روسيا

بعد “موافقة بوتين عليها”.. تعرف على أبرز ملامح استراتيجية “الأمن القومي” الجديدة لروسيا؟

وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على استراتيجية الأمن القومي لروسيا، بحسب مرسوم نُشر على البوابة الرسمية للمعلومات القانونية.

واستراتيجية الأمن القومي الروسي هي وثيقة تخطيط استراتيجي أساسية تحدد المصالح والأولويات الوطنية الاستراتيجية لروسيا، والأهداف والغايات والتدابير في مجال السياسة الداخلية والخارجية التي تهدف إلى تعزيز الأمن القومي وضمان التنمية المستدامة لروسيا على المدى الطويل.

تقول استراتيجية الأمن القومي الروسي في نسختها الجديدة، إنها سُتركز على تحسين نوع حياة مواطني روسيا الاتحادية ورفع مستوى الرفاهية، علاوة على تعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، والتأكيد على وحدة وتماسك المجتمع الروسي.

ووفقًا للتقرير المفصل الذي نشرته وكالة “تاس” الروسية للأنباء، فإن الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، وافق 2 يوليو، على وثيقة الأمن القومي لروسيا الاتحادية. وتم نشر الوثيقة على موقع الكرملين الرسمي، بحيث تدخل حيز التنفيذ اعتبارًا من تاريخ التوقيع عليها.

وتنص الوثيقة على أن “تنفيذ هذه الاستراتيجية سيسهم في إنقاذ الشعب الروسي، وتطوير الإمكانات البشرية، وتحسين نوعية الحياة وتوفير رفاهية المواطنين، وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد، والتأكيد على وحدة وتماسك المجتمع الروسي، وتحقيق أهداف التنمية الوطنية، وزيادة القدرة التنافسية والمكانة الدولية لروسيا.

أبرز مبادئ الوثيقة

تشتمل الوثيقة على مبدأ يختص بـ حماية الأسس التقليدية للمجتمع الروسي، إذ تشير الاستراتيجية إلى أن تعزيز أمن وسيادة روسيا الاتحادية، وحماية الأسس التقليدية للمجتمع الروسي يكتسب أهمية حيوية على خارطة الأولويات السياسية الروسية لاحتواء روسيا من الخارج. وذلك نظرًا لأن البلدان غير الصديقة تحاول استخدام المشكلات الاجتماعية والاقتصادية الموجودة في روسيا بغرض تدمير وحدتها الداخلية، وإلهام الحركات الاحتجاجية وتوجيهها نحو الراديكالية، وتقسيم المجتمع الروسي. بحيث تستخدم هذه الدول كل الأساليب غير المباشرة لإثارة عدم الاستقرار في الداخل الروسي على المدى الطويل.

وفيما يتعلق ببند تحقيق المزيج من القوة والرفاهية الوارد بالوثيقة، فإن الدولة الروسية ترى أن المسار نحو تعزيز القدرات الدفاعية، والوحدة الداخلية، والاستقرار السياسي، وتحديث الاقتصاد، وتطوير الصناعات، يتم من خلال “تحقيق مزيج متناغم من الدولة القوية، ورفاهية الإنسان، بما يضمن تكوين مجتمع عادل يؤدي إلى ازدهار روسيا”. لذلك تقوم الاستراتيجية على الترابط بين الأمن القومي لروسيا والتنمية الاجتماعية والاقتصادية لهذا البلد.

وبالنسبة للوضع الروسي على الساحة العالمية، تتضمن الوثيقة بندا يتمحور حول روسيا في الشؤون العالمية، وفي هذا البند تؤكد الاستراتيجية أن زيادة عدد مراكز التنمية الاقتصادية والسياسية العالمية تؤدي إلى تشكيل بنية وقواعد ومبادئ جديدة للنظام العالمي.

ولذلك تشير الوثيقة إلى أن رغبة الدول الغربية في الحفاظ على هيمنتها تسببت في زيادة الاختلال على مسار تطور الدول، ورفع مستويات عدم المساواة الاجتماعية. لذلك وفي سياق التوترات الجيوسياسية المتزايدة، فإنه ينبغي على السياسة الخارجية لروسيا أن تُسهم في زيادة استقرار نظام العلاقات الدولية القائم على القانون الدولي، ومبادئ الأمن العالمي المتكافئ وغير القابل للتجزئة، وتعميق التفاعل المتعدد الأطراف دون خطوط فاصلة، واتباع نهج التكتل من أجل حل المشكلات العالمية والإقليمية بشكل مشترك مع اضطلاع منظمة الأمم المتحدة بالقيام بدورها في التنسيق المركزي للأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها.

كما تضمنت الوثيقة بندا خاص بـ التنمية الاقتصادية لروسيا، وذلك بمواصلة العمل لتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات الرئيسية للاقتصاد، وزيادة مستويات الأمن الغذائي، وأمن الطاقة. وتحت عنوان فرعي، بـ “ضغوط القوة”، سلطت الوثيقة الضوء على أن الوضع العسكري السياسي الجديد في العالم يتسم بتشكيل مراكز قوة عالمية وإقليمية جديدة، يتفاقم من خلالها الصراع بين أطراف عدة على مناطق النفوذ. لذا تتزايد أهمية القوة العسكرية كأداة لتحقيق الأهداف الجيوسياسية من قِبَل رعايا العلاقات الدولية. وتواجه روسيا مخاطر وتهديدات عسكرية مستمرة بهدف الضغط عليها وحلفائها وشركائها، وتعزيز البنية التحتية لحلف شمال الأطلسي على مقربة من الحدود الروسية، وتكثيف الأنشطة الاستخباراتية وخلافه. لذلك نصت الاستراتيجية على أنه من أجل حماية المصالح الوطنية لروسيا من التهديدات الخارجية والداخلية، بما في ذلك حمايتها من الإجراءات الغير ودية للدول الأجنبية، يُرى أنه من الضروري زيادة كفاءة استخدام الإنجازات الحالية والمزايا التنافسية لروسيا، مع الأخذ في عين الاعتبار حساب الأهداف طويلة الأجل في مسار التنمية العالمية.

واستكمالاً لهذه النقطة، انتقلت الوثيقة لبند آخر يظهر بعنوان الرد على الأعمال الغير ودية، حيث تقول الوثيقة إن لروسيا الحق في اتخاذ إجراءات متناظرة وغير متكافئة ردًا على الإجراءات غير الودية من جانب الدول الأجنبية. إذ أنه يحق لروسيا اتخاذ تدابير مماثلة بحق أي دولة أجنبية تقوم بعمل إجراءات غير ودية تهدد سياسة البلاد وسلامتها الإقليمية، بما في ذلك استخدام تدابير تقييدية –عقوبات- ذات طابع سياسي، أو اقتصادي، أو باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة. وذلك لمنع تكرارها في المستقبل. كما تشير الاستراتيجية إلى أنه في سياق تنامي عدم الاستقرار الجغرافي السياسي وتفاقم التناقضات بين الدول، تنتهج روسيا الاتحادية “سياسة خارجية متسقة ومستقلة ومتعددة الاتجاهات ومنفتحة وعملية” تهدف إلى ضمان استقرار نظام العلاقات الدولية. وتتمثل أهداف السياسة الخارجية لورسيا الاتحادية، كما وردت في الوثيقة، في “تهيئة الظروف المواتية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة للبلد، وتعزيز الأمن القومي، وتعزيز موقف روسيا كأحد المراكز المؤثرة في العالم الحديث “.

وفيما يتعلق بتنظيم طبيعة العلاقات الروسية مع الحلفاء، تنص الاستراتيجية على أن روسيا تواجه محاولات خارجية تهدف للتحريض على تدمير علاقاتها مع حلفائها التقليديين. بحيث يقول واضعو الاستراتيجية إن الرغبة في عزل روسيا وممارسة المعايير المزدوجة بحقها تُعرقل من فاعلية التعاون متعدد الأطراف في مجالات مُهمة للعالم بأسره.

وفي مجالات التكنولوجيا، تشتمل الوثيقة على مبدأ يختص بمكافحة تعطيل مرافق البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، حيث تنص الاستراتيجية على إن القوات المسلحة للدول الأجنبية تمارس إجراءات لتعطيل مرافق البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات الحيوية في روسيا. ووفقًا للاستراتيجية، فإن عدد هجمات الكمبيوتر على مصادر المعلومات الروسية في تزايد.

كما شددت الوثيقة على أن “مُبادرات روسيا الاتحادية في مجالات ضمان أمن المعلومات الدولي تواجه معارضة من الدول الأجنبية، التي تسعى للسيطرة على الفضاء المعلوماتي العالمي”.  وتوضح الاستراتيجية أن الهدف من ضمان أمن المعلومات هو تعزيز سيادة روسيا في مجال المعلومات، بحيث يتم تحقيق هذا الهدف من خلال خلق بيئة آمنة لتداول المعلومات الموثوقة. ويندرج تحت هذا البند، مهام مثل زيادة الأمن الروسي في مجالات الانترنت، وتقليل عدد تسريبات البيانات الشخصية إلى أدنى مستوى ممكن، وضمان أولوية استخدام التقنيات والمعدات الروسية في البنية التحتية لمجالات المعلومات.

وفي سياق مغاير، تُناقش الوثيقة مخاطر تغريب الهوية الثقافية، حيث تنص الاستراتيجية على إن المعلومات والتخريب للثقافة يزيدان من خطر فُقدان روسيا لسيادتها الثقافية، ومحاولات تزوير التاريخ الروسي والعالمي، وتشويه الحقائق التاريخية من خلال تدمير الذاكرة التاريخية، والتحريض على النزاعات العرقية والدينية. وعليه، تنص الوثيقة بأن فرض المُثل والقيم الأجنبية، وتنفيذ الإصلاحات في التعليم والعلوم والثقافة والدين واللغة والأنشطة الإعلامية من دون مراعاة التقاليد التاريخية وخبرات الأجيال السابقة، يقوضان أسس الاستقرار السياسي وإقامة الدولة.

وفي مجال المهام الخاصة، تنص الوثيقة أنه بغرض الدفاع عن روسيا وسلامة وحُرمة أراضيها، من الضروري أن يتم إيلاء اهتمام خاص لتأدية مهام خاصة تتعلق بتنفيذ أهداف السياسات العسكرية.

ويُعد من ضمن هذه المهام؛ تحديد المخاطر والتهديدات العسكرية الحالية والمحتملة في الوقت المناسب، وتحسين نظام التخطيط العسكري، والحفاظ على إمكانات الردع النووي عند مستوى كافي. علاوة على ذلك، تعتزم السلطات الروسية تطوير وتطبيق تدابير مترابطة سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا وخلافه، بهدف منع استخدام أي نوع من أنواع القوة العسكرية ضد البلاد وحماية سيادتها وسلامتها الإقليمية.

وفيما يتعلق بالبند الخاص بـ مكافحة الفساد، فإن متطلبات المجتمع الروسي لتحسين جودة الإدارة العامة، وضمان العدالة الاجتماعية، ومكافحة الفساد تتزايد وفقًا لصانعي هذه الاستراتيجية. مما يتحتم معه ضرورة قيام المجتمع الروسي بتحسين كفاءة الإدارة العامة، وضمان العدالة الاجتماعية، وتعزيز مكافحة الفساد ومكافحة إساءة استخدام الأموال العامة للدولة.

وتحت بند التنافس القوي، أشارت الاستراتيجية إلى أن حالة التنافس القوي بين الدول على خلفية التطور التكنولوجي باتت تنتقل إلى بيئات أخرى جديدة. وتنص الوثيقة على أن “ظهور تقنيات جديدة يسهم في صناعة نماذج أسلحة ومعدات عسكرية لم يكن بالإمكان الوصول إليها في أي وقتٍ مضى، وترتب على ذلك أن انتقل التنافس حول هذه المعدات بين الدول الى بيئات جديدة”. لذلك تُشير الإشارة إلى أنه في سياق انتقال الاقتصاد العالمي إلى أساس تكنولوجي جديد، أصبحت القيادة والريادة في تطوير العلوم والتكنولوجيا هي أحد العوامل الرئيسية في زيادة القدرات التنافسية وضمان الأمن القومي. وعليه، من الضروري أن تقوم الدولة بتحفيز الأنشطة العلمية والتقنية والابتكارية لضمان النمو المستدام وزيادة القدرات التنافسية للاقتصاد الروسي، كما ينبغي زيادة الاستثمار الخاص في تطوير مثل هذه الأنشطة والتعجيل بإدخال نتائجها في عجلة الإنتاج.

ولم تغفل الاستراتيجية الجديدة عن العناية بـ سلامة البيئة، حيث تطرق واضعو الاستراتيجية إلى قضايا ضمان السلامة البيئية، والاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية، بما يضمن تحقيق الجودة البيئية اللازمة لحياة بشرية ملائمة، والحفاظ على الطبيعة واستعادتها، وتخفيف الآثار السلبية لتغيير المناخ. حيث لوحظ خلال العقود الأخيرة، ترافق النمو المكثف لمعدلات الإنتاج والاستهلاك في العالم مع زيادة العبء البشري على البيئة والتدهور في حالتها، بالشكل الذي يستلزم تغييرًا كبيرًا في ظروف الحياة على الأرض. لذلك يُعد تطوير اقتصاد أخضر ومنخفض الكربون، أمرًا رئيسيًا على جدول الأعمال الدول. 

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى