مقالات رأي

حتى لا يعود الإخوان

لا يزال مشهد الإطاحة الشعبية بحكم الإخوان الاستبدادي والفاشي حاضرًا معنا، وسيظل حاضرًا لسنوات وعقود قادمة، ولو كان تاريخ الإخوان الإجرامي في العنف والاغتيالات في الأربعينات والخمسينيات محصورًا في عدد من الوقائع كاغتيال النقراشي باشا والقاضي الخازندار وغيرها، فإن هذا الأمر لم يعد يحتاج لوثائق من الأرشيف لإثباته، فشواهد الحاضر كثيرة وما عاشته مصر في الـ10 سنوات الماضية والموثقة صوتًا وصورة كافية لإدانة هذا التنظيم للأبد كتنظيم إرهابي، ويحتاج مننا جميعًا “دولة ومجتمع” اليقظة وعدم السماح بعودته مرة أخرى تحت أي مسمى.

من الأهمية بمكان دراسة كيفية تلافي أخطاء الماضي من وجود ثغرات أو فراغات في المجال العام يعبرون منها مرة أخرى للحياة، في شكل يمكن أن نطلق عليه “العودة الناعمة”، وهو أمر حدث من قبل بعد حظرهم في 1954 والمواجهة بينهم وبين نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، رغم الضربات الأمنية القوية التي تلقّاها التنظيم، نجح في العودة بعد 10 سنوات من خلال ما عُرف وقتها بتنظيم 65 والذي كان متهمًا رئيسًا فيه سيد قطب. ثم جاءت السبعينات والسياسة الخاطئة التي اتبعها الرئيس الراحل أنور السادات بفتح المجال العام لعودتهم، ورافق ذلك بالمناسبة ذرع بذرة الفكر السلفي والجهادي وبداية تغريب المجتمع المصري عن هويته وفطرته السليمة.

خطأ السادات وظفه عمر التلمساني مرشد التنظيم في إعادة التحرك الواسع على كافة المستويات لاختراق المؤسسات والكيانات، من الجامعات للنقابات المهنية للأحزاب السياسية، توجت بعد ذلك ثم الثمانينيات وقت الرئيس الراحل مبارك بتحالف بين الإخوان وحزب الوفد ودخولهم مجلس النواب لأول مرة، ثم تعاظم نفوذهم داخل النقابات كالأطباء والصيادلة والمهندسين وحتى نقابة المحامين، وتضاعف نشاطهم داخل الجامعات المصرية، وساعدهم هذا في تجنيد المئات من الشباب المصري وفي رسم صورة ذهنية جيدة عنهم!

جاء العقد الأول من الألفية الثالثة، وفيه نستطيع القول إن التنظيم نجح باقتدار في أن يكون جزءًا رئيسًا من المجال العام المصري سياسيًا رأيناهم يحصلون على 88 مقعدًا من برلمان 2005، شاهدنا مدى تأثيرهم داخل النقابات المهنية الرئيسية، ووظفوها لصالحهم. وحتى النشاط الطلابي في الجامعات اقتصر وقتها على مواجهة أمنية لتقييد حركة شباب الإخوان في الجامعات فقط دون محاولة المنع الكامل وملء الفراغ داخل الجامعات بأنشطة طلابية من شباب مختلفين جذريًا مع التنظيم وأفكاره. أما اجتماعيًا، فاستغل التنظيم غياب الدولة وتقصيرها في القيام بدورها الطبيعي في تقديم الخدمات كالصحة والتعليم، فأصبحوا هم البديل في الشارع لتقديم هذه الخدمات، وهو أمر ساهم في انتشارهم وفي اختراقهم للوعي الجمعي لقطاعات كبيرة من المصريين، رأوا فيهم وقتها أنهم فصيل مصري و”ناس بتوع ربنا”.!.

أتذكر قبل يناير 2011 كان العديد من القوى المدنية ينظرون بتعاطف مع التنظيم، وكانوا يسخفون من القضايا والاتهامات التي توجه لعناصرهم، وهذا يرجع إلى أن الإخوان كانت لديهم استراتيجية لتجنيد وتحييد واختراق كافة هذه القوى.

غابت الدولة بشكل كبير خلال الأربعة عقود الماضية، وتركت عقل المواطن المصري فريسة لتنظيم الإخوان وباقي التيارات الظلامية، النقيضين للهوية المصرية الجامعة، وحقيقي لا أعلم كيف كان يفكر القائمون على إدارة الدولة حينذاك في هذا الأمر، لماذا لم يدركوا خطورة هذه السياسات مستقبلًا على المشهد الاجتماعي في مصر، لماذا لم يدركوا أن هذه الأفاعي التي بثت سمومها في عقول المصريين تنتظر اللحظة لتوجه هذه السموم للدولة نفسها، وهو ما حدث فعليا بعد يناير 2011.

على كل حال، نجحت الإدارة الحالية بقيادة الرئيس السيسي خلال السنوات الـ8 الماضية من ثورة المصريين على الإخوان في 30 يونيو 2013 في تلافي أخطاء كل الإدارات المصرية السابقة، وعملت على تجفيف كل منابع التطرف، والتحفظ على كافة المنافذ والمنصات والنشاط الطلابي، وأصبح أي نشاط لهم من المحرمات؛ فالتنظيم مصنف إرهابيًا الآن، لكن كل هذه الخطوات تحتاج لاستراتيجيات إضافية على المدى المتوسط والبعيد، تسهم في ملء الفراغات، وتمثل ضامنا لعدم عودة الإخوان الناعمة مرة أخرى، كما حدث في الحقب الماضية.

نحتاج تقوية الأزهر وأئمة الأوقاف لتوفير “الإشباع الديني الصحيح” ليقدموا خطابًا دينيًا مستنيرًا عصريًا يكون بديلًا للخطاب المتخلف الذي كان يقدمه الإخوان والسلفيين، نحتاج استمرار الدولة كما تفعل الآن في أن تكون على تماس مباشر مع المصريين في القرى والنجوع والمراكز على مستوى الجمهورية في تقديم الخدمات وعدم ترك المواطن مرة أخرى تحت رحمة هذه التنظيمات. من المهم إحياء الحركة النقابية في مصر مع ضمان عدم وجود أي اختراق إخواني لها، ونفس الأمر مع الحركة الطلابية في الجامعات.

الدراما والسينما والأدب والثقافة والإعلام، بلا شك من أهم الأدوات التي نضمن معها وجود حصانة ومناعة قوية لدى المصريين ضد أفكار هذه التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وشاهدنا التأثير الكبير الذي أحدثته دراما “الاختيار” وقبلها دراما “الجماعة” للراحل وحيد حامد، وأعتقد أننا في حاجة للعشرات من هذه الأعمال. وعلى المستوى السياسي، بالتأكيد الخطوات التي اتُخذت للتمكين السياسي للشباب والمرأة جيدة، لكنها في حاجة لتوسيعها، خاصة على مستوى المحليات، فالمكونات المجتمعية حين تكون جزءًا من العمل الأهلي والتنفيذي والرقابي في الدولة، هذا يجعلها في الصفوف الأمامية في معركة المواجهة مع تنظيمات كالإخوان.

هناك من يدّعي أن المعركة مع الإخوان وتيارات ما يسمى بالإسلام السياسي انتهت، لكن هذا ادعاء باطل مبني على تقدير موقف غير صحيح، فالمعركة معهم ستظل مستمرة، وأي تباطؤ أو تقاعس فيها ستضعنا جميعًا دولة ومجتمعًا في نفس أخطاء الماضي، وهي عودتهم الناعمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى