سياسة

د. صبحي عسيلة يكتب: 30 يونيو.. “فجر الجمهورية الجديدة”

لم تشهد مصر عبر تاريخها الطويل اقترابا من حافة الهاوية بالشكل الذي شهدته قبل ثمان سنوات. فعشية انطلاق ثورة 30 يونيو عام 2013 كانت مصر تقف على حافة الانهيار الاقتصادي الذي بدأ منذ يناير 2011 وتعمق مع تحكم جماعة الإخوان في مفاصل الدولة فكادوا يفرغون مؤسسات الدولة من مضمونها لولا مؤسسة الجيش التي تصدت لكل محاولات الإخوان لتفكيك الدولة حتى تصبح آيلة للسقوط قربانا لحلم الخلافة الإسلامية في نسخته الإخوانية التي لا تعرف حرمة لتراب الوطن وحدوده. الانهيار الذي كانت مصر قاب قوسين أو أدني من معايشته لم يكن فقط اقتصاديا بل كان مجتمعيا هوياتيا وثقافيا وكل ما يتعلق بدور مصر الإقليمي وقيمتها التاريخية والحضارية، فالإخوان، كما الإسلاميين المعاصرين، لا يمتلكون نظرية واضحة عن الدولة يمكن ترجمتها إلى سياسة فكادوا يفرغوا مضمون الدولة من معناه متوهمين أن بإمكانهم فرض الأسلوب الذي بنيت عليه الجماعة وربت عليه أعضائها، على المجتمع والدولة، ومن ثم كان الصدام معهم حتميا وشاملا. وكما لاحظ تحليل لمركز كارنيجي نشر في سبتمبر 2013، فإن خطاب وسياسات وتكتيكات الإخوان منذ عام 2011 أثارت تساؤلات خطيرة حول الميول السلطوية للجماعة، وحول الخطر الواضح الذي تمثله هذه الاتجاهات على الهوية والوحدة الوطنية والأمن القومي والحريات والديمقراطية.

 ولعل ما كتبه أستاذ علم الاجتماع الراحل الأستاذ السيد يسين في 28 مارس 2013 في جريدة الأهرام يلخص الوضع في ظل الإخوان مجتمعيا. إذ رأى في مقالته أن ثمة تفاقما لسياسات اليأس، وأنها بسطت رواقها علي المجتمع المصري علي مستوي النخب السياسية, وعلي مستوي الجماهير علي السواء، وأشار إلى أن سياسات اليأس تلك تظهر وتسمم المناخ الاجتماعي في بلد ما حين يمر بأزمة بالغة الحدة, نتيجة عجز النخبة السياسية الحاكمة عن اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب, وفشل النخب السياسية المعارضة في تقديم بدائل مدروسة لحل الأزمة، ومن هنا تسود مشاعر الإحباط. ومن هنا طالب بضرورة المواجهة الحاسمة لتلك السياسات، ومع فشل الجماعة أو بالأحرى عجزها عن التصدي باعتبارها السبب الرئيس لتلك الأوضاع تقدم الشعب ليقدم العلاج الناجع بإزاحة الإخوان. لقد تخلصت مصر في 30 يونيو من أحد أسوأ أنواع الاحتلال الذي تعرضت له، وبدأت رحلة الدفاع عن صورتها الحضارية والنأي بنفسها عن أن تكون ضمن الواقفين على حافة الهاوية، وعن أن تكون واحدة من أشباه الدول أو ـ لا قدر الله ـ واحدة من الدول الفاشلة.

ثمان سنوات: مصر من “شبه دولة” إلى “الجمهورية الجديدة”.

في المؤتمر الصحفي الذي عقده عضو جماعة الإخوان محمد مرسي في 6 مايو 2012 بالأقصر حيث كان مرشحا للانتخابات الرئاسية، زف مرسي للمصريين أخبارا وردية، إذ قال “إن برنامجنا الإصلاحي سينهض بمصر في خلال 100 يوم” وحدد أزمات مصر في خمس مشكلات هي المرور والأمن ورغيف الخبز والقمامة والوقود، وقال إن الإخوان لا يتكالبون على الحكومة فالحكومة مغرم وليس مغنم! وأضاف أنه وجماعته اتفقوا مع عدد كبير مع شركات البترول لضخ  200 مليار دولار لإقامة مشروعات عملاقة ستنعش خزينة الدولة والاقتصاد وستوفر فرص عمل جديدة. علاوة على ذلك فإن مشروعهم المزعوم للنهضة يتضمن محورا أساسيا خاص بصعيد مصر وبالسياحة ليصل بعدد السائحين من 12 مليون سائح إلى 20 مليون خلال فترة قصيرة. باختصار، فإنهم أوهموا المصريين بأن كل الخير كل الخير سيجري على أيديهم، وصاغوا ذلك الوهم في شعارهم الشهير الذي اعتمدوه خلال الانتخابات “نحمل الخير لمصر”. وخلال عام واحد وصل الاقتصاد المصري لحافة الانهيار ولم ير المصريون النهضة الإخوانية في 100 يوم ولا حتى خلال عام حكمهم والأهم أن المصريين لم يروا بوادر لتلك النهضة وتيقن المصريون أنها مجرد سراب أو خيالات كان القصد منها وفقط مداعبة مخيلة المصريين للاستيلاء على الحكم.

الإخوان وحافة الانهيار

حافة الانهيار تلك رصدتها المؤسسات الدولية، ويكفي الإشارة منها إلى تراجع التصنيف الائتماني للاقتصاد المصري على نحو ما تشير إلى مؤسسة “ستاندرد أند بورز” للتصنيف الائتماني. فخلال عام الإخوان سادت النظرة السلبية للاقتصاد المصري بل ووصل قبل نهاية العام إلى واحدة من أكثر درجات التصنيف الائتماني سوءا. الأمر الذي كان يشير إلى عجز الجماعة الواضح عن التعامل مع الأوضاع الاقتصادية، ويكفي أن نلاحظ أنه بعد خمسة أشهر فقط من ثورة يونيو بدأ التصنيف في التحسن، وبدأت النظرة المستقرة تهيمن على تصنيف الاقتصاد المصري، ولم يتراجع التصنيف إلا في مايو 2016 وهو ما تم علاجه بسرعة من خلال البدء بعملية الإصلاح الاقتصادي واتخاذ قرار تحرير سعر الصرف لتعود مرة أخرى النظرة المستقرة لتهيمن على تصنيف الاقتصاد المصري وتستمر في التحسن وبنظرة مستقرة حتى في ظل تداعيات أزمة كورونا بكل تأثيراتها السلبية على كافة الاقتصادات الدولية.

الشهادة السلبية للمؤسسات الدولية تجاه الاقتصاد المصري لم تأت من فراغ ولا عداء للإخوان، فدعم الإخوان كان حاضرا في الكثير من الدوائر الغربية، ولكنها مرآة عاكسة للأوضاع الاقتصادية السيئة في ظل حكم الإخوان. فقد تراجع معدل نمو الاقتصاد بواقع 0.1% عن الوضع قبل تسلم الإخوان للحكم، إذ وصل معدل النمو إلى 2.1% مقابل 2.2% في ظل الفترة التي أشرف عليها المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ووصل حجم الناتج المحلي الإجمالي في ظل الإخوان إلى 1.7 تريليون جنيه فقط، كما ارتفع الدين العام المصري في نهاية يونيو 2013، ليصل إلى 1.6 تريليون جنيه، بزيادة تجاوزت 25% عما كان قبل تسلمهم الحكم، إذ ارتفع الدين الداخلي ليصل إلى 1.4 تريليون جنيه، ووصلت قيمة الدين الخارجي إلى 43.2 مليار دولار بزيادة قدرها 10 مليارات دولار عما كان عليه الوضع قبل تسلمهم الحكم. أي أن الإخوان الذي وعدوا الشعب بجلب 200 مليار دولار اقترضوا خلال عام واحد 10 مليار دولار دون مردود يذكر على حياة المصريين. وفي ظل تلك الظروف وصل معدل البطالة إلى 13.3%، ومعدل التضخم إلى 9.4%.

ثورة يونيو وانتشال مصر من الانهيار

منذ ثورة يونيو بدأ معدل النمو في الارتفاع ووصل قبيل جائحة كورونا إلى 5.6%، كما انخفض معدل البطالة ليصل إلى 7.3% مقابل 13.3% في عام 2013، كما انخفض معدل التضخم ليصل إلى 5% مقابل 9.4% في عام 2013. أما حجم الناتج المحلي الإجمالي فقد ارتفع من 1.7 تريليون ليصل إلى 6.4 تريليون جنيه عام 2020 ومتوقع أن يسجل في عام 2021 حوالي 7.1 تريليون جنيه. أما احتياطي النقد الأجنبي فقد وصل في يناير 2013 إلى نحو 13.6 مليار دولار وهي أقل قيمة على الإطلاق يسجلها رصيد الاحتياطي النقدي المصري، ووصل في يونيو من العام نفسه إلى 14.9 مليار دولار، وفي أعقاب ثورة يونيو بدأ الاحتياطي الأجنبي في التزايد حيث بلغ في يناير 2014 حوالي 17.1 مليار دولار وشهد حالة من التذبذب نتيجة سحب الودائع التي جاءت بهدف دعم الإخوان وتثبيت حكمهم إلى أن وصل في أكتوبر عام 2016 أي قبيل قرار التعويم إلى حوالي 20 مليار دولار، ثم واصل الارتفاع بعد ذلك ليصل إلى 45.4 مليار دولار عام 2019 ومع تداعيات كورونا انخفض إلى 39.2 مليار دولار قبل أن يعود مؤخرا ويتخطى حاجز الـ 40 مليار دولار. أما معدل البطالة فقد بدأ في الانخفاض بشكل تدريجي حتى وصل إلى 7.3% أي أنه تراجع بنسبة 50% تقريبا عما كان عليه في عام الإخوان، وكذلك الحال بالنسبة لمعدل التضخم الذي كان قد بدأ في الارتفاع إلى أن بدأ رحلة التراجع منذ عام 2017 ليصل مؤخرا إلى5%، أي أنه تراجع بنسبة 50% تقريبا عما كان عليه أثناء عام الإخوان.

ملامح الجمهورية الجديدة

هذه الأرض الصلبة التي تم تدشينها وتمهيدها هي العامل الرئيسي الذي سمح للدولة بالانطلاق لاستكمال مراحل بناء الجمهورية الجديدة التي تليق بالمصريين ومن قبل ذلك القضاء على تلك المظاهر التي لا تليق بالمصريين ولا بحلم الدولة الجديدة.

البنية التحتية

فالجمهورية الجديدة كما يتصورها الرئيس السيسي لا يمكن أن يكون بها مثل هذا العدد من العشوائيات وقاطنيها الذي بات ظاهرة تمثل حرجا بالغا للمصريين بكل من تمثله من تداعيات خطيرة مجتمعيا واقتصاديا وأمنيا. فكانت ملحمة القضاء على العشوائيات وإنشاء صندوق العشوائيات والبداية كانت بالمناطق الأكثر خطرا على حياة المواطنين. فجاءت الأسمرات وغيط العنب وتل العقارب، وأهالينا، بشاير الخبر. وكانت النتيجة التخلص من ذلك الصداع المزمن بنجاح أشاد به برنامج الأمم المتحدة للإسكان نظريا وعمليا في أبريل 2021 بإطلاق البرنامج الإقليمي للقضاء على العشوائيات مستلهما التجربة المصرية. فالجمهورية الجديدة لابد أن تكون نموذج يحتذى لتعود مصر إلى موقعها في صدارة الدول النموذج أو الملهمة في المنطقة.

الجمهورية الجديدة يلزم بالضرورة أن تتلخص أيضا من عشوائية البناء وأن تخرج من الشريط الضيق الذي كاد يخنق أهلها، فكان أن تبنت الدولة إقامة العديد من المدن الجديدة بمعايير دولية، فجاءت العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين والجلالة ودمياط للأثاث وغيرها، والمستهدف كما تؤكد هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة التابعة لوزارة الإسكان والتعمير، إنشاء 44 مدينة جديدة بجميع المحافظات والأقاليم على مستوى مصر بالكامل في اطار المخطط الاستراتيجي القومي للبناء والتنمية العمرانية وكذلك خطة التنمية المستدامة للدولة 2030. وإلى جانب ذلك أطلقت الدولة المشروع غير المسبوق لتطوير الريف المصري الذي يمثل سكانه نحو 57% من سكان مصر يعيشون في 4741 قرية وتوابعها حوالي 31 ألف تابع أي عزبة وكفر ونجع، في إطار التغيير الجذري لحال وواقع قرى الريف من كافة جوانب البنية الأساسية والخدمات، والنواحي المعيشية والاجتماعية والصحية بشكل يتناسب مع الجمهورية الجديدة، وذلك بتكلفة مبدئية نصف تريليون جنيه، وذلك كله في اطار المبادرة الرئاسية الأشمل “حياة كريمة”.

 الخروج من الوادي الضيق لمدن جديدة وتعبيد الأرض للجمهورية الجديدة لم يكن ليمر إلا عبر رفع كفاءة شرايين الدولة وزيادتها بمعايير تتناسب ووضع الجمهورية الجديدة، فجاء المشروع القومي للطرق بالشكل الذي لم تعرفه مصر من قبل سواء في عدد الكيلومترات من الطرق التي تم إضافتها أو في مستوى وسرعة الأداء. المشروع القومي يستهدف إضافة 7000 كيلو متر من الطرق تم تنفيذ 4500 كيلومتر منها في المرحلتين الأولى والثانية، لتصبح إجمالي أطوال شبكة الطرق السريعة والرئيسية 30.5 ألف كيلومتر في الجمهورية الجديدة أي بزيادة قدرها 30% بعد أن كانت 23.5 ألف كيلومتر في يونيو 2014. الملمح الأخر من ملامح الدولة القديمة الذي كان يجب التخلص منه هو مشكلة الطاقة بكل روافدها. فبعد معاناة المصريين من انقطاع الكهرباء وتوقف المصانع بسببها باتت مصر تتمتع بفائض في الكهرباء وتصدره للخارج وأصبح لديها أكبر محطات لتوليد الكهرباء في العالم إضافة إلى دخول عالم الطاقة البديلة واكتشافات الغاز التي حققت الاكتفاء الذاتي وصولا إلى أن تصبح مصر مركزا إقليميا للطاقة.

الجمهورية الجديدة وبناء الإنسان

الجمهورية الجديدة أدركت منذ البداية أن عمود الخيمة الذي ترتكن إليه هو الإنسان المصري. ومن ثم لم يكن ممكنا أن يظل وضعه الصحي والتعليمي على ما هو عليه. فلم يكن ممكنا مثلا الحديث عن دولة جديدة بينما يعاني مواطنوها من انتشار فيروس سي بشكل كانت منظمة الصحة العالمية تقدره بنحو 22%، فأطلق الرئيس حملة “100 مليون صحة” أجرت الفحص لـ 60 مليون مصري كشف أن معدل الإصابة حوالي 3%. وفي يوليو 2020 أعلنت وزارة الصحة أن مصر تستعد للحصول على الإشهاد الدولي من منظمة الصحة العالمية كأول دولة في العالم تستطيع القضاء على الفيروسات الكبدية وعلى رأسها فيروس “سي”. وتشيد منظمة الصحة العالمية بالتجربة المصرية في مواجهة فيروس سي باعتباره أكبر مسح في تاريخ الإنسانية يتم إجراؤه لأحد الأمراض المعدية من حيث السرعة والجودة والكفاءة وعدد المنتفعين بالمجان. ثم توالت المبادرات الرئاسية في مجال الصحة مثل الكشف على تلاميذ المدارس لأمراض السمنة والتقزم والقضاء على قوائم الانتظار في العمليات الجراحية والكشف عن سرطان الثدي والأهم بدء الدولة في تحقيق الحلم الذي طال انتظاره وهو التأمين الصحي الشامل. وإجمالا فإن زيادة المخصصات للإنفاق على الصحة تعكس التوجه نحو الاهتمام بصحة المصريين. إذ زادت ميزانية الصحة بنسبة 183%، فارتفعت من 33 مليار جنيه في 2013 لتصل إلى 93.5 مليار جنيه 2020.

المحور الثاني لبناء الإنسان والاستثمار فيه هو التعليم، فأطلق الرئيس السيسي مبادرة “نحو مجتمع مصري يتعلم ويفكر ويبتكر” عام 2014، التي جاء في إطارها مشروع تطوير التعليم وإطلاق مشروع “بنك المعرفة المصري” عام 2015، الذي يعد أكبر مكتبة رقمية في العالم. وكما في الصحة فإن ميزانية التعليم تعكس الأولوية التي توليها الدولة للتعليم، إذ زادت ميزانية وزارة التربية والتعليم بنسبة 146%، لتصل إلى 157.6 مليار جنيه في عام 2020 مقابل 64 مليار جنيه عام 2013. كما وصلت ميزانية التعليم العالي إلى 65% بزيادة قدرها 160% عما كان عليه الحال قبل سبع سنوات. ووصل عدد الجامعات الحكومية إلى 27 جامعة، إضافة إلى 8 جامعات تكنولوجية تم الانتهاء من ثلاثة منها، علاوة على أربعة جامعات أهلية، هي جامعة الجلالة، جامعة الملك سلمان بن عبد العزيز بجنوب سيناء بفروعها الثلاثة في مدن شرم الشيخ، الطور، رأس سدر، جامعة العلمين الدولية، جامعة المنصورة الجديدة. 

الجمهورية الجديدة تحتل الأن المرتبة الـ 19 بين أكبر 20 اقتصاد في العالم لعام 2020، وفقا لصندوق النقد الدولي، وثاني أكبر الاقتصادات العربية، كما يتوقع لها تقرير الموقع الإخباري البريطاني “love money” في فبراير 2021 أن يقفز إلى المركز السابع بحلول عام 2030، واصفا مصر، عقب التطور الذي ستشهده على المستوى الاقتصادي بكونها “أعلى متسلق من مسافة كهذه، انتقالًا من المركز الـ١٩ إلى المركز الـ٧”.

في مجال التعليم قفزت مصر 11 مركزا دفعة واحدة في التنصيف الدولي للتعليم قبل الجامعي، وفق مؤشر المعرفة العالمي، فيما تحسن تصنيف مصر في التعليم الفني، بعدما تقدمت 23 مركزا خلال عام واحد، وبعد أن كانت مصر في المركز 106 خلال عام 2017، أصبحت في الترتيب الـ83 عام 2020، من إجمالي من 138 دولة شاركت في التصنيف. كما تقدمت مصر 13 مركزاً في مؤشر جودة البنية التحتية، وفي مؤشر جودة الطرق قفزت مصر 90 مركز لتصل إلى المركز 28 عام 2019، بعدما كانت في المركز 118 عام 2014. وتصاعد مؤشر كفاءة الحوكمة منذ عام 2015 حتى عام 2020 بنحو 9 درجات. كما ارتفع مؤشر كفاءة المؤسسات 12 مركزا، وفي الوقت نفسه ارتفع مؤشر الملكية الفكرية 5 مراكز. كما تقدم المشروع القومي للتحول الرقمي  بمصر في مؤشر الشمول الرقمي 2020 الصادر عن مؤسسة “رولاند بيرجر”، لتكون ضمن أسرع 10 دول نموا فى مجال الشمول الرقمي 2020.

الجمهورية الجديدة والخطاب الديني

الجمهورية الجديدة بزغ فجرها على وقع هتافات “يسقط حكم المرشد” تعبيرا عن رفض استغلال الدين في السياسة ومحاولات فرض نموذج أو فهم للدين غريب على الدولة المصرية، فكان أن دعا الرئيس لضرورة تجديد الخطاب الديني والعودة بمصر إلى دينها الوسطي ورحابتها التي تتسع للجميع. فقضت الدولة بسياستها على إمكانية استخدام ورقة الفتنة الطائفية لخلخة تماسك المجتمع. فتحت الدولة بجرأة شديدة ملف المسيحيين بترميم كل الكنائس التي حرقها الإخوان وتخلصت من عبء الخط الهمايوني وصدر القانون رقم 80 لسنة 2016 بشأن تنظيم وبناء وترميم الكنائس، وشهدت العاصمة الإدارية الجديدة إنشاء أكبر كاتدرائية في الشرق الأوسط هي كاتدرائية ميلاد المسيح جنبا إلى جنب مع مسجد الفتاح العليم. وأنهى الرئيس تردد الرؤساء السابقين في التواجد مع المسيحيين في أعياد الميلاد وكان أول من زار الكاتدرائية المرقسية بالعباسية وجعل من تلك الزيارة تقليدا لا ينقطع. وفي المجال السياسي تزايد عدد الأقباط في مجلس النواب ليصل إلى 39 نائبا في انتخابات 2015 و37 نائبا في انتخابات 2020 مقابل 12 فقط في انتخابات 2011 و10 نواب في انتخابات 2010. 

الجمهورية الجديدة والدور الإقليمي

وبما أن السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية، فإن تطور الأوضاع الداخلية والأرض الصلبة التي تقف عليها الدولة المصرية الجديدة داخليا وجد صداه أيضا في السياسة الخارجية والدور الإقليمي لمصر. فمصر التي غابت طويلا عن قيادة محيطها الإقليمي وبدت شبه معزولة فور ثورة 30 يونيو تقدمت بخطى حثيثة لاستعادة كل علاقاتها الدولية سواء في الإقليم أو عبر دول العالم ولعبت دورها الفاعل في المنظمات الدولية حتى الدول التي ناصبتها العداء الصريح لسنوات بعد الثورة عادت مؤخرا لمصر التي استطاعت وحدها مجابهة الإرهاب مقدمة نموذج يحتذي في هذا المجال ولم تسمح لأحد بالمساس بأمنها أو بأمن مواطنيها وحياتهم، وحين تجرأ تنظيم داعش الإرهابي ونحر رقاب مواطنين مصريين في ليبيا كان الرد فوريا وقاسيا، وحين اقترب خطر المرتزقة في ليبيا كان خط سرت الجفرة باعتباره خطا أحمر كفيلا بإعادة دفة الأمور في ليبيا إلى المسار السياسي. عادت مصر إلى الحاضنة الإفريقية وعالجت ما كان من جفاء في علاقات مصر الإفريقية. العلاقات مع القوى الكبرى تحررت من شبهات التبعية التي كثيرا ما اتهمت بها، حتى فيما يتعلق بالسلاح نجحت مصر في تنويع مصادر تسليحها بشكل أدهش الجميع وباتت علاقاتها قائمة بالأساس على تحقيق المصالح المشتركة والندية الكاملة، ولم يعد القرار المصري مرتهن لأي طرف إقليمي أو دولي، وفي ذلك الإطار عادت مصر عاصمة أو قبلة للحل السياسي لقضايا وأزمات المنطقة، تعرف كيف تفرض رؤيتها واحترامها على الجميع.

إجمالا، فإنه إذا كانت ثورة 30 يونيو قد مثلت بزوغ فجر الجمهورية الجديدة فها هي شمس الجمهورية الجديدة تشرق بعد ثمان سنوات فقط مع الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة، محمولة على تحقيق انجازات غير مسبوقة تتعلق بالاقتصاد مرورا بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والفاعلية الإقليمية والدولية وانتهاء بالتخلص من تنظيم الجماعة ومرشدها ومكتب إرشادها ومندوبها في قصر الاتحادية بعد عام هو الأشد قسوة وخطرا على طبيعة الدولة المصرية كما عرفها وتوارثها وأحبها ودافع عنها المصريون منذ فجر التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى