سياسة

“تجميع وتصنيع بلازما الدم”… مشروع قومي بطابع استراتيجي

منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو 2014، ويحتل ملف الصحة مرتبة متقدمة في سلم أولوياته للنهوض بالدولة في إطار خطة شاملة للتنمية تغطي كافة القطاعات ومناحي الحياة، وهو ما ظهر في العديد من المبادرات الصحية التي تبناها، وحاز قطاع الأدوية على الاهتمام ذاته.

وفي هذا الإطار، قال الرئيس السيسي خلال تفقده المعدات المستخدمة في مشروع حياة كريمة لتطوير قرى الريف المصري، اليوم الأربعاء، “حلمت بمشروع مشتقات البلازما؛ الحلم بدأ وأنا وزير الدفاع ولم يتحقق طيلة السبع سنوات ولكن لم نيأس من الأمر وكان هناك إصرار على تحقيقه وربنا ساعدنا وخلال سنة ونصف مصر تشهد افتتاح أول مصنع لهذا المشروع، مؤكدًا أنه مشروع مهم وسيكون له أثار طبية على الدولة المصرية.

“بلازما الدم” أمن قومي

يدخل مشروع تجميع وتصنيع بلازما الدم ضمن مشروعات “الأمن القومي” ذات الطابع الاستراتيجي، فهو يُعد نقلة عالمية تدخل مصر ضمن الدول المتقدمة، ويتيح لها دخول المنافسة العالمية في هذه الصناعة التي تدر ربحًا بمليارات الدولارات، ويجعل من مصر سوقًا تقوم بالتصنيع للدول العربية والأفريقية إذ أنه سيكون أول مصنع في الشرق الأوسط والمنطقة بعد إيران وإسرائيل، كما أنه يساهم في توفير العملة الصعبة بالنظر إلى أن مصر تستورد مشتقات البلازما بمبالغ تتراوح بين 32 و35 مليون دولار سنويا، فضلًا عنما يمثله من أمل لكثير من المرضى الذين يعانون نقص الدم ومشتقات البلازما. ويساعد في نجاح هذا المشروع الكثافة السكانية الكبيرة في مصر.

ولإدراك مدى حيوية المشروع وأسباب وصفه بـ “القومي” و”الاستراتيجي”، ينبغي الإشارة إلى ثلاث حقائق مهمة:

تتعلق الحقيقة الأولى بطبيعة الدور العلاجي للبلازما (أحد مكونات الدم)، وهي مادة سائلة شفافة تميل إلى الاصفرار، وتشكل نحو 55% من إجمالي حجم الدم في جسم الإنسان، ولبلازما الدم دور مهم في انتقال الماء والاملاح والعناصر الغذائية مثل السكريات والفيتامينات والهرمونات والبروتينات إلى اجزاء الجسم التي تحتاجها، كما تودع الخلايا أيضًا نفاياتها في البلازما، والتي تساعد بدورها في إزالة هذه النفايات من الجسم.

وتحتوي البلازما على مكونات مهمة مثل الجلوبولين المناعي (الأجسام المضادة)، وعوامل التخثر (تجلط الدم)، وبروتينات الالبومين والفيبرينوجين، لذا فهي تدخل في بعض العلاجات مثل الألبومين، وفاكتور 8، وفاكتور 9، وإيميونوجلوبيلين، وحقن المناعة ivig، التي تستخدم في علاج العديد من المشاكل الصحية الخطيرة، مثل مرضى الهيموفيليا والثلاسيميا وأنيميا البحر المتوسط ممن يحصلون على مشتقات الدم باستمرار، ومرضى الكبد والتليف ومضاعفاته والتهاب البنكرياس، وحالات النزيف وسيولة الدم، وبعض أمراض القلب والحروق، وسرطان الدم وبعض أمراض الأعصاب والروماتيزم.

وعلى سبيل المثال، يُعد مرض الثلاسيميا شديد الخطورة على الأطفال، الذين انتهكت حقوقهم في العلاج طوال السنوات السابقة على أيدي الشركات متعددة الجنسيات بفرضها أسعار مبالغ فيها باتت عائقًا أمام الحق الدستوري في الحصول على الدواء وإتاحته. ويتجاوز عدد الأطفال المصابين بهذا المرض الـ 4 ملايين، يحتاج الطفل الواحد منهم ما يقدر بـ 300 ألف جنية سنويًا للعلاج وهو ما يكلف خزينة الدولة مبالغ طائلة.

والعلاج بالبلازما ليس جديدًا فقد لجأت بعض الدول لاستخدامه منذ سنوات طويلة، وبدا استخدامه عام 1901 لعلاج مرض الدفتريا بألمانيا، واستخدم في إسبانيا عام 1918 ضد وباء الانفلونزا، وثبتت فعاليته لدى المتعافين ضد أمراض معدية أخرى مثل الإيبولا عام 2014، وكذلك الحصبة والالتهاب الرئوي البكتيري وسارس. والبلازما ليست علاجًا لكنها تمنح المريض الوقت حتى يتمكن من صنع الاجسام المضادة الخاصة به، ويمكن أن يكون مفيدًا لكبار السن الذين لديهم أجهزة مناعية ضعيفة الاستجابة.

أما الحقيقة الثانية فتخص محدودية الإنتاج العالمي من البلازما، إذ إنها صناعة تتطلب مواصفات خاصة في جمع البلازما وتكنولوجيا التصنيع، ولا تتجاوز عدد الشركات العالمية التي تصنعها الـ 10 شركات تصدر لجميع دول العالم، ومنهم: “بيوتست” الألمانية، و”بي بيه إل” البريطانية، و”إل إف بي” الأمريكية، و”أوكتافارما” السويسرية، و”سي إس إل بيهرينج” الأسترالية، و”تاكيدا” اليابانية، و”جريفولز” الإسبانية.  

أمر آخر يتعلق بأن السوق المصرية تعتبر ضئيلة بالنسبة للسوق العالمية، حيث لا تتعدى 2٪، وهو ما يجعل الشركات العالمية المصنعة لهذه الادوية لا تكترث بتغطية السوق المصرية فهي تغطى السوق الأوروبية والأمريكية أولا ثم تقوم بالبيع لأعلى سعر. ومصر لا تستطيع المنافسة على السعر لأن هذه المستحضرات مسعرة جبريًا، ما يجعل المستوردين لا يستطيعون الاستيراد مع تغير سعر العملة والسعر الجبري.

وأخيرًا الحقيقة الثالثة ترتبط بمحدودية ثقافة التبرع بالدم في مصر، حيث لا يتجاوز عدد المتبرعين مليونًا و650 ألف سنويًا، بما نسبته 2.65% تقريبًا من إجمالي السكان، وهو ما أدى إلى ارتفاع نسب العجز في الدم من 40% إلى 50%, ما خلق سوقًا سوداء لتجارة الدم، وفقدان آلاف المرضى لأرواحهم نتيجة عدم الحصول على العلاج. في حين إن إتاحة كميات كافية من الدم يتطلب تبرع نحو 3% من إجمالي عدد السكان بانتظام.

ليست المرة الأولى

يجب الإشارة إلى أن مشروع تجميع وتصنيع بلازما الدم ليس الأول من نوعه في مصر، إذ كان مقام على أرض شركة “فاكسيرا” في السبعينيات ضمن خطة الدولة للاستعداد لحرب أكتوبر 1973، لكن ما أن انتهت الحرب توقف المصنع، وفشلت كل محاولات إعادته إلى العمل حتى عام 2001. وبدأت محاولات إحياء المشروع منذ عام 2009، عندما أعلنت شركة “فاريفارما” -أثناء انعقاد مؤتمر الجمعية الدولية لنقل الدم “16” – أنها تفكر في إنشاء مصنع لتصنيع مشتقات بلازما الدم في مصر في برج العرب، بتكلفة نحو 100 مليون يورو. لكن المشروع لم يرى النور وجاءت أحداث يناير 2011 لتتوقف كل مخططات التنمية في مصر بما في ذلك ما يخص المجال الصحي.

ومع تولي الرئيس السيسي الحكم واهتمامه بقطاع الصحة ضمن خطة التنمية الشاملة في الدولة، وظهور أزمة دواء عالمية بين عامي 2016 و2017 أدت لرفض الدولة الموردة لمصر تزويدها بمشتقات الدم عام 2016، وانعكاس ذلك بالسلب علينا فيما عُرف حينها بـ “أزمة النواقص”، التي شملت أغلب الأدوية خاصة الحيوية وأدوية مشتقات الدم كحقن “الأنتي آر إتش”، و”فاكتور 8” الخاصة بمرضى نزف الدم، إلى التفكير مجددًا في احياء تلك الصناعة بمصر، وقد تبنى الرئيس السيسي هذا المشروع وتابعه بنفسه.

وقد بينت أزمة فيروس كورونا أهمية مثل هذا المشروع، بعدما أظهر العلاج ببلازما المتعافين فعالية كبيرة على أعداد غفيرة من المصابين محليًا وعالميًا، وباتت هي علاج الأزمة باعتبارها مصل سريع يعمل على تعزيز قدرة الجهاز المناعي ومده بالأجسام المضادة للفيروسات. وتعد الصين من أوائل الدول التي قامت باستخدام بلازما المتعافين في علاج المصابين ثم اتجهت الكثير من الدول إلى استخدام البلازما، خاصة بعد اعلان إدارة الدواء والأغذية الأمريكية الموافقة على إجازة استخدامها على بعض الحالات الخطرة. وقد بدأت مصر تجربة حقن المصابين ببلازما المتعافين لعلاج الحالات الحرجة في مايو الماضي. وتشير التقارير إلى أن من تم حقنهم بالبلازما كانوا اقل عرضة للوفاة.

ومن المتوقع أن يُنفذ المشروع على ثلاثة مراحل تشمل؛ مراكز تجميع البلازما، والتصنيع لدى الغير بهدف إنتاج مشتقات البلازما، وإنشاء وبناء المصنع المحلي ونقل التكنولوجيا، ويرجع ذلك إلى أنه من الصعب القيام بالصناعة كاملة في خطوة واحدة. وبالتالي سوف تكون المهمة الأولى لمصر هي تجميع البلازما، وهو ما سيتطلب حملة كبيرة للحصول على 36 ألف متبرع دائم، خاصة في ظل تراجع ثقافة التبرع بالدم في مصر، وتستهدف الحملة في نهاية المطاف الحصول على 300 ألف متبرع سنويًا.

وهناك شروط للمتبرع منها أن يأتي للتبرع مرتين في الأسبوع طيلة سنة أو سنتين، علما بأن تبرعه لا يؤثر على جسمه أو على الدم، حيث يتم استخلاص البلازما فقط من الدم. وألا يقل وزنه عن 50 كيلوجرام، وأن يتراوح عمره بين 18 و55 عامًا، وألا يعاني من مشاكل صحية مزمنة بما في ذلك التهاب الكبد والايدز ومرضى السكر الذين يستخدمون حقن الانسولين، ومن يعانون من أمراض صدرية مزمنة أو نوبات قلبية، ومرضى الضغط المرتفع غير المنتظم. ويتم الكشف الطبي على المتبرع، وإجراء بعض التحاليل لاستبعاد الأمراض المعدية مثل التهاب الكبد وفيروس نقص المناعة البشرية والتحقق من وظائف الكبد.

وتهدف الحملة لجمع 100 طن بلازما بتكلفة 216 مليون و580 ألف جنيه، وهي كمية توفر 30% من احتياجات مصر من الألبومين، و100% من مستحضر فاكتور، و8% من احتياجات السوق المصري من الجاما بيولين المتعلق بالأمراض المناعية.

ويعقب ذلك بناء المصنع لإنتاج الأدوية والعلاجات المشتقة من بلازما الدم، بتكلفة حوالي 5.8 مليار جنية، تكون مهمته تغطية السوق المحلى في أول عام بإنتاج 60 طن سنويًا وهي الكمية التي تحتاجها مصر، ثم تصل إلى التصدير للدول العربية، ثم الأفريقية، حيث إن طاقة المصنع تكفي لإنتاج نصف مليون طن.

وتشارك في المشروع الشركة العربية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية “أكديما” كمساهم رئيسي في المشروع، فيما تتولى الشركة الإسبانية الإشراف والإدارة لجودة العملية وسلامتها وضمان التزام البنية التحتية والعمليات وفقا لمعايير الجودة والسلامة، إلى جانب بنك الاستثمار القومي. ومن المتوقع أن يتم ترخيص التركيبات من قبل الوكالات التنظيمية الدولية، مثل وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) أو برنامج بلازما الجودة الدولي (IQPP) التابع لجمعية علاجات بروتين البلازما (PPTA).

وتأسست “أكديما” عام 1976 بقرار جمهوري بغرض إنشاء وتطوير الصناعات الدوائية والمنتجات الطبية ومستلزمات صناعة الدواء في مصر والوطن العربي، وتبلغ عدد الشركات التابعة لها 18 شركة. وتلبي الشركة احتياجات السوق المحلي بالنسبة لأدوية الأورام وألبان الأطفال وتوفر 100% من الأنسولين، وتشارك كمورد رئيسي للأدوية في جميع المبادرات الرئاسية لدعم الصحة العامة، وتنتج 70% من الأدوية ضمن بروتوكولات علاج فيروس كورونا المستجد. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت في إفريقيا من خلال إنشاء مركز طبي مصري في أوغندا لتقديم الخدمات الطبية والعلاجية للأشقاء الأفارقة.

خطوات حكومية جادة

منذ طُرحت فكرة إقامة مشروع قومي لتجميع وتصنيع بلازما الدم، واتخذت الحكومة خطوات جادة لتوفير بنية أساسية ملائمة لإقامته، فعلى الصعيد التنفيذي، تقرر تطوير 20 مراكز لتجميع بلازما الدم ومشتقاتها، وقد تم تشغيل 10 مراكز بالفعل في العجوزة والفيوم وبنى سويف والمنيا وأسيوط وأسوان وطنطا والأقصر والإسكندرية والزقازيق، بما في ذلك التجهيز هندسيًا وإمداد المراكز بالأجهزة والمعدات وإعداد غرف التجميد إضافة إلى نظام الميكنة والتوظيف والتدريب على الجودة والاعتماد، وتنقسم الأجهزة والمعدات إلى كراسي تبرع وأجهزة فصل البلازما و”فريزرات” وأجهزة لحام. ويضم مقر تجميع البلازما 20 سريرًا للتبرع، و20 ماكينة فصل بلازما، وتتولى الممرضات الإشراف على أسرة التبرع، بعدد ممرضة على كل 4 أسرة، وتوفير مساعد لكل ممرضتين، بحيث يخضع مركز تجميع البلازما للمواصفات والمعايير الدولية لتصنيع البلازما.

وسيتم قريبًا افتتاح مركزين في سوهاج وقنا. وستتوالى الافتتاحات في باقي المحافظات حتى يكتمل العدد بواقع 20 مركزًا، وتهدف الحكومة الوصول إلى كل محافظات الصعيد.

وتشريعيًا، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون من خمسة فصول وثلاث وعشرين مادة بشأن “تنظيم عمليات الدم وتجميع البلازما لتصنيع مشتقاتها وتصديرها”، وينظم مشروع القانون عمليات الدم، وتجميع البلازما، وتصنيع مشتقاتها، وتسفيرها بقصد تصنيع مشتقاتها في الخارج، وإعادتها في صورة مستحضرات حيوية، واستيرادها وتصديرها كمادة خام أو في أي مرحلة من مراحل التصنيع.

ونص مشروع القانون على أنه لا يجوز القيام بتجميع بلازما الدم بغرض تصنيع مشتقاتها، إلا عن طريق مركز مرخص له، على أن يصدر بترخيص تشغيل مركز تجميع البلازما، وتجديده قرار من هيئة الدواء المصرية، مع مراعاة أحكام قانون الهيئة العام للتنمية الصناعية الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 2018، وبعد التنسيق مع هيئة الشراء الموحد. كما نص على صرف الدم، أو مكوناته، والبلازما بغرض علاجي، بالمجان، لمرضى أقسام العلاج المجاني بجميع المستشفيات التابعة للدولة.

ويحظر مشروع القانون الحصول على بلازما الدم إلا من متبرع لائق طبيًا، على أن تحدد اللائحة التنفيذية شروط التبرع وعدد مراته، وفقًا للحالة الصحية والعمرية للمتبرعين والشروط والأوضاع، التي يصير فيها المتبرع منتظمًا. كما يحظر الإفراج الصحي عن أي وحدات دم، أو مكوناته، أو البلازما، أو مشتقاتها المستوردة، أو المهداة، إلا بعد التأكد من خلوها من كافة الأمراض والفيروسات المعدية، التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الصحة، أو رئيس هيئة الدواء المصرية، بحسب الأحوال.

وضمن الخطوات الجادة لتوطين تلك الصناعة في مصر، افتتح السيسي مصنعًا لمشتقات الدم بالتعاون مع وزارة الإنتاج الحربي، ومشاركة الجانب الفرنسي، ليكون أكبر وأول مصنع لمشتقات الدم في أفريقيا والشرق الأوسط حيث يوفر أكثر من 33 مستحضرًا يساهمون في صناعة أدوية يحتاجها السوق المحلى، خاصة بأمراض الكبد الوبائي والإيدز والهيموفيليا.

ختاما، يمثل مشروع تجميع وتصنيع بلازما الدم في مصر نقلة نوعية للارتقاء بمستوى الرعاية الصحية في مصر، ويساهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه المنتجات الحيوية الاستراتيجية، فضلًا عما يوفره من فرص عمل في مجال الصناعة الدوائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى