علوم وتكنولوجيا

قبل أن تُصدق كل “ما تراه عيناك”.. ماذا يطير في سماء العالم؟!

بتاريخ 2016، أنتجت قناة ناشونال جيوغرافيك، القناة الشهيرة بإنتاج أفلام وثائقية ذات جودة عالية؛ سلسلة حلقات تحت مُسمى، “غزو الأرض: الأجسام الغامضة”، والذي أشار صانعه في مُقدمته إلى أن ربما تبدو الأحداث المُتداولة به مستوحاة من الخيال العلمي، ولكن تظل الحقيقة أنه يوجد هناك عددًا هائلاً من الحالات التي يصعب شرحها. وليس هذا فقط في الولايات المتحدة الأمريكية فقط، ولكن في العالم أجمع كذلك. وفي ذلك التاريخ، كَتب صناع سلسلة الوثائقيات، “اليوم، وللمرة الأولى، نحاول إنشاء أطلس للأجسام الطائرة المجهولة الهوية- أو بمعنى آخر خريطة الأجسام الطائرة المجهولة الهوية”.

كانت سلسلة الوثائقيات تُناقش حالات الاحتكاك الأقرب بين بشر –في الأغلب طيارون- وأجرام طائرة مجهولة المصدر، ولا تشبه الطائرات، وتخلو من أي محركات نفاثة.  بالإضافة إلى مشاهدات السكان المحليون لهذه الأجسام الطائرة. وحاز الوثائقي على إعجاب الكثير من الفضوليين حول العالم، ومن هؤلاء المؤمنون بشيء ولو ضعيف من الأمل في احتمالية وجود عوالم أخرى تقف وراء هذه الأجسام.  وعلى مدار سنوات، ظل الأمر كذلك، لا يخرج عن كونه أكثر من مجرد شيء مدون في الأفلام الوثائقية، ودرب من دروب الخيال العلمي الذي أقترب منه البشر حد الجنون في الكثير من الأفلام الهوليودية التي كانت تصور حيوات أخرى يحاول أبطالها الاقتراب من الأرض لاستكشافها في سرية تامة.

لكن بوسعنا القول، إن يوم 25 يونيو 2021 قد شَهد تحولا محوريا في أحداث هذه القصص الكثيرة والمتتالية. وقد حدث ذلك بمجرد أن خرجت الأمور إلى العلن ولأول مرة، بشكل رسمي كذلك. حدث ذلك بعد أن خرج تقرير حكومي أمريكي حول طبيعة هذه الأجسام الطائرة المجهولة إلى العلن. قيل من خلاله إنه محللي الدفاع والاستخبارات الأمريكيون يفتقرون إلى البيانات الكافية لتحديد طبيعة هذه الأجسام الطائرة الغامضة، التي لاحظها الطيارون العسكريون الأمريكيون، بما في ذلك ما إذا عدم قدرتهم على تحديد ما إذا كانت هذه تقنيات أرضية أو محتمل أن تكون ترجع إلى أصل غير أرضي!

واشتمل التقرير الذي رُفعت عنه السرية، ويتألف من تسع صفحات، والذي تم إصداره وتحويله للكونجرس وإتاحته كذلك أمام الجمهور على 144 ملاحظة، معظمها تم تدوينها من أفراد البحرية الأمريكية. وجميعهم يسردون ما تُطلق عليه الحكومة الأمريكية “ظاهرة جوية غير مُحددة”، وهي الظواهر التي بدأت منذ عام 2004 ولازالت مستمرة حتى الوقت الراهن.

وفي التقرير، تم تصنيف هذه المشاهدات كتقييم اولي، وقد تم تجميعها من قبل مكتب مدير المخابرات الوطنية بالاشتراك مع فرقة عمل بقيادة البحرية أنشأها البنتاجون العام الماضي. وفي التقرير، ورد أن هذه المشكلة تم تصنيفها كتحدي أمن قومي لأنها مشكلة تتعلق بسلامة الطيران، علاوة على أنها ظاهرة تفتقر إلى أي تفسيرات ممكنة.

ووفقا لما نشرته وكالة أنباء رويترز، يُعد هذا التقرير نقطة تحول كبيرة بالنسبة للحكومة الامريكية، وذلك بعد أن أمضى الجيش عقودًا برمتها في تشتيت وتشويه سمعة ملاحقي الأجسام الطائرة المجهولة والتي يُطلق عليها “صحون طائرة”، ويعود تاريخ ظهورها الأول إلى الأربعينيات من القرن الماضي.

واشتمل التقرير على بعض حالات الأجسام الطائرة، التي ظهرت في خلال مقطع فيديو مسجل من قِبَل طيارين بحريين يُظهر فيه طائرات غامضة تُحلق قُبالة السواحل الشرقية والغربية للولايات المتحدة، وتُظهر سرعة وقدرة كبيرة على المناورة، بشكل يتجاوز تقنيات الطيران المعروفة في العالم أجمع حتى اللحظة الراهنة، كما كان من اللافت للانتباه افتقارها إلى أي وسائل دفع أو محركات أو حتى أسطح تحكم في الطيران.

وذكر التقرير أن جميع المشاهدات تم تسجيلها لأجسام مُبهمة تمامًا، باستثناء حالة واحدة فقط، تُعزى إلى بالون كبير مُفرغ من الهواء، وهذه الحالة أيضًا تظل في منأى عن أي تفسير مُحتمل وتحتاج للمزيد من التحليلات.  وفيما يتعلق بالـ 143 حالة الأخرى، فقد وجد التقرير أنه يوجد القليل جدًا من البيانات المتاحة لاستنتاج ما إذا كانت تُمثل نظامًا جويًا غريبًا تم تطويره إما من قِبَل الحكومة الامريكية أو كيان تجاري، أو من قِبَل قوة أجنبية خارجية مثل روسيا او الصين. لكن يعود التقرير ليسرد أن هناك ملاحظات تقول إن هذه الأجسام تُظهر أنماطًا غير عادية وخصائص متطورة للغاية في الطيران، لكن هذه الملاحظات أيضا هي ما يقول عنها التقرير أنها بحاجة للخضوع لتحليل صارم. علاوة على ذلك، ذكر مسؤولون أمريكيون أنه من غير المُستبعد أن تكون هذه الأجسام في الحقيقة تعود إلى أصول خارج الأرض، إلا أن لغة التقرير نفسه قد تجنبت الإشارة الى هذه الاحتمالات. لكن في الوقت نفسه أشار أحد المسؤولون إلى أن فريق العمل الذي تم تشكيله، ليس الغرض الأساسي منه تقييم احتمالات البحث عن حياة خارج كوكب الأرض. موضحًا، “أنه من بين التقارير الـ 144 التي نتعامل معها، ليس لدينا مؤشرات واضحة حول وجود أي تفسير غير أرضي لها، لكننا سنذهب إلى حيث تأخذنا البيانات”. لذلك اشتمل التقرير على خمس فئات تفسيرية محتملة لطبيعة هذه الأجسام، من ضمنها: “ظواهر الغلاف الجوي الطبيعية، وبرامج تطوير الصناعات الأمريكية المتطورة، وأنظمة الخصوم الأجنبية، وفئة “أخرى” وتلك تشتمل على كل شيء”. وأضاف المسؤول الأمريكي إن النتائج الأولية، لا تُقدم أي مؤشرات واضحة، تدل على أن هذه الأجرام تعد جزء من معلومات استخباراتية اجنبية أو تمثل طفرة في التقدم التكنولوجي لدى أحد الخصوم الأجانب.

جدير بالذكر، أن طيارين عسكريين أمريكيين لطالما تعرضوا لمشاهدات وثيقة بمثل هذه الأجسام، إلا أن جميع هذه المشاهدات ظل طي الكتمان خوفًا من التعرض للسخرية. كما أن هذه لا تُعد هي المرة الأولى، التي يتم فيها توثيق، هذه الحالات بشكل رسمي من قبل الولايات المتحدة. فقد أجرى سلاح الجو الأمريكي من قبل تحقيقات أطلق عليها “المشروع الأزرق” صدرت في عام 1969. وانتهت هذه التحقيقات إلى أن جمعت قائمة بعدد 12618 مشاهدة، انطوى عدد 701 منها على أشياء ظلت غير معروفة حتى الآن.

ومن اللافت للانتباه كذلك، إلى أن جميع الحوادث الموثقة لهذه الأجسام كانت تقول إنها أجسام تعكس تكنولوجية متطورة للغاية، تطير بسرعات فائقة قد تصل في الكثير من الأحيان الى ثلاثة أضعاف سرعة الطائرات الموجودة في الوقت الحالي. علاوة على ذلك، يقول الطيارون اللذين تعرضوا لهذه الحوادث، إن هذه الأجسام تقوم بعمل حركات مستحيلة فيزيائيًا!

وفي إبريل عام 2020، أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية مقاطع فيديو قالت إنه تم تصويرها من قبل البحرية الأمريكية. وخلال الشهر الماضي، استضافت شبكة “سي.بي.إس” الأمريكية الشهيرة، طياران سابقان في البحرية الأمريكية ليخبرا قصة مشاهدتهما لجسم غريب فوق المحيط الهادئ قالا عنه إنه كان يُقلد تحركاتهما. ووصفه أحد الطياران بأنه جسم صغير وأبيض ومستطيل إلى حد ما، وكان يسير بسرعة كبيرة وحادة بحيث كان من الصعب استنتاج الاتجاه الذي كان الجسم سيتحرك إليه، أو الطريقة التي كان يناور بها، أو حتى نظام الدفع المستخدم. ووفقًا لشهادة “أليكس ديتريش”، طيار البحرية السابق، “لم يكن الجسم يخرج منه أي أثر لدخان أو واضح أو قوة دافعة مرئية، لم يكن يحتوي على أي أسطع ظاهرية للتحكم في الطيران والمناورة بالطريقة التي كان الجسم يقوم بها في مناوراتنا”. 

إذا، نعرف من كل ما سبق، إنه توجد هناك احتمالات قوية تُبرهن على وجود حياة من نوع غير مُكتشف بالنسبة لنا بعد في أبعاد كونية أخرى بعيدة لا نفقه عنها شيئًا حتى اللحظة. لكن للوقوف على حقيقة هذا الأمر، ربما لايزال يوجد لدينا كبشر الكثير لنقطعه على طريق البحث العلمي. وربما لا يزال مجمل ما وصلنا إليه من علوم يضعنا في موقف عجز تام عن استكشاف حقيقة العوالم الموجودة –في حال وجدت- خارج إطار مداركنا.

اغلب الظن، إن أمرًا كهذا يتشابه واختلاف العلم حول نشأة الخليقة الأولى. فقد ذهب الملحدون من العلماء، اللذين أنكروا وجود الله، إلى احتمالات أخرى بعيدة تمام البعد عما ذهبت اليه الأديان السماوية الثلاث. وكذا الحال، في هذه الحالة موضع البحث والتأمل. إذا تركنا لوهلة رأي العلم الغامض الذي وحتى اللحظة لم يتوصل إلى شيء، ووجهنا وجهنا بدلاً عنه صوب رأي الدين. فسوف نرى أن موقف الدين الإسلامي من هذه المسألة قد يتم تأويله في الآية الثامنة من سورة النحل؛وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ{.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى