مقالات رأي

د. محمد حسين أبو الحسن يكتب: مصر.. حدود القوة!

ليكن الله في عون مصر، يقع على عاتقها مراكمة كل عناصر القوّة، بشكل أكثر إلحاحا أكثر من أي وقت مضى؛ فأنت لن تغيّر شيئا في عالم ظالم إلا عبر القوة، لن يلقي أحد إليك بالا، حتى تثبت نفسك في ميدان الصراع والمهابة، الدهاء السياسي ضروري، لكنه غير كاف لحماية مصائر الأوطان، لا تكفي ضمانات الحلفاء وتعهدات الأصدقاء، لا بديل عن الردع الذي يجعل أعداءك غير قادرين على منازلتك أو استسهال العبث بمصالحك. للقوة صور عدة: دروع ونيران وعظام من حديد، قاذفات ومدمرات، اقتصاد وتقنيات ومعارف، لكنها قبل ذلك بشر من لحم ودم، يظللهم عقد اجتماعي سليم، في مجتمع صحي متسق مع نفسه، قادر على اختيار طريقه بشكل رشيد، دون صبّ الزيت القديم في أوعية جديدة.

  ولعل أهم ميزة في ثورة 30 يونيو أنها استعادت البوصلة الاستراتيجية لمصر، على نحو جديد، بعد أن ظل التخبط الجيوستراتيجي أربعة عقود؛ فغرقت مصر في مشكلاتها الداخلية، وكادت تختنق بتحدياتها الوجودية، لكن الشعب الأبي استفاق، مستعيدا الوطن من أيدي العدم، قبل السقوط في الهاوية. ثم شرعت المحروسة في علاج أزماتها الداخلية: محاربة الإرهاب والمعضلة الاقتصادية، لكن تبين أن أمنها القومي ليس مجرد تعزيز الأمن بالداخل والبحث عن مخارج للمشكلة الاقتصادية وحسب، فقد أنجزت مصر الكثير، خلال السنوات الأخيرة، لكن في اعتقادي أن أبرز إنجاز هو تطوير جميع أفرع القوات المسلحة والوصول بها لما وصلت إليه من قدرة عالية وكفاءة قتالية راقية، تجعل مصر قوة مهيبة في إقليمها والعالم، وصوتها مسموعا؛ عندما تزمجر دفاعا عن مصالحها في كل الاتجاهات الاستراتيجية.

  إن افتتاح قواعد عسكرية، مثل محمد نجيب وبرنيس و3 يوليو، أو إجراء مناورات بحجم “قادر”… يكشف عن أن القاهرة تتعامل بيقظة وحنكة؛ فارضة نفسها في ملفات الإقليم، وأنها تمتلك الجرأة والقوة لإملاء شروطها؛ سعيا لاستعادة الاستقرار، في منطقة يطفئ أهلها الحرائق بخراطيم الدم. ولعل مقولة نابليون الذائعة: “إن كل دولة تمارس السياسة التي تناسب جغرافيتها”، تكون مشعلا للقاهرة في دروب الزمن الآتي؛ مصر قطب العالم العربي الأول، الركن الركين لإفريقيا، برزخ آسيا، وبوابة أوروبا.. إن هذه المنظومة الجيوبوليتيكية تفرض على أرض الكنانة حيازة كل عوامل القوة الصلبة والناعمة، لإعادة رسم الخرائط في هذا الزمن الصعب؛ حتى لا تترك فراغا “يتنطط” فيه ضعفاء أو أقوياء آخرون، على نحو ينعكس عليها سلبيا، ولن تستطيع القاهرة لجم “المهرجين” في المنطقة- وهم كُثر- دون استعادة حضورها وألقها، بما ينسجم مع وضعها الطبيعي كقوة إقليمية تصوغ مواقفها، على حدود قوتها ومقاس مصالحها، دون أن تطلبها أو ينازعها فيها طرف آخر أو أن تتركها للأقدار أو الانتظار، لحين تعرضها للخطر المباشر، بمعنى أن تصوغ رؤيتها تجاه أي أحداث أو علاقات مع الدول الأخرى وفقا لهذه الأولوية.

 تتعافى مصر على المستويات كافة، تلملم أردية القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية بنسب متفاوتة، إنها إحدى أكثر بلاد العرب وإفريقيا استقرارا وأمنا ونموا، يمكنها أن تصبح “نمرا على النيل”، أو “صين إفريقيا”- لكن بشروط ليس هذا موضع تفصيلها- وبعيدا عن الشوفينية مصر رقم صعب، وعليها أن تنمي عافيتها المستعادة وتستثمرها بكفاءة واقتدار. ينتظرها الكثير  في إثيوبيا وليبيا وفلسطين وسوريا والعراق وغيرها؛ فالحضور بالمستوى الطبيعي المتناسب مع حجمها وقوتها هو الضمانة الأكيدة؛ للحفاظ على وجود بلد ظلمته الطبيعة وجعلت أحشاءه خارج جسده، وأسباب حياته بعيدا عن حدوده، بقدر ما منحته من عبقرية الموقع والموضع. تلك حقيقة أساسية ينبغي ألا نغفل عنها لحظة واحدة، وأثق بأن أمرا كهذا لن يغيب عن العقل السياسي المصري، إذ ترفض القاهرة- وما كان لها- إلا تُعامل كشريك و ندّ، لا كتابع أو ديكور ثانوي؛ صحيح أن الوضع دقيق وحرج للغاية، لكني مطمئن لقدرة القيادة السياسية والعسكرية المصرية على تصويب الأوضاع. تتلمس “المحروسة” خطواتها بحرص وسط حقول ألغام، لاسيما في الجنوب والغرب، وهي تحدد لنفسها المسار الذي تريده، في غابة الوحوش، اعتمادا على مواردها وسواعد أبنائها؛ كل الخيارات مدروسة ومتاحة؛ بيد أن مصر توقن بأن الضجيج لا يحدث هيبة، بل الفعل في توقيته ومكانه الملائمين، وليس ذلك عن ضعف أو تردد، بل عن حكمة واقتدار، وفي حدود القوة والمنطق.

نقلا عن صحيفة “الأهرام” في عتددها الصادر اليوم الأربعاء 7 يوليو 2021

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى