أوروبا

أبرزها خلع “عباءة الدب الروسي”.. تعرف على “دوافع” بولندا من وراء مشروع “أنابيب غاز البلطيق”

يعد مشروع “أنابيب غاز البلطيق”، الذي شهد عام 2016، بوادر الحديث لأول مرة عنه، وأعيد إحياؤه هذا العام، خط غاز رئيسي، ينقل الغاز من “النرويج” إلى “بولندا” عبر “الدنمارك”.

ويتألف المشروع من ثلاثة أجزاء؛ أولها: خط أنابيب غاز بحري جديد يصل طوله إلى 110 كم ويمتد من النرويج في بحر الشمال إلى محطة الاستقبال الواقعة شمال فاردو في الدنمارك. ثانيها: أن يتم العمل على توسعة نظام نقل الغاز الدنماركي بخط أنابيب غاز جديد يبلغ طوله حوالي 210-230 كيلو مترًا، والذي يمتد بين إجتوييد في جوتلاند وجنوب شرق نيوزيلندا، بالإضافة إلى محطة ضاغطة ستقع في جنوب شرق نيوزيلندا. ثالثها: خط بحري جديد يمتد طوله من 260 -310 كم في بحر البلطيق بين الدنمارك وبولندا.

وبدأ العمل بالفعل على المشروع، في مياه الدنمارك بالقرب من جزيرة بورنهولم. حيث يتم وضع خط الانابيب بواسطة سفينة “كاستورن”، حيث ستتحرك السفينة على طول مسار خط الأنابيب في الاتجاه الشمالي الغربي وتضع خط الأنابيب على عمق أكبر. ومن المقرر أن يدخل الخط حيز العمل في عام 2022، وذلك وفقًا لما أفادت به شركة “غاز سيستم البولندية والتي تعمل في مجال البناء.

الدوافع السياسية وراء المشروع

تواصل بولندا نفي الدوافع السياسية وراء المشروع، لكن هل هذا يعني عدم وجود هذا النوع من الدوافع؟ بالتأكيد لا. إذ أن الدلائل والمؤشرات كانت تشير بالفعل إلى اعتزام وارسو، والتي تعد أكبر سوق مبيعات للغاز الروسي في أوروبا الشرقية، لقطع استقبالها للغاز الروسي من شركة “غازبروم”.

ففي 2019، أعلنت وارسو على لسان، بيوتر نيمسكي، وزير بولندا للبنية التحتية والطاقة الاستراتيجية، عدم نواياها تجديد الاتفاقية طويلة الأجل التي تربطها بشركة “غازبروم”، ومن المقرر أن تنتهي صلاحياتها في 2022.

وبوقتها، لاقى هذا الإعلان الكثير من السخرية، بغض النظر عن إنه كان يشكل تهديدًا حقيقيًا. ذلك نظرًا لأن بولندا كانت لديها خطة تتألف من مشروعين، أحدهم يعتمد بالفعل على خط غاز البلطيق، الذي يحظى بالدعم السياسي والمالي من الاتحاد الأوروبي.

والمشروع الثاني، هو توسعة قدرة المحطة وتأهيلها لاستقبال وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المُسال، والتي تعمل منذ عام 2015. علاوة على بناء خزان آخر على الحدود مع ألمانيا.  وعند هذه النقطة، يطرح تساؤل نفسه، حول ما هو السبب الذي يجعل بولندا تشعر بالقلق من اعتمادها على الغاز الروسي؟

للرد على هذا السؤال، ينبغي أولاً العودة لإلقاء نظرة خاطفة على منحنى مجمل ما يربط البلدان من علاقات. بحيث ترتبط البلدان بتاريخ معقد ومتناقض يعود إلى قرون، كما يسكن الدولتين أغلبية سلافية من السكان، وهما في الوقت نفسه، جاران قديمان وخصمان بارزان.

ومن المعروف تاريخيًا، أنه كان يوجد هناك فترات من العداء والكراهية المتبادلة بين البلدان على مدار التاريخ، كما كان يوجد هناك أيضًا فترات من الصداقة والتفاهم المتبادل، لكن تلك لم تدم طويلًا أو بمعنى آخر لم يسد الود والتفاهم بين البلدان إلى الوقت الراهن، الذي تشهد فيه العلاقات بين البلدين حالة الصراع بسبب ميول بولندا نحو تبني وجهات النظر السياسية الغربية بوجه عام. ولذلك، يتميز الإعلام البولندي بلغة خطاب معادية لروسيا. ومن ناحية أخرى، تتلقى روسيا هذه اللغة المعادية بلا مبالاة.

بهذه الطريقة، نستطيع أن نفهم أن بولندا أيضًا كانت تحاول بأي شكل من الأشكال أن تعثر على طريقة تستطيع من خلالها النفاذ من عباءة موسكو والتحرر التام من هذا الرابط الاقتصادي العميق الذي يربط بينهما. لذلك ترى وارسو أنها بمجرد انتهاء عقد توريد الغاز الروسي إليها في تاريخه، بالتزامن مع بدأ خط أنابيب البلطيق للعمل، ستتحرر من تبعيتها لموسكو وستتمكن أخيرًا من أن تصبح مقر للجدار الشرقي الذي سيفصل روسيا عن أوروبا.

لذلك تطمح وارسو أن يجعلها الاستغناء التام عن الغاز الروسي، شريكًا جذابًا للغاية للولايات المتحدة الأمريكية، والتي قد تولي وجهها إليها باعتبارها شريكا رائدا في أوروبا، وواحدة من القوى الجيوسياسية الرئيسية، إن لم تكن الرائدة، التي تحكم الاتحاد الأوروبي بأكمله.

بحيث تعيش بولندا دائما في حالة من التسابق على لعب دور “مُحظية” الولايات المتحدة في أوروبا. ومن هذا المنطلق، تستمر وارسو في إظهار اهتمامها البالغ بتوسعة الوحدة العسكرية الأمريكية المتمركزة على أراضيها. حتى أن السياسيين البولنديين كانوا قد عبروا من قبل عن استعدادهم لتخصيص ملياري دولار من ميزانية البلاد لبناء قاعدة أمريكية دائمة على الأراضي البولندية.

ونخلص من كل ما سبق، إلى أن وارسو تحاول بكل جهد التخلص من أي روابط دائمة مع روسيا أملاً في التقرب من خصم روسيا الكبير، والمتمثل في الولايات المتحدة على رأس الغرب. في حين تنظر الولايات المتحدة إلى بولندا باعتبارها أحد وكلائها الرئيسين في أوروبا، لكن بولندا وكما ذكرنا آنفًا تطمح إلى لعب دور أكبر من ذلك، وألا تكتفي بصفتها الوكيل وتنتقل إلى مرحلة الشريك.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى