آسيا

“فورين بوليسي” تربط مستقبل “الآسيان” بأزمة “ميانمار”

عرض – فردوس عبد الباقي

بدأ أحد تحليلات مجلة “فورين بوليسي” بتساؤل عما إذا كان يمكن لرابطة الآسيان الازدهار وسط تفاقم القضايا الإقليمية من بحر الصين الجنوبي حتى أزمة ميانمار، خاصًة أنها بعدما تأسست في عام 1967 لتعزيز الاستقرار الإقليمي والنمو الاقتصادي، لم تصل لمستوى التكامل الذي وصل له الاتحاد الأوروبي، ولا تسعى كي تكون كذلك. على الرغم من ذلك، أوضح التحليل أنها نجحت في الحفاظ على سلام المنطقة إلى حد كبير عبر الحوار وبناء الثقة بين أعضائها، مما سمح لدول جنوب شرق آسيا بالتركيز على الاستقرار المحلي والتنمية الاقتصادية.

ذكر التحليل أن الرابطة تواجه تحديات داخلية وخارجية قوية، تظهر في تنامي قوة الصين وسلوكها العدواني في بحر الصين الجنوبي، ومنافستها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وعلى المستوى الداخلي، تكشف أزمة ميانمار منذ الانقلاب في فبراير عن أكبر تحدي تواجهه الرابطة حتى الآن، لأنه حتى لو استطاعت الرابطة إدارة سياسات القوى العظمى، لكنها بحاجة ماسّة للتعامل مع أزمة ميانمار التي يمكن أن تجتاح المنطقة، ومن ثم تحدد مستقبل الرابطة الاستراتيجي.

تبنّت الرابطة ميثاقًا في عام 2007 ساهم في وجود إطار مؤسسي يدعم التنسيق بين أعضائها في إطار متعدد الأطراف قادر على العمل الاستراتيجي بعدما كان مجرد منتدى حكومي دولي فضفاض. لكن هذا الميثاق يعد سلاح ذو حدين، إذ أنه يُلزم الدول الأطراف بعد التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء والالتزام بسيادة القانون والحكم الرشيد ومبادئ الديمقراطية والحكم الدستوري.

ففي الوقت الذي ترفض الرابطة أي تغيير غير دستور في حكومة أحد الأعضاء، لكنها تحترم شؤون الدول الداخلية، وهذا يعكس تعارض مبادئ الآسيان مع بعضها البعض، وظهر ذلك تناقض المواقف بين الدول الأعضاء حول أزمة ميانمار، التي تسببت في صدمة في أنحاء المنطقة، لأنه في حالة تفاقمها قد تؤدي إلى موجات من اللاجئين وانتشار الجريمة المنظمة مثل تهريب المخدرات.

لهذا، يعتبر التحليل أن ما يحدث في ميانمار لا يخصها وحدها، وبناءً عليه عُقدت قمة خاصة في 24 أبريل بحضور زعيم الانقلاب في ميانمار، وصدر عنها توافقًا من خمس نقاط بشأن ميانمار، منها ما تؤكد عليه الآسيان من وقف العنف، وإيصال المساعدات الإنسانية من خلال مركز تنسيق المساعدة الإنسانية التابع للرابطة، وبدء حوار سياسي شامل. ثم الدعوة لإرسال مبعوث خاص عن الرابطة لميانمار.

لكن لم يكن هناك أي تقدم ذي مغزى بسبب استخدم “تاتماداو” مشاركة زعيم المجلس العسكري في الاجتماع كأداة دعاية محلية للإيحاء بأن النظام الجديد تم قبوله في المنطقة. ومن جانب آخر، يستمر العنف في ميانمار الذي نتج عنه مقتل أكثر من 870 شخصًا واعتقال أكثر من 6100 شخص حتى الآن.

في إطار إظهار التعارض في المبادئ وتنافس النفوذ، أشار التحليل إلى أن سنغافورة وتايلاند كانتا العضوين الأكثر تعرضًا للخطر والأكثر نفوذًا على ميانمار، نظرًا لعلاقاتهما الاقتصادية والعسكرية الواسعة. لكن إندونيسيا، التي لا تملك أي نفوذ على ميانمار، كانت بشكل مستمر تدفع الرابطة لمناقشة الأزمة والظهور فيها، وعلى الرغم من فيتنام ولاوس وكمبوديا أعربت عن دعمها لحل سلمي للأزمة، إلا أنها كانت هادئة إلى حد كبير. كما ظهر تناقض الفلبين التي اعتبرت الأزمة في البداية شأن داخلي، لكنها شاركت في الاجتماعات.

الأهم من ذلك، فإن بروناي التي تتولى حاليًا الرئاسة الدورية للرابطة لم تكن قوية بما يكفي، إذ يبدو أن قادة بروناي غير سعداء لأن الأزمة دفعت بأجندة رئاستهم إلى الهامش. وبعد شهرين تقريبًا من اجتماع جاكرتا، لم تقم بروناي بعد بتعيين مبعوث خاص. وبدلاً من ذلك، تبدو بروناي راضية عن السماح للمجلس العسكري باختيار المبعوث من قائمة المرشحين. كما تم انتقاد ما يسمى بورقة مفهوم المبعوث الخاص ببروناي لأنها تُقصر مهمة المبعوث على دور الوساطة فقط على سبيل المثال رغم أنه العمود الفقري لمشاركة الآسيان. واقترح التحليل المضي قدمًا في مخرجات الاجتماع بشكل منفصل، بمعنى تقديم مساعدات إنسانية دون الحاجة إلى انتظار التقدم السياسي.

وبناءً عليه، لم يرجح التحليل اكتمال العملية الشاملة لرصد ووقف العنف وتقديم المساعدات وتسهيل الحوار في أقل من عامين، كما أن احتمال وجود مهمة مفتوحة لاستعادة الديمقراطية في ميانمار يجعل بعض قادة الآسيان غير قابلين. وقد يكون هذا أيضًا السبب الرئيسي الذي جعل تعيين المبعوث الخاص – من صلاحيات بروناي – محفوفًا بالتأخيرات وابتُلِت بآراء متباينة، لأنه ليس أمام رئاسة بروناي سوى ستة أشهر، ولن يكون لجهوده معنى لأن جهوده تستلزم الانخراط في جهد متعدد السنوات.

هناك اختلاف بين الأعضاء حول ما إذا كان المبعوث الخاص يحتاج إلى مساعدة وإشراف، إذ يقترح البعض تقديم المشورة والتنسيق لجميع الأطراف، ويقترح آخرون تشكيل اللجنة الثلاثية للرابطة المكونة من ممثلين عن فيتنام وبروناي وكمبوديا لتنسيق الجهود وضمان الاستمرارية.

كما يظهر الاختلاف بين الأعضاء حول دور الأطراف الخارجية -مثل الصين واليابان والهند وروسيا والولايات المتحدة- بما يؤدي إلى تفاقم الأزمة، لأن هذه الدول تتمتع بنفوذ أكبر على ميانمار عن الآسيان، مما يعني أن عدم وجود استراتيجية منسقة سيؤدي إلى نتائج عكسية.

اختتم التحليل بأنه على المدى القصير، تتحمل بروناي مهمة كبرى تتمثل في الحفاظ على توافق الآراء من الانقسام أكثر. ولكي تزدهر الآسيان على المدى الطويل، فإنها تحتاج إلى مراجعة ميثاق الآسيان بجدية، وتوضيح المبادئ المتضاربة وتبسيط التعاون. وإذا فشلت الرابطة في تحقيق نتائج خلال الأسابيع المقبلة، ينبغي للمجتمع الدولي أن يبحث عن خيارات أفضل لمساعدة شعب ميانمار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى