أوروبا

حرائق الغابات في قبرص.. “أزمة قصيرة وتكلفة كبيرة”

 في الخامس من يوليو الجاري، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي توجيهاته إلى القوات المسلحة، بسرعة تقديم المساعدة في الأزمة التي تشهدها دولة قبرص الصديقة، وذلك لدعمها في عمليات اخماد حرائق غابات منطقة “اركاباس”، التي اندلعت منذ السبت الماضي بجنوب البلاد، لترسل القوات المسلحة على إثر ذلك طائرتي هليكوبتر، مدعمتين بكافة الإمكانات الفنية اللازمة للمشاركة في عمليات الإطفاء، التي تنفذها السلطات القبرصية بالتعاون مع عدد من الدول الأوروبية والمتوسطية.

وتأتي المجهودات القائمة لإخماد حرائق الجنوب القبرصي كرد فعل على تداعيات الأزمة القائمة، والتي توصف وفق تصريحات السلطات القبرصية بانها الأسوأ في تاريخ دولة قبرص، حيث طالت الحرائق وفق التقديرات الأولية أكثر من 50 كيلو مترا مربعا من الغابات الشجرية والأراضي الزراعية، كما كانت الحرائق سببا في فقدان أربعة ضحيا لحياتهم وجميعهم من العمال الزراعيين الحاملين للجنسية المصرية. 

أسباب الأزمة

انتشرت الحرائق خلال اليومين الماضيين حول عدد من قرى الريف القبرصية مثل اركاباس واودو وسكيوباترا و اورا وابتاجونيا, وتقع كافة القرى المضارة في منطقة الحدود الإدارية بين إقليمي ليماسول ولارنكا القبرصيين وتتميز تلك المنطقة بوعورتها الشديدة نظرا لكونها جزءا من سلسلة السفوح الجنوبية لجبال ترودس – انظر الخريطة التالية رقم 1-, كما تتميز تلك المنطقة بوجود العديد من العوامل المناسبة لنمو أشجار الغابات وأيضا للنشاط الزراعي, مثل توفر المياه العزبة القادمة من نهر فاسيليكوس وهي اللازمة لنمو المزروعات, وأيضا توفر التربة الخصبة في تلك المنطقة, والتي تتيح انتاج عدد من المنتجات الزراعية المناسبة لمناخ البحر المتوسط كالزيتون والموالح.

خريطة رقم 1: موقع حرائق الغابات بدولة قبرص

المصدر: موقع Google maps

انتشار المزروعات في تلك المنطقة كان في رأي العديد من الخبراء أحد أهم الأسباب المؤدية إلى وقوع الحرائق الضخمة القائمة حاليا حيث أدى تجاور الأشجار البرية وأيضاً شجيرات الزيتون والموالح إلى سرعة انتشار ألسنة اللهب بين القرى المنكوبة لكن “تكاثف” المزروعات لم يكن ليؤدي إلى مثل تلك الحالة من الدمار الواسع لولا وجود عوامل بيئية أخرى مثل هبوب موجة من الطقس الحار على البلاد منذ أسبوع ، الأمر الذي أدى بدوره ارتفاع درجات الحرارة خلال الأيام الماضية لتتجاوز 40 درجة سيليزيوس, بالإضافة إلى وجود حركة نشطة للرياح, وتزايد الجفاف المؤدي لانعدام تشكل السحب المطيرة والتي من شأنها المساهمة بفاعلية في القضاء على الحرائق القائمة.

العامل البشري كان له دور متوقع في الأزمة، حيث ألقت السلطات القبرصية القبض على مزارع مسن يشتبه بضلوعه عن عمد في عملية اشعال الحريق الأول والذي أدى تباعا لوقع الكارثة الحالية، حيث أكدت مصادر شرطية أن شهودا محليين رأوا المتهم وهو يغادر منطقة “اركاباس” وقت اندلاع الأزمة، لكن التحقيقات الرسمية لا زالت جارية لبيان صحة هذا الادعاء.

تحرك سريع

منذ اللحظة الأولى التي وردت فيها معلومات عن أزمة الحريق، قامت الحكومة القبرصية بتعبئة قدراتها من أجل السيطرة على الموقف، لذلك حشدت أكثر من 600 من رجال الحماية المدنية والطوارئ بالإضافة إلى عدد من جنود الجيش القبرصي، كما دفعت بـ 70 مركبة إطفاء وعدد من الطائرات والمروحيات والمسيرات.

ومن أجل تحقيق المتابعة اللحظية للموقف على الأرض، أنشأت السلطات أول أمس الأحد مركزا لإدارة الأزمة داخل قرية فافاستينا، التي لا تبعد عن موقع الأحداث سوى كيلومترات معدودة.

كما قامت السلطات القبرصية بالتنسيق مع عدد من الدول القريبة من أجل امدادها بعدد من الطائرات الخاصة بمهمات الأطفاء والإنقاذ الجوي مثل اليونان وإيطاليا، كما طلبت السلطات العون من حكومة المملكة المتحدة، حيث تمتلك الأخيرة قاعدة جوية بمنطقة اكروتيري داخل قبرص.

من جانبه، قال المفوض الأوروبي للإدارة الازمات يانيز لينارشيش إن الاتحاد الأوروبي جهز قدراته الجوية القادرة على المشاركة في عمليات اخماد الحرائق بمنطقة اركاباس، وهو ما سيساهم في انهاء الأزمة بشكل سريع، كما أن أحد الأقمار الصناعية التابعة للاتحاد سيرسل صورا حديثة للوقوف على حالة الدمار الناتجة عن النيران.

التحريك السريع للسلطات القبرصية في عملية إدارة الأزمة كان سبباً في إيقاف توسع بؤرة الحرائق، حيث أعلنت سلطة الغابات بالحكومة القبرصية في 5 يوليو الجاري تمكنها من السيطرة شبة الكاملة على مجريات الأمور، كما أعلنت أيضاً عن قيام فرق الإطفاء بالتعامل مع ما بقي من النيران، إلى جانب جاهزيتها للتصدي لاي انتِشار جديد للحرائق.

خسائر ضخمة

تطالعنا الأخبار المحلية القادمة من موقع الحدث عن قدر كبير من الخسائر الأولية، فالحرائق دفعت السلطات إلى تهجير مواطني 10 قرى “مؤقتا” خوفا على حياتهم، فيما حصدت تلك الحرائق، فعليا، عددا من الأرواح البريئة حيث سقط أربعة من العمال الزراعيين المصريين بالقرب من قرية اودوس حينما حاصرتهم النيران في الخامس من يوليو الجاري.

والتهمت الحرائق 50 منزلا لسكان محليين، بالإضافة إلى انهيار شبكات الكهرباء في المنطقة نتيجة لاشتعال النيران، كما تعرضت شبكات الطرق لحالة دمار غير محددة نتيجة لسقوط الأشجار والأجسام الملتهبة، فضلا عن حدوث دمار شامل بمساحات زراعية وشجرية لا تقل عن 50 كيلو مترا مربعا، وهو ما سيحتاج، وفقا لرأي البعض، لقرابة 10 سنوات وذلك لإعادة حالة الغطاء النباتي إلى ما كان عليه.

قطاعا “الزراعة” و”البنية التحتية” لم يكونا فقط المتضررين الوحيدين من جراء الحرائق، فالقطاع السياحي المحلي تأثر بشدة هو الآخر حيث اشتهرت القرى الريفية التي وقعت حولها الحرائق من قبل بتميزها في عملية الدمج بين المباني الريفة التقليدية العتيقة من جهة وبين المناظر الطبيعية التي تحتويها سفوح الجبال من جهة أخرى.

لكن الحرائق المدمرة التي استمرت على مدار 72 ساعة الماضية لم تبق على تلك الصورة النمطية الخلابة حيث جرى استبدالها بمشهد واسع من الخراب على امتداد الأفق، وهو ما يهدد بشكل مباشر اقتصاديات التجمعات القروية الواقعة في نطاق الأزمة، فتلك القرى الريفية كانت ولا تزال تعتمد على حركة السياحة كمورد أساسي للدخل.

الحكومة القبرصية بدأت من جهتها في إعداد فرق تابعة لها بهدف حصر وتسجيل وتقيم الأضرار التي لحقت بالقرى الريفية المحترقة، وذلك في محاولة من السلطات لتوفير التعويض اللازم لكل مواطن منكوب، بالإضافة إلى محاولة تقدير الأضرار البيئية التي خلفتها الحرائق من أجل العمل إصلاحها، وهو ما يؤشر على احتمالية تكبُد الحكومة القبرصية مستقبلاً لعشرات الملايين من الدولارات نظير اصلاح كل ما أفسدته الأزمة.

ختاما

الأزمة في قبرص قاربت بالفعل على الانتهاء بشكل كامل، لكنها عرضة للظهور خلال الشهر والسنوات القادمة، خاصة في فترات الصيف، فتغير المناخ الذي لا تشهده قبرص، فحسب، بل دول العالم كافة، بالإضافة إلى الجفاف الذي بدأت الدولة القبرصية في ملاحظته منذ ابريل الماضي، كلها عومل دافعة إلى تجدد أزمة الحرائق، لكن الدولة القبرصية ستستفيد بلا شك من التجربة الحالية التي ألمت بها، وهو ما سيجعلها أكثر فاعلية في مواجهة مثل هذه الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى