أفريقياسياسة

دعم دائم لا يتوقف لدول حوض النيل.. مصر تشارك في إنشاء “سد واو” بجنوب السودان

كانت مصر سباقة في تقديم دعمها الكامل لجنوب السودان في جميع المجالات على المستويين الإقليمي والدولي، بعد استقلال الأخيرة عن جمهورية السودان في 9 يوليو 2011 بعد ستة أشهر من استفتاء تقرير المصير الذي صوّت خلاله الجنوبيون لصالح الانفصال بأغلبية ساحقة.

وبعد الاستقلال احترمت مصر الإرادة الشعبية لشعب جنوب السودان، وسارعت إلى إعلان دعمها لحقه في تقرير مصيره، والاعتراف بدولة جنوب السودان كدولة مستقلة، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها، ومشاركة وفد مصري رفيع المستوى في احتفالات إعلان الدولة التي أقيمت في جوبا.

وخلال الـ 7 سنوات الماضية شهدت العلاقات بين البلدين زخمًا في عدة مجالات كان المجال المائي في مقدمتها، ومثلت الفترة الأخيرة مرحلة جني ثمار سنوات التعاون، إذ افتتح وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبد العاطي محطة مياه الشرب الجوفية التي أنشأتها مصر بمنطقة “جبل ليمون” بجنوب السودان، وسط حفاوة كبيرة من مواطني المنطقة.

 وستوفر المحطة مياه الشرب لأهالي المنطقة واستخدامات الثروة الحيوانية بالمنطقة، وتشتمل محطة مياه الشرب الجوفية على بئر بعمق 100 متر مزود بطلمبة شمسية وخزان بسعة 36 متر مكعب لتخزين المياه، وخطوط مواسير بأطوال مختلفة تنتهي بصنابير مياه عامة لاستخدام الأهالي بهدف توفير مياه الشرب النقية لسكان المنطقة.

كما تم الانتهاء من الدراسات الفنية والاقتصادية للبدء في إقامة “سد واو” والتي كانت قد وقعت وزارتا المواد المائية والري في مصر وجنوب السودان، بروتوكولًا للتعاون الفني في مجال الموارد المائية، يتضمن مشروع إعداد دراسات جدوى إنشاء سد واو المتعدد الأغراض بجنوب السودان والذي كان قد انتهى الجانب المصري من دراسات الجدوى لإنشائه وأيضًا الانتهاء من الدراسات الهيدرولوجية والجيولوجية والبناء الخاصة بموقع السد وبحيرة التخزين وكذلك الدراسات الخاصة بالترسيبات؛ وتم تسليم تلك الدراسات كاملة للجانب الجنوب سوداني. 

ماذا عن سد واو؟

يقع المشروع على نهر سيوي أحد فروع نهر الجور الرئيسي بحوض بحر الغزال، وعلى مسافة 9 كيلومتر جنوب مدينة واو بجنوب السودان، ويهدف مشروع السد للمساعدة في البنية التحتية والقواعد التنموية لجنوب السودان، لتوليد الكهرباء وتوفير مياه الشرب لنحو 500 ألف نسمة في واو، فضلاً عن مياه الري الكافية لزراعة على الأقل 30 ألف فدان، ويمكن أن يساهم سد واو في انتظام الملاحة النهرية على مدار العام والحماية من خطر الفيضانات، وذلك في إطار دعم مصر لدولة جنوب السودان.

ويذكر أن إنشاء سد واو يهدف لتوليد 11 ميجاوات من الكهرباء، وسعته التخزينية 2 مليار متر مكعب، وسيستفاد من مياهه في الري التكميلي لحوالي 30 – 40 ألف فدان، ويأتي مشروع السد في مدينة واو الشمالية الغربية كجزء من 26.6 مليون دولار من المساعدات التي تعهدت بها مصر لجنوب السودان.

علمًا بأن هذه ليست المرة الأولى التي تساهم فيها القاهرة في إنشاء السدود بدول حوض النيل، فسبق سد “واو” العديد من السدود مثل “سد أوين” في أوغندا، و “خزان جبل الأولياء” في السودان، و”سد روفينجي” في تنزانيا.

أما عن فوائد “سد واو” للجنوب السوداني: فتنبع من وفرة المياه في دولة جنوب السودان بسبب تشبع أرضها بالمياه نتيجة لتعدد الأنهار بالإضافة لكثرة هطول الأمطار وكثافتها لفترة طويلة من العام؛ فيوجد بها تجمع لمياه النيل في منطقة بحر الغزال، إذ يسقط عليها 540 مليار متر مكعب من المياه سنويا، منها 15.5 مليار متر مكعب من روافد النيل الأبيض و 18.5 من روافد السوباط.

وعلى جانب آخر، نجد أن جنوب السودان تتميز بمساحات شاسعة من المستنقعات الناشئة بسبب انخفاض معامل انحدار المياه مما يجعلها تنتشر أفقيا ما يؤدي لفقدان كميات هائلة من المياه تقدر بعشرات المليارات من الأمتار المكعبة، الأمر الذي جعل لبناء سد واو أهمية استراتيجية كبرى، من حيث الاستفادة من كميات المياه الهائلة المهدرة وتعميق الاستفادة منها لجنوب السودان عامة ولمدينة واو بصفة خاصة.

جهود تنموية ممتدة

جهود الدولة المصرية الرائدة في مجال الموارد المائية والري في جنوب السودان واضحة وممتدة، فعملت مصر على: 

– المشاركة في مشروعات كبيرة مثل إزالة الأعشاب، واستصلاح الأراضي، وتدريب وتنمية القدرات البشرية، وتطهير المجاري المائية خصوصًا أنهار الناصر وبحر الجبل وبحر الغزال، لتسهيل الاتصال بين أجزاء الدولة، وتنمية الأراضي الزراعية المحيطة، وتقليل كميات البخر للمياه.

– إنشاء المعمل المركزي في جوبا لتحليل نوعية المياه، وإنشاء محطة مياه في مدينة واو، ومرسى نهري في ولاية واراب بقيمة إجمالية 800 ألف دولار أمريكي.

– إلى جانب الاتفاق وتوقيع بروتوكولات تعاون بين مصر ودولة جنوب السودان وبحث سبل التعاون المشترك بين وزارة الموارد المائية والري وولاية غرب بحر الغزال، حيث تم الاتفاق على البدء في تنفيذ مشروع المزرعة النموذجية على مساحة 100 فدان بولاية غرب بحر الغزال بالتنسيق مع المراكز البحثية ووزارتي الخارجية والزراعة المصرية، فضلا عن الاستفادة من الخبرات المصرية في مجال الري والمنشآت المائية والتنبؤ بتساقط الأمطار بالإضافة لعقد عدد من الدورات التدريبية للكوادر الفنية بجنوب السودان، وفتح الأسواق أمام حركة التجارة المصرية وزيادة فرص الاستثمار بجنوب السودان الشقيق.

– بالإضافة لتنفيذ مصر مشروع تأهيل محطات قياس المناسيب والتصرفات الرئيسية بجنوب السودان حيث تم الانتهاء من تأهيل محطات قياس (ملكال- جوبا- واو) كمرحلة أولى بتكلفة قدرها 685 ألف دولار، وكان قد تم الاتفاق على حفر 30 بئرًا جوفيًا لتأمين مياه الشرب النقية لمختلف ولايات جنوب السودان.

– كما تم الانتهاء من تنفيذ عدد من المشروعات كان من بينها تركيب وحدة رفع لنقل مياه الأنهار للتجمعات السكانية القريبة من المجاري المائية، بجانب حفر 17 بئرا جوفية وثلاثة آبار مياه شرب، بالإضافة إلى الانتهاء من ثلاث محطات لقياس منسوب المياه في مدن ملكال وجوبا وواو.

وإلى جانب التعاون المائي عملت مصر أيضًا على توطيد أواصر العلاقات مع جنوب السودان في مجالات عدة منها: 

دعم دولة جنوب السودان، في احتواء وحلحلة النزاعات العرقية أو الدينية.

في مجال الزراعة والأمن الغذائي، تتعاون مصر مع جنوب السودان في إقامة مشروعات مشتركة في المجال الزراعي، وإقامة مشروعات اقتصادية وثقافية بدعم مصري من أجل مساعدة جنوب السودان؛ كان أخرها دراسة لإنشاء مزرعة مصرية متكاملة للإنتاج النباتي والحيواني والداجني والسمكي في جوبا على مساحة 2500 فدان، وإنشاء نظام محكم للحجر الزراعي والحجر البيطري فضلا عن التعاون في مجال تحسين السلالات والاصناف النباتية ذات الجودة العالية والبحث العلمي الزراعي.

– فيما يتعلق بالتعاون في المنشآت العلمية، يوجد في جنوب السودان فرعين لجامعتي الأزهر والإسكندرية في جوبا، وتم مؤخرًا الاتفاق على إقامة فرع لجامعة القاهرة في جوبا، بالإضافة لتقديم مصر منحًا دراسية لطلاب جنوب السودان في مختلف المجالات.

ختامًا، تكتسب العلاقات بين مصر وأفريقيا بصفة عامة ومصر وجنوب السودان بصفة خاصة أهمية بالغة؛ فعلاقة مصر مع جنوب السودان ممتدة حتى قبل انفصالها ولمصر رصيد كبير في كافة أشكال التنمية بجنوب السودان وخاصة التنمية المائية، فبناء سد واو غرب بحر الغزال هو مشروع متكامل لإدارة وتنمية موارد المياه، حيث سيوفر مياه شرب عذبة ونظيفة، ويولد الكهرباء ومياه الري لسكان مدينة واو، وسيتيح تخزين حوالي ملياري متر مكعب من المياه بدلًا من ضياعها في المستنقعات لأنها ستخرج بشكل منتظم وبالتالي لا تُفقد في المستنقعات، بما يولد 11 ميجا وات من الكهرباء في العام. كما أن لجنوب السودان أهمية مائية بالنسبة لمصر نظرًا لما تتمتع به من وفرة مائية حيث تهطل الأمطار بغزارة عليها لفترة تستمر 180 يوما في السنة، وبالتالي فهي تسجل أعلى معدلات لتساقط الأمطار في المنطقة وتقوم عليها الزراعات المطرية وأنشطة الرعي، مما يفتح مجال التعاون بين جنوب السودان ومصر التي تستطيع تقديم المساعدات الفنية لها في مجالي الزراعة والري وحفر الآبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى