرب

منذ تولي رئيس الوزراء الإثيوبي “أبي أحمد” للسلطة في السابع والعشرين من مارس 2018، على خلفية الاضطرابات الشعبية والاحتجاجات الناجمة عن اعتراض جماعة الأورومو على خلفية نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة 2015 وتفاقم الأزمات الداخلية، تراكمت الكثير من القضايا والملفات التي باتت تُشكل نقاط تصدع في النظام السياسي الإثيوبي.

وعلى الرغم من أن مجئ “أبي أحمد”  كسر حالة احتكار السلطة على  جماعتي الأمهرا والتيغراي، إلا أن المشهد الداخلي الإثيوبي بات يشهد حالة من التوترات السياسية غير المسبوقة تمس بصورة جوهرية حالة الوضعية السياسية وشكل النظام السياسي بانطلاق دعوات متكررة للحكم الذاتي، ولعل الورقة الخاطئة التي يراهن عليها “أبي أحمد” في ترميم تلك التصدعات الداخلية والمتمثلة في ورقة “سد النهضة” غير أن تلك الورقة في حد ذاتها مثٌلت تقليصاً واسعاً للوضعية الإثيوبية في إطار البيئة الأفريقية.

النزاعات العرقية وتصدع الفيدرالية

يُعد الوضع في إقليم التيغراي واحداً من بين الملفات التي باتت تحظى باهتمام دولي متزايد، على خلفية الاضطرابات السياسية التي بدأت في الظهور مطلع عام 2020، وما شهده هذا الملف من تطورات بلغت ذروتها بالمواجهات العسكرية الدامية التي تشنها الجيش المركزي الإثيوبي بالتعاون مع إريتريا، لتقويض التحركات الداخلية لقادة جبهة تحرير التيغراي.

ولعل هذا التفاقم في المشهد التيغراي نابع من استمرارية الصراع المسلح الداخلي بين القوات الفيدرالية وقوات المقاومة، ويمتاز هذا الصراع بكونه معركة طويلة الأجل، ولقد انعكس هذا على الأحوال المختلفة للمدنيين وما تبعها من تزايد خطر المجاعة، وهو الأمر الذي يتطلب تدخل القوى الخارجية لحث أديس أبابا على السماح بدخول المزيد من المساعدات لمنطقة التوتر والضغط لإجراء تفاوضات ومحادثات مشتركة لحل ذلك النزاع.

إن المتأمل لهذا المشهد يجد أن إثيوبيا قامت بخلط الأوراق في ذلك الملف عبر الحشد العسكري الداخلي وطلب الدعم الخارجي لمواجهة الجبهة في تيغراي، هذا المجهود الحربي الفيدرالي عبر تعزيز القدرات الميدانية العسكرية بتجنيد قوات من إريتريا وكذلك بعض العناصر من منطقة أمهرة الإثيوبية، أدى إلى مزيد من الشعور بالاضطهاد لدى سكان إقليم تيغراي وأدت إلى ترسيخ فكرة التمرد والمواجهة، خاصة في ظل قيام تلك العناصر التي جندها “أبي أحمد” بانتهاكات متزايدة  ضد المدنيينن، الأمر الذي ارتقى لمرحلة الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من الضغط الدولي على الحكومة الإثيوبية وما تبعها من إجبار “أديس أبابا” على الإعلان عن انسحاب القوات الإريترية، غير أن الحرب لا تزال مستمرة، وهو الأمر الذي يتطلب قيام  الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، الضغط من أجل وقف القتال كأولوية ملحة للسماح بزيادة إيصال المساعدات – والاستمرار في مطالبة الأطراف بالسعي إلى تسوية تفاوضية.

ولعل ملامح المشهد المعقد برزت في ظل استمرارية تمسك طرفي الصراع بالمواجهة العسكرية دون اللجوء للحوار، وما زاد الأمر تعقيداً هو احتشاد القيادات التيغرية تحت راية قوات الدفاع التيغراي كأحد أقوى جماعات المقاومة المسلحة والتي تخضع لقيادة ضباط سابقون رفيعو المستوى في قوة الدفاع الوطني الإثيوبية، وتنسط تلك الجماعة في المناطق الريفية وسط وجنوب تيغراي، في حين أن القوات الفيدرالية باتت تسيطر على الطرق الرئيسية والمناطق الحضرية داخل الإقليم.

واتصالاً بالسابق؛ ثٌم هناك حالة من التعنت من الحكومة الإثيوبية لتحقيق تقدم أو حسم عسكري مما أدى إلى مزيد من تعقيدات المشهد الداخلي وحالة من تصعيد غير مسبوقة، تبعها إجراءات دولية متمثلة في فرض عقوبات في الرابع والعشرين من مايو 2021 جاءت في صورة فرض قيود على منح التأشيرات لأي مسئول أمني أو حكومي حالي أو سابق إثيوبي أو أريتري انخرط في الانتهاكات التي ترتكب في إقليم تيغراي، وهو ما يعتبر خصماً من الرصيد السياسي لأبي أحمد، وأحدث توتراً غير مسبوق مع السودان في ضوء الضغط على حدودها وتحديداً في إقليمي “كسلا و القضارف” عبر الآلاف من النازحين داخل الأراضي السودانية. 

وبالنظر إلى المشهد الداخلي نجد أن حالة التصدع العرقي والمذهبي بات سمة رئيسية منذ تولي “أبي أحمد” فالأمر لم يقتصر فقط على الأحداث المشتعلة في إقليم التيغراي بل شهدت إثيوبيا تحرك أقاليم أخرى مناهضة لسياسات أبي أحمد وقد برز ذلك في الآتي:

  • مثٌلت الأحداث التي شهدها إقليم ” الأوجادين” نقطة فارقة في جسد الفيدرالية الإثيوبية، حيث جاء هذا الإقليم ليطرح مسبقاً فكرة الدعوة للانفصال عن الدولة وذلك في أغسطس 2018 ووجهت تلك الدعوات حينها بتدخل الجيش الإثيوبي وإلقاء القبض على الكثيرين من قادة الإقليم، غير أن الوضع عاد لحالة التوتر والتعقيد مرة أخرى لهذا الإقليم في أبريل 2020 عقب محاولة الانقلاب التي قادها رئيس الجهاز الأمني والاستخباراتي ضد رئيس الإقليم “مصطفي محمد عمر”.
  • شهد إقليم “أمهرا” في الثاني والعشرين من يونيو 2019 حالة من الاضطراب السياسي والامني عقب محاولة انقلاب جاءت على خلفية قيام ” أسامنيو تسيجي” بتشكيل جماعة مسلحة قامت بمهاجمة مقرات حكومية في ولاية  أمهرا.
  • واستكمالاً لحالة تفاقم النزاعات الانفصالية المختلفة؛ جاءت حالة الاضطرابات والاحتجاجات في ولاية “أوروميا” على خلفية حالة التضييق الأمني لبعض الشخصيات الرمزية ذات الميول المعارضة داخل الإقليم وعلى رأسهم ” جوهر محمد”، وذلك في أكتوبر 2019.

تقييد المعارضة

إن حالة العنف الإثني من جانب الحكومة الفيدرالية، دفعها إلى اتخاذ العديد من الإجراءات التعسفية التي تُمثلت في القبض على المعارض “جوهر محمد” وما تبعها من تحركات مناهضة للحكومة الإثيوبية داخل الاورومو الأغلبية التي ننتمي إليه كلاً من رئيس الوزراء الإثيوبي والمعارض “جوهر محمد”، بعدما طرح الأخير رؤية تدعم الحكم الذاتي للأقاليم تحت الفيدرالية الإثيوبية، ولعل حالة التصادم المتزايد مع المعارضة الإثيوبية ناجم عن تردي الأوضاع الاجتماعية بصورة عامة ولكن جوهر هذا التصادم يكمن في تنافر الأيديولوجيات بين “أبي أحمد” الذي لطالما يسعى لخلق قاعدة شرعية وولاء له عبر إحياء فكرة “الإثيوبيانية” والتخلي عن الفيدرالية العرقية وهو ما يتصادم مع مطالب الكثير من الأقاليم التي تستهدف بصورة كبيرة تحقيق حكم ذاتي تحت الفيدرالية الإثيوبية، وفي ظل فشل رئيس الوزراء الإثيوبي في احتواء تلك المواقف انتهج ذات السياسات القديمة المتمثلة في اللجوء للقوميات والعرقيات لمواجهة تلك التحركات وهوما برز في إقليم التيغراي.

علاوة على السابق؛ مثٌل مقتل المغني الإثيوبي ” هاشالو هونديسا” يوليو 2020 نقطة تصدع أخرى في ملف التعامل الإثيوبي مع المعارضة الداخلية وما تبعها من تضامن واسع مع الاحتجاجات المناهضة للسياسات رئيس الوزراء الإثيوبي وعلى رأسها حزب ” شعب الأورومو” الذي يترأسه المعارض “ميريرا جودينا” وما تبعها من حملات اعتقال واسعة من جانب أعضاء الحزب  تمثلت في اعتقال “50 عضوًا) كما جاء في بيانه الرسمي الصادر في يوليو 2020.

 ونتيجة حتمية لانهيار شرعية أبي أحمد وفي ضوء هذا السياق المُعقد، جاء تأجيل الانتخابات لأكثر من مرة بمثابة مؤشراً على حالة الإرباك السياسي الداخلي وافتقار “أبي أحمد” لشريحة واسعة من الإثيوبيين الداعمين له في ظل تراجع الأوضاع الداخلية على الصعيد السياسي والأمني وتفاقم حدة الصراع في الأقاليم الحرجة كما هو الحال بالنسبة لإقليم التيغراي، 

سد النهضة والتعويل الخاطئ 

يُعد ملف سد النهضة من بين الأوراق السياسية التي يتم تطويعها من جانب “أبي أحمد” في التعامل مع الأزمات الداخلية العرقية والاقتصادية، ولعل هذا السد كان سبباً جوهرياً في تهجير مئات الآلاف من المواطنين في إقليم بني شنقول، الأمر الذي أدى إلى تصاعد المعارضة تجاه تلك السياسات.

ولعل أزمة سد النهضة آلت في نهاية المطاف إلى حالة من الاضطراب في خضم العلاقات الإثيوبية السودانية والإثيوبية المصرية، بعدما اتخذت إجراءات على مدار العشر سنوات الماضية أحادية الجانب ونهجاً متعنتاً في حالة التفاوض، وأخرها إجراء إخطار مصر والسودان بدون تنسيقات أو توافقات حول بدئها رسمياً بالبدء في الملء الثاني للسد، ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل باتت إثيوبيا محل انتقاد واسع للعديد من دول الإقليم والمؤسسات الإقليمية وعلى رأسها جامعة الدول العربية، لما تمثله تحركاته في ملف سد النهضة من إلحاق ضرر صريح على دولتي المصب، ولعل هذه الأزمة تداخلت معها أزمات أخرى وعلى رأسها السعي السوداني لاستيرداد كامل أراضيها وفرض سيادتها عليها بعد عقود من سيطرة الإثيوبيين على تلك الأراضي.

ولعل الرؤية الداخلية الإثيوبية لسد النهضة تمثلت في أهمية بناء السد لتوليد الكهرباء إلا أن تلك الرؤية ممزوجة بحالة من عدم الإضرار بدولتي المصب وعدم فقد العلاقات التعاونية مع تلك الدول وهو ما طرحة النائب  “جيرما بيكيلي” – رئيس المجلس المشترك للأحزاب السياسية- الذي أبدى تعاطفه مع الجانب المصري حول سد النهضة مطلع مارس 2020.

هذا الأمر وضع إثيوبيا في سياق إقليمي مضطرب بفضل السياسات التعسفية غير القانونية بحق ملفي الحدود والمياه، وهو ما بات محل استياء من الداخل الإثيوبي ويُحقق فرضية مخالفة لما كان يسوق له “أبي أحمد” من مساعيه لتحقيق وإقرار السلام والاستقرار، بل فتحت تلك الملفات نوافذ متعددة وجبهات متباينة قلصت بشكل كبير من الشرعية التي كانت يتمتع بها “أبي أحمد” عند توليه السلطة وآلت لحصوله على جائزة نوبل للسلام.

وعلى الرغم من التأكيدات المستمرة من دولتي المصب حول حق إثيوبيا في التنمية دون إلحاق ضرر عليهما، إلا أن استمرارية النهج الإثيوبي في مسار التعامل مع تلك القضية، صدٌر صورة ذهنية حول المخالفات الجسيمة التي ينتهكها النظام الإثيوبي للقوانين والأعراف الدولية المنصوص عليها فيما يتعلق بالأنهار الدولية.

ختاماً؛ انطلاقاً من الملفات السابقة والتي باتت تُعد مؤشراً نحو قراءة المشهد الإثيوبي وفي ظل مساعي “أبي أحمد” لتكريس حكمه وما يتبعه من انتهاج سياسات اضطهادية واسعة، يمكن القول بأن مستقبل أبي أحمد في السلطة ” قاب قوسين أو أدني”، في ظل مشهد سياسي مُعقد وتصاعد وتيرة النزاع العسكرية الداخلية مع الأقاليم المناهضة لسياسة الحكومة المركزية والدعوات المتكررة في الحكم الذاتي التي خلقٌت فرصة لنمو فكرة الانفصال بما يهدد الجمهورية الإثيوبية ككل، ولعل انخراط الجيش في المعترك السياسي المتنامي داخل إثيوبيا سيدفع إلى مزيد من المواجهات الأهلية التي تُفضي لحالة تفكيك، ومن ثٌم تتراجع قدرة “أبي أحمد” عن السيطرة على هذا الوضع المتفاقم مما يُنذر بعدم استمراريته في السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى