تركيا

“حسابات اليوم التالي”.. دوافع ومقومات “الوجود التركي” في أفغانستان بعد 11 سبتمبر 2021

بينما تستعد الولايات المتحدة لإنهاء أطول حرب خارجية استمرت 20 عامًا، تتسابق قوى دولية وإقليمية متعددة على رأسها ، روسيا، الصين، الهند،إيران ، باكستان وتركيا ، لملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوات الأمريكية والناتو بحلول الحادي عشر من سبتمبر المقبل.

ومن جهتها، تحاول أنقرة اقتناص الفرصة لضم أفغانستان إلى الجبهات المتعددة التي عززت فيها تركيا نفوذها ضمن جهودها التوسعية الرامية إلى تحولها إلى رقم صعب في معادلات الصراعات المتناثرة؛ إذ ترغب في بقاء قواتها التي تقدر بـ 500 جندي لتأمين مطار كابول الدولي، وهو العرض الذي طرحه رجب طيب أردوغان قبل يوم من القمة التي جمعته مع نظيره الأمريكي جو بايدن على هامش قمة “الناتو “الأخيرة ببروكسل.  

وتنبع أهمية مطار “حامد كرزاي” الدولي، الواقع على بعد 40 ميلًا إلى جنوب العاصمة، ويعمل أيضًا كقاعدة عسكرية، من كونه الرابط الحيوي لهذا البلد غير الساحلي مع العالم الخارجي، إذ لا يزال السفر عبر الطرق غير آمن، وتعتمد البعثات الأجنبية والمنظمات غير الحكومية على خدماته، كما أنه المنفذ الأساسي لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى الشعب الأفغاني، وقد شددت وزارة الخارجية الأمريكية على أن أمن المطار والسفر الجوي يعتبر شرطًا مسبقًا لعمل البعثات الدبلوماسية الأجنبية في أفغانستان.

وتثور المخاوف الدولية بشأن سلامة الملاحة الجوية عبر المطار مع ازدياد توقعات انزلاق البلاد نحو جولة أخرى من الحرب الأهلية أو عودة نظام طالبان بعد اكتمال الانسحاب الأمريكي بالنظر إلى تقدم الحركة وسيطرتها على ما يربو على 80 مقاطعة. وكان المطار قد تعرض لقصف بالقنابل والصواريخ غير مرة، كان أعنفها عام 2018 عندما استهدف هجوم انتحاري عبد الرشيد دوستم، نائب الرئيس الأفغاني آنذاك، بعد عودته من تركيا، حيث سقط 80 شخصًا بين قتيل وجريح.   

دوافع أنقرة للوجود في أفغانستان

عمدت تركيا على مدار السنوات الماضية على استغلال بؤر التوتر لتوسيع انتشارها على مساحات جيوسياسية واسعة، وهي الآن تتهيأ لتثبيت موطئ قدم في ساحة جديدة تتزاحم فيها أكثر من جهة دولية لتأمين المصالح والنفوذ، مدفوعة بعدة عوامل نذكر منها:

• تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والناتو: أخذت العلاقات التركية مع واشنطن والناتو طابعًا متوترًا خلال السنوات الأخيرة ارتباطًا بنشاطات تركيا الخارجية والاتجاه نحو روسيا والصين، ومع التحولات الإقليمية والدولية أرادت تركيا الجنوح نحو تهدئة الجبهات المشتعلة وإدارة الخلافات مع واشنطن وبروكسيل.

ويأتي اقتراح تأمين مطار كابول ضمن هذا الإطار باعثًا برسالة حسنة النية إلى حلف شمال الأطلسي مفادها أن أنقرة طرف يُمثل مصالحه حيثما وُجد، وقادرة على العمل نيابة عنه على الجبهات الصعبة التي يتفاداها الجميع. علاوة على رغبة أردوغان في مساومة الولايات المتحدة بشأن امتلاكها منظومة الدفاع الصاروخي الروسي “إس-400″، ودفع واشنطن لوقف دعمها لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

ويحمل التاريخ تجربة مماثلة حينما أرادت أنقرة الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، وجدت في الحرب الكورية بداية خمسينيات القرن الماضي ضالتها، وراحت ترسل جيشها للعمل جنبًا إلى جنب قوات الناتو، وهو ما فتح الباب أمامها للالتحاق به رسميًا في 18 فبراير 1952.

• تعزيز قنوات الاتصال مع آسيا الوسطى: يتزامن الاهتمام التركي بأفغانستان مع تحركات مماثلة باتجاه أذربيجان، جميعها تنضوي تحت مظلة الاستراتيجية التركية للتوجه نحو منطقة آسيا الوسطى الحيوية، وطرح نفسها كبديل للشريك الروسي التقليدي، واحتواء النفوذ الإيراني المتوقع تصاعده مع العودة المحتملة للاتفاق النووي، ووضع نفسها على الشريان الرئيسي لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وتلبية رغبات أنقرة التوسعية وتقديم نفسها كزعيم للدول الناطقة بالتركية وأردوغان بوصفة قائدًا إقليميًا، والاستفادة من الثروات الاقتصادية الهائلة لإنقاذ اقتصادها المتأزم إذ يبلغ حجم احتياطيات الثروات الطبيعية بها 34% من احتياطي الغاز الطبيعي عالميًا، و27% من احتياطي النفط العالمي، إلى جانب ثروات ضخمة من المياه العذبة والجوفية واحتياطات هائلة من المعادن والقطن والفحم.  

• جني مكاسب مالية: لا تقدم تركيا خدماتها مجانًا ودائمًا ما ترهن أمن الأوروبيين بحجم الأموال التي سيدفعونها، مثلما الحال في قضية اللاجئين السوريين الذين تستخدمهم أنقرة كورقة لابتزاز بروكسل من أجل دفع المزيد من الأموال وإلا التهديد بإطلاقهم بتجاه الحدود الأوروبية، وبالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لمطار كابول الدولي بالنسبة للولايات المتحدة والناتو والدول الراغبة في الاحتفاظ بوجود استراتيجي في البلاد، فإن الفرصة ستكون سانحة أمام أردوغان لإبراز معادلة “المال مقابل الأمان”، والتفاوض بشأن الحصول على دعم اقتصادي ولوجيستي متمثل في نشر طائرات بدون طيار ومعدات دفاعية وقوات من دول أخرى مقابل ضمان أمن المطار، وهو ما عبر عنه وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بقوله: “نعتزم البقاء في أفغانستان حسب الشروط. ما هي شروطنا؟ الدعم السياسي والمالي واللوجستي”.

مقومات استمرار الدور التركي في أفغانستان

تواجه المهمة التركية المحتملة تحديات متنوعة منشأها ضبابية المشهد السياسي، والتعقيدات الميدانية، وتعدد الفاعلين الدوليين والإقليميين في الساحة الأفغانية، ومعارضة من طالبان الشديدة لبقائها حيث اعتبرت قوات أنقرة “محتلة للأراضي الأفغانية وجزء من الناتو الذين يجب عليهم المغادرة مثلثهم مثل الأمريكيين”، وأن بقاءهم يُمثل انتهاكًا للاتفاق بين الحركة وواشنطن. ومع ذلك، تراهن تركيا على تبدل هذا الموقف بمرور الوقت استنادًا إلى عدة عوامل:

• الروابط التركية-الأفغانية: تمتلك أنقرة علاقات وثيقة مع كابول على المستويين الشعبي والرسمي؛ إذ اعتمدت القوة الناعمة أسلوبًا للتغلغل بين الأوساط الشعبية وكسب تأييدها، عبر التواصل مع الجماعات العرقية المتنوعة والمكونات السياسية المختلفة كطالبان وحزب الجمعية الإسلامية والحزب الإسلامي، ودعم الأقلية الناطقة بالتركية (الأوزبك والتركمان) وهو ما ظهر جليًا في العلاقات مع الأوزباكي عبد الرشيد دوستم الذي شغل منصب نائب الرئيس بين عامي 2014 و2020، وزيادة المنح الدراسية للطلاب الأفغان، بل إقامة مدارس تركية بالبلاد، وتدريس اللغة التركية، وإنشاء المستوصفات التي تقدم رعاية صحية مجانية، وبث البرامج والأفلام التركية، وتقديم الاستشارات الثقافية، وتدريب الموظفين، وتعزيز دور مؤسسة يونس عمري، وإنشاء قنصليات عامة في عدة مناطق كهرات وقندهار لتسهيل التواصل مع المكونات العرقية المختلفة.

ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتد إلى تطوير علاقات سياسية ودبلوماسية وعسكرية واقتصادية مع حكومة كابول، وقد شمل ذلك استضافة العديد من المؤتمرات بشأن أفغانستان، والتوسط بين كابول وإسلام آباد، وعقد اجتماعات ثلاثية مع باكستان، والتقريب بين حزب الجمعية الإسلامية وجماعة الإخوان، وتطوير برامج للمساعدة في تدريب 5آلاف جندي و10 ألف شرطي، وتزويدهم بالمنح الدراسية، وعلى الرغم من كونها ليست مستثمرًا رئيسيًا في أفغانستان إلا أنها التزمت بإقامة ممر اللازورد وزيادة الاستثمارات بالبلاد.

وترتكن أنقرة لتلك العلاقات لضمان الحصول على تأييد شعبي ورسمي لمهمتها، بالنظر إلى الروابط الدينية العرقية والثقافية، وعدم نظر الأوزبك والجماعات التركمانية في الشمال إلى الجنود الأتراك كأجانب، ورغبة سلطات كابول في أن يسهم تأمين المطار الدولي في إقناع بعض الدول بالحفاظ على وجودها الدبلوماسي ومنع المزيد من الدول من إغلاق سفاراتها -مثلما فعلت أستراليا خلال مايو الماضي-بسبب مخاوف أمنية.

• وجود القوات التركية في أفغانستان: ترتبط تلك النقطة بسابقتها، فرغم احتفاظ أنقرة بوجود فعلي داخل أفغانستان منذ 2001 لضمان مصالحها السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية ضمن مهمة الناتو، إلا أنه اقتصر على مهام تأمين مطار حامد كرزاي الدولي، وتدريب وتأهيل القوات المحلية، وتقديم الإغاثات، دون الانخراط في سير العمليات العسكرية أو الاشتباك مع طالبان أو الجماعات المسلحة الأخرى في ساحة المعركة. وقدمت أنقرة نفسها، العضو الوحيد ذو الأغلبية المسلمة في الناتو، باعتبارها عنصرًا لدعم الاستقرار ومساعدة الشعب الأفغاني كجزء من العلاقة التاريخية الوثيقة بين الشعبين. وبالتالي فإن قواتها لا ترتبط في ذهنية المواطن الأفغاني بالتورط في خسائر للمدنيين أو جرائم حرب.

• الاعتماد على الحلفاء: يعتزم أردوغان التنسيق مع حلفائه في باكستان والمجر وقطر لإقناع طالبان بمهمة أنقرة الجديدة، حيث تمتلك إسلام أباد علاقات وثقة مع طالبان تمكنها من التأثير عليها، بينما المجر –عضو الاتحاد الأوروبي الأقرب إلى تركيا –فمهمتها اجتذاب الدعم المالي والسياسي الأوروبي للمهمة التركية، فضلًا عن امتلاكها الخبرة الفنية اللازمة لتأمين مطار كابول من حيث معرفة التضاريس ونقاط الضعف الأمنية بالمطار، لمشاركتها في مهمة مماثلة بين عامي 2010 و2013، والقيام بمهام أخرى عرضية بالمنشأة ذاتها، وهي تحتفظ الآن بـ 9 جنود بالبلاد نزولًا من 150 جنديًا في السابق.

وقد طرحت بودابست فكرة مشاركتها في تأمين مطار كابول خلال اجتماع بين رئيس وزرائها فيكتور أوربان مع أردوغان على هامش قمة الناتو، رغبة منها في إظهار نفسها كشريك مهم لا غنى عنه لأمن الاتحاد الأوروبي الذي سيتأثر من أي موجات هجرة محتملة إذا ما تدهورت الأوضاع الأمنية في أفغانستان، إضافة إلى معاداة أوربان المعروفة للاجئين، خاصة أولئك القادمين من الدول الإسلامية. ولما استضافت الدوحة محادثات السلام بين الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية وطالبان التي بدأت العام الماضي، وكانت مقر بعثة طالبان الخارجية الوحيدة، وكونها حليف وثيق لأنقرة، فإنها قد تساهم في إقناع الحركة بقبول الدور التركي.

• الدعم الأمريكي للوجود التركي: استنادًا إلى الاتجاه الأمريكي المتنامي للاعتماد على القوى المتوسطة والصغيرة كراعِ لمصالحها الاستراتيجية على امتداد ساحات الانتشار والتأثير، برزت تركيا كلاعب إقليمي مرحب به أمريكيًا لحمل الأعباء الأمنية والسياسية لمرحلة ما بعد الانسحاب، والعمل قدر الإمكان على تطويق النفوذ الروسي والصيني والإيراني المتوقع تناميه بشكل كبير، وهو ما برز جليًا منذ طرح تركيا كدولة وسيطة لاستضافة محادثات السلام بين أطراف العملية السياسية الأفغانية في أبريل الماضي، والتي تأجلت على وقع رفض طالبان إرسال وفدها للتفاوض قبل إتمام الانسحاب الأمريكي بالكامل.

• الخبرة في التعامل مع الجماعات الإسلامية: تمتلك تركيا مقومات تمكنها من تطوير علاقات فعالة مع طالبان بالنظر إلى خبرتها الممتدة في اللعب على المشاعر الدينية للشعوب، ودعم الحركات الإسلامية الراديكالية في العديد من الدول كجماعة الإخوان الإرهابية، والاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع الجماعات المسلحة وظفتها ضمن تدخلاتها العسكرية في الصراعات السورية والعراقية والليبية والآذرية، وغيرها، فضلًا عن تقاسم النزعة الإسلاموية مع طالبان في سياق مشروع تمكين جماعات الإسلام السياسي، وورود تقارير تفيد بنقل أنقرة لجماعات إسلامية إلى أفغانستان.

ختامًا

يأتي مقترح بقاء القوات التركية بأفغانستان لتأمين مطار حامد كرزاي الدولي ضمن استراتيجية أنقرة التي انتهجتها على مدار السنوات العشر الأخيرة، القائمة على استغلال الصراعات والمتغيرات الإقليمية والدولية لتمديد نفوذها السياسي وانتشارها العسكري، وحتى لو حصلت على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة والناتو للقيام بهذه المهمة فستظل تواجه تحديات سياسية وأمنية متشابكة ومعقدة، أهمها رفض طالبان لوجودها مع ضرورة الإشارة إلى ارتباط هذا الموقف بمناهضة الوجود الأجنبي بالبلاد وإمكانية تخفيفه بانتهاء عمليات الانسحاب، وقلق حكومة كابول من التنسيق التركي مع باكستان التي تعتبرها داعمًا للجماعات الإرهابية، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالتشابكات الإقليمية والدولية بالمنطقة، كالمعارضة الروسية للمهمة التركية كونها تعتبر آسيا الوسطى إرثًا تاريخيًا لها، والقلق الهندي بشأن التقارب التركي الباكستاني الأفغاني ومستقبل الأمن والاستقرار في جامو وكشمير، علاوة على أن رعاية واشنطن وبروكسل للمهمة التركية تثير مخاوف بكين التي تسعى لإحلال نفسها محل واشنطن، فضلًا عن ضم أفغانستان إلى ساحات التنافس المفتوح مع إيران التي طورت علاقات جيدة مع طالبان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى