أفريقيا

الحرب في “تيجراي” تدفع نحو إرسال قوات دولية إلى إثيوبيا

تداولت الصحف العالمية أمس الاثنين أنباء سيطرة مقاتلي جبهة تحرير “تيجراي” على عاصمة الإقليم “ميكيلي” من جديد، وفرار المسؤولين الذين كلفهم آبي أحمد بإدارة الإقليم بعد إعلانه الانتصار في معركته ضد قادة التيجراي التي اندلعت منذ نوفمبر الماضي.

وأشارت التقارير المختلفة الصادرة عن جهات رسمية وغير رسمية خلال الستة أشهر الماضية إلى أن الأوضاع الإنسانية في الإقليم قد تدهورت بشكل كبير بسبب الحرب على الإقليم لدرجة قد تصل إلى أسوأ مجاعة خلال عِقد كامل فضلاً عن عمليات التهجير والنزوح القسري والتعذيب والاعتداء الجنسي التي عانى منها مواطنو التيجراي. فهل يقود تحول الموقف إلى جلسة علنية عاجلة لمجلس الأمن توصي بإرسال قوات دولية لحفظ السلام في الإقليم الإثيوبي المشتعل؟

الموقف الدولي الحالي من الانتهاكات في تيجراي

دعت اليوم الثلاثاء كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وإيرلندا إلى عقد جلسة علنية طارئة لمجلس الأمن لمناقشة الأوضاع في إقليم تيجراي الإثيوبي، ومن المتوقع أن تُعقد هذه الجلسة بحلول الجمعة القادم بعد موافقة فرنسا التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال شهر يوليو، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في ظل اعتبار كل من روسيا والصين وبعض دول إفريقيا أن الصراع في تيجراي شأن إثيوبي داخلي، إلا أن ذلك لن يعوق عقد الجلسة حيث لن يتمكن الأعضاء الدائمون من استخدام الفيتو، كما ستكون موافقة تسع دول من بين الخمسة عشر دولة الأعضاء كافية لعقد الجلسة.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها دعوة مجلس الأمن للانعقاد لمناقشة أزمة الإقليم الإثيوبي، فقد عقد المجلس ست جلسات خلف الأبواب المغلقة منذ اندلاع الصراع في نوفمبر الماضي، كانت آخرها في الخامس عشر من يونيو الجاري بدعوة من إيرلندا، وقد ناقشت هذه الجلسة الانتهاكات التي يرتكبها الجنود الإريتريون ضد مواطني الإقليم، حيث جاء في تصريحات مسؤول المساعدات “مارك لوكوك- Mark Lowcock” أن الجنود الإريتريين الذين دخلوا إلى إثيوبيا لمساعدة القوات الحكومية يستخدمون سلاح “التجويع” في حربهم ضد سكان الإقليم، ما يهدد حياة أكثر من 350 ألف مواطن كما جاء في تقرير وكالات الأمم المتحدة والمسؤولين عن وصول المساعدات هناك، كما أنهم يلجؤون إلى الاغتصاب الممنهج لترهيب النساء والفتيات.

C:\Users\m.elsayed\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\EU Parliament.jpg

وسبق هذه الجلسة بيان مشترك للاتحاد الأوروبي في العاشر من يونيو الجاري جاء فيه أن 5.2 مليون مواطن من بين ستة ملايين يعيشون في تيجراي يواجهون الجوع ويحتاجون مساعدات غذائية عاجلة. وعلى الرغم من دعوات الاتحاد الأوروبي المستمرة لإنهاء الصراع والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية للإقليم، إلا أن الحكومة الإثيوبية تفرض مزيداً من القيود التي تمنع عمال الإغاثة من الوصول للفئات الأكثر عرضة للخطر، ويضاف إلى ذلك لجوء القوات الحكومية للعنف الجنسي والقتل العرقي وتدمير ممتلكات المواطنين والمرافق الصحية في الإقليم.

ودعا البيان كل أطراف الصراع والمجتمع الدولي للحد من آثار هذه الأزمة لما لها من تأثير كبير على استقرار منطقة القرن الإفريقي، وأكد على ضرورة وقف إطلاق النار والتزام الأطراف المتنازعة بالقانون الإنساني الدولي وانسحاب القوات الإريترية من الإقليم، مع تقديم المجتمع الدولي المساعدات اللازمة للإقليم.

علاوةً على ذلك، فقد أثار تصريح وزير الخارجية الفنلندي ومبعوث الاتحاد الأوروبي “بيكا هافيستو- Pekka Haavisto” حفيظة المسؤولين الإثيوبيين، حيث قال في الثامن عشر من يونيو الجاري أن القادة الإثيوبيين تعهدوا في اجتماع مغلق فبراير الماضي بالقضاء على مواطني التيجراي لمدة مائة عام قادمة، الأمر الذي دفع الخارجية الإثيوبية لتكذيبه في بيان رسمي واصفين تصريحاته بالهلوسة. وقد أصدر الاتحاد الأوروبي بياناً في نفس اليوم أكد فيه على أن إثيوبيا تمر بفترة صعبة من العنف في جميع أنحاء البلاد وانتهاكات لحقوق الإنسان واعتداء على الإعلاميين والمعارضين، هي القناعات التي دفعته للانسحاب من الإشراف على الانتخابات التي أجريت جزئياً في الحادي والعشرين من يونيو الجاري.

ولم يتوقف الأمر عند الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولكن امتد ليشمل كندا واستراليا واليابان ونيوزيلندا الذين أصدرت سفاراتهم بياناً بشأن العملية الانتخابية في إثيوبيا، وطالبوا بحوار وطني شامل للتوصل إلى حلول سلمية بدلاً من اللجوء لقمع واعتقال المعارضين، الأمر الذي سيؤدي إلى تقليل حدة الصراعات في جميع أنحاء البلاد.

يتضح بذلك أن المجتمع الدولي على دراية تامة بما يحدث من انتهاكات إنسانية في إقليم تيجراي، ويسعى عدد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتقديم حلول فعالة لوقف الصراع الذي يهدد حياة أكثر من 350 ألف مواطن، ولكن يبدو أن الحوار مع الحكومة الإثيوبية الحالية لتمرير المساعدات لا يجدي نفعاً، كما أن التحول الذي حدث بالأمس والذي أسفر عن سيطرة جبهة تحرير تيجراي على عاصمة الإقليم وإعلان الحكومة الإثيوبية وقف إطلاق النار من طرف واحد سيفرض شكلاً مختلفاً من أشكال التعامل مع الأزمة.

متى يرسل مجلس الأمن قوات لحفظ السلام؟

C:\Users\m.elsayed\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\مجلس الأمن.jpg

وفقاً للقرار رقم (1674) الذي اتخذه مجلس الأمن منذ إبريل 2006 فإن ” جميع أعمال العنف الجنسي وغيرها من أشكال العنف ضد المدنيين في الصراعات المسلحة، خاصةً ضد الأطفال والنساء، تقتضي تطبيق جميع عمليات دعم السلام لكافة التدابير الممكنة لمنع ارتكاب أعمال العنف ومعاجلة أثرها”، ويتضمن القرار أن الهجمات الموجهة ضد موظفي الأمم المتحدة والمشاركين في بعثات إنسانية تقتضي محاكمة المسؤولين عن هذه الهجمات وتسليمهم. وانتهى القرار بأن “تعمد استهداف السكان المدنيين وغيرهم من الأشخاص المشمولين بالحماية، وارتكاب انتهاكات منتظمة وسافرة وواسعة الانتشار للقانون الإنساني الدولي، وقانون حقوق الإنسان في حالات الصراع المسلح، قد يشكلان تهديداً للسلام والأمن الدوليين”، ما يعني أن كل الانتهاكات التي تقوم بها القوات الإثيوبية والإريترية والقوات المسلحة لجبهة تحرير تيجراي تتطلب تدخلاً عاجلاً لحماية المدنيين المهددين والذين يُمارس ضدهم كل أشكال العنف والترهيب.

ويمنح ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية للحفاظ على السلام والأمن الدوليين، وللوفاء بهذه المسؤولية، قد يعتمد المجلس مجموعة من التدابير، بما في ذلك تشكيل عملية حفظ السلام تابعة للأمم المتحدة.

ويمكن لمجلس الأمن حل النزاعات وتسويتها وفقاً لما يلي:

  • الفصل السادس “حل المنازعات سلمياً”: وهنا يجب على أطراف أي نزاع من شأن استمراره أن يعرض حفظ السلم والأمن الدولي للخطر أن يلتمسوا حله بطريق التفاوض والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارها. ويمكن للمجلس أن يفحص أي نزاع قد يؤدي إلى احتكاك دولي أو قد يثير نزاعاً لكي يقرر ما إذا كان استمراره من شأنه أن يعرض للخطر حفظ السلم والأمن الدولي
  • الفصل السابع “فيما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان”: يقرر مجلس الأمن ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان، ولمجلس الأمن أن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئياً أو كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية. ويجوز له بعد ذلك أن يتخذ بطريق القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي أو لإعادته إلى نصابه.
  • الفصل الثامن” التنظيمات الإقليمية”: يستخدم مجلس الأمن التنظيمات والوكالات الإقليمية في أعمال القمع، كلما رأى ذلك ملائماً ويكون عملها حينئذ تحت مراقبته وإشرافه. أما التنظيمات والوكالات نفسها فإنه لا يجوز بمقتضاها أو على يدها القيام بأي عمل من أعمال القمع بغير إذن المجلس.

بالتالي، فإن ما أسفرت عنه الحرب في تيجراي يستوجب تدخلاً عاجلاً من مجلس الأمن، حيث ارتُكبت جميع الانتهاكات التي نص عليها القرار (1674) من أعمال العنف واستهداف السكان المدنيين واستهداف المشاركين في البعثات الإنسانية، وهو ما يمثل تهديداً للسلام والأمن الدوليين، خاصةً في ظل تدخل القوات الإريترية، ولم تراعي القوات الإثيوبية الإريترية أو جبهة تحرير التيجراي القانون الإنساني الدولي، كما أن جميع محاولات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لوقف هذا الصراع الدموي لم تحقق نتائج إيجابية، علاوةً على أن طرفي النزاع يرفضان اللجوء للحل السلمي من خلال التفاوض، حيث لا يعترف قادة جبهة تحرير تيجراي بشرعية حكومة آبي أحمد التي اعتبرت الجبهة جماعة إرهابية خارجة عن القانون. 

ترتيباً على ما سبق، يمكن القول إن جلسة مجلس الأمن المزمع عقدها بنهاية الأسبوع الجاري يمكن أن تتوصل إلى فرض تدخل دولي لمنع الصراع الذي يهدد حياة مواطني التيجراي، ويهدد تماسك الدولة الإثيوبية التي يؤدي وضعها الحالي إلى حالة من عدم الاستقرار في منطقة القرن الإفريقي بالكامل، ولكن ذلك القرار يرتبط بعدم استخدام روسيا أو الصين الفيتو ضده وإعادة الأمور إلى المربع صفر من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى