سياسة

التعليم الفني في مصر و”إشكالية تطويره”

باتت قضية التعليم الفني من أُولى القضايا التي تهم الحكومات ليس فقط في مصر بل على مستوى العالم أجمع، ويعود ذلك الى اتجاه معظم الدول الى التنافس فيما بينهم في الاستحواذ على عجلة الاقتصاد العالمي، والتي تتطلب توفر أيدي عاملة تتسم بالمهارة والدقة. ولعلنا نستطيع القول بأن المدارس الفنية هي المُوَرد الرئيسي للأيدي العاملة المدربة. ويكتسب التعليم الفني في الوقت الراهن اهمية خاصة في ظل الضرورات الحتمية التي تفرضها التحديات العالمية المعاصرة، ومجتمع المعرفة الذي أصبح يطرح اشكالا جديدة للعمل، ويتطلب تخصصات غير نمطية لا يوفرها التعليم العالي.

وفي مصر؛ يوجد احتياج متصاعد للأيدي العاملة المدربة، ويعود ذلك إلى محاولة مصر توسيع رقعة الأراضي الزراعية بالإضافة إلى التوسع في المنشآت الصناعية، والمشاريع القومية الكبرى، وذلك يعني زيادة الطلب على الأيدي العاملة المدربة جيدًا مما يزيد العبء على مؤسسات الدولة التعليمية المختصة.

فوفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء وصلت مساحة الأراضي المنزرعة عام 2017/2016 الى 9.1 مليون فدان منهم 59.2 ألف فدان تم استصلاحهم فقط في عام 2017/2018. بينما وصلت عدد المنشآت الصناعية في الربع الرابع من عام 2018 الى 3163 منشأة، 314 منشأة بالقطاع العام / الأعمال العام بنسبة 9.9 %مقابل 2849 منشأة قطاع خاص بنسبة 90.1%. بعدد مشتغلين قوامها 883940 مشتغلًا ما بين قطاع عام وخاص.

ولعلنا نُلخص أزمة التعليم الفني في مصر في قضية تدني نظرة المجتمع إلى التعليم الفني بصفته يجمع هؤلاء الطلبة الذين لم يُحالفهم الحظ في الحصول على مجموع عالي في الشهادة الإعدادية مما يحول دون التحاقهم بالتعليم العام.

وبالتالي تنعكس هذه النظرة على جودة التعليم والتدريب المقدم لهم. وتتجلى الأزمة في صعوبة العثور على فني ماهر للعمل في مصنع ما، أو فني سباكة او نجارة، تلك المهن عشوائية المنشأ حتى الآن وتعتمد على الخبرات المورثة من الآباء الى الأبناء وليس بناء على تعليم وتدريب جيد.

التعليم الفني في أرقام

 تنقسم المجالات المندرجة تحت مظلة التعليم الفني في مصر الى التعليم الفني الصناعي، التعليم الفني التجاري، التعليم الفني الفندقي، التعليم الزراعي. ووفقًا للنشرة السنوية للتعليم قبل الجامعي للعام الدراسي 2017/2018 الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؛ تبلغ قوة العمل طبقًا للحالة التعليمية بالنسبة الى التعليم المتوسط فني وعام حوالي 34.8%، بينما تبلغ 4.6% لحملة المؤهل فوق المتوسط وأقل من الجامعي.

أهداف استراتيجية 2030 في (محور التعليم والتدريب)

تهدف استراتيجية مصر 2030 (محور التعليم الفني والتدريب) الى مخاطبة جانبي العرض والطلب وتمكين نظم الحوكمة وتفعيل دورها في التخطيط والمتابعة والتنفيذ. فزيادة الطلب على خدمات التعليم والتدريب تستلزم أن يكوم التعليم والتدريب مرغوبًا فيهما نتيجة لوجود قيمة مضافة حقيقية وواضحة من العملية التعليمية والتدريبية. ويتم ذلك من خلال توفير تعليم يتصف بالجودة العالية على مستوى المعلم والمناهج ومسايرة نظم التعليم والتعلم للمعايير العالمية مما يزيد من تنافسية التعليم الفني والتدريب في مصر.

أما جانب العرض فيتطرق الى توفير جانب التعليم والتدريب لجميع الطلاب دون تمييز، شاملًا الإناث والذكور والريف والحضر أخذًا في الاعتبار التوزيع الجغرافي للأنشطة الاقتصادية ولجميع العاملين في شتى القطاعات. هذا الى جانب مبدأ الحوكمة الذي يضمن وضوح دور الوزارة والهيئات المختلفة في التخطيط والمتابعة والتنفيذ دون تضارب في المصالح. لذلك تم وضع ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسة تحتوي على أهداف فرعية تحدد التوجه الاستراتيجي للتعليم والتدريب.

 ما تم إنجازه من أهداف الاستراتيجية حتى 2020

وفقًا لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، جاء التقدم واضحا فيما يتعلق ببعض المستهدفات مثل وضع سياسات لتحفيز مشاركة القطاع الخاص في التمويل المتعلق بالقطاع، ولتزويد المدارس بالتكنولوجيا الملائمة والمرافق اللازمة لتحسن الأداء التعليمي، ووضع سياسة من شأنها فرض رسوم تخصص لموازنة التعليم في المحليات بحيث تدعم تمويل بناء المدارس في نطاق المحليات، وذلك لتعظيم مفهوم الاكتفاء في المحليات.

 إضافًة الى أنه تم تطوير برنامج دراسي كامل للوجستيات وفق منهجية الجدارات من خلال مشروع   USAID-WISE)، وتم تحويل برنامج تدريبي عن ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة إلى منهج دراسي تم تدريسه العام الدراسي 2016/2017 بشكل انتقائي، قبل أن يتم تدريسه لجميع الطلاب بعد إعداد كوادر المدربين. أيضًا تم إصدار القرار الوزاري رقم (229) بتاريخ 11/8/2016 لدمج الطلاب ذوي الإعاقة البسيطة بمدارس التعليم الفني، وتم إنشاء دبلومات فنية متخصصة للمهن والحرف التراثية بدعم من مؤسسة اليونسكو” يونفوك”.

علاوةً على انه تم العمل على تطوير وضبط نظام القبول في برامج التعليم المهني (80% عملي)، وتطوير وضبط نظام القبول في برامج التعلم مدى الحياة (نظام العمال). ولعل أبرز ما تم إنجازه في ملف التعليم الفني والتدريب هو التوسع في مدارس التكنولوجيا التطبيقية الجديدة.

مدارس التكنولوجيا التطبيقية الجديدة

تعد مدارس التكنولوجيا التطبيقية تطويرًا جوهريًا لمنظومة التعليم والتدريب المزدوج بمصر، ويتمحور هدفها الأساسي إنشاء وتشغيل مدارس فنية بالشراكة بين وزارة التربية والتعليم والقطاع الخاص. ويبلغ عدد المدارس التطبيقية يبلغ حاليا 17 مدرسة وطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي زيادتها الى 50 مدرسة بنهاية عام 2020 أبرزها؛ مدرسة B-TECH للتكنولوجيا التطبيقية، مدرسة الإنتاج الحربي للتكنولوجيا التطبيقية، مدرسة العربي الثانوية للتكنولوجيا التطبيقية، مدرسة السويدي الثانوية للتكنولوجيا التطبيقية، مدرسة إيجيبت جولد الثانوية.

التحديات الأساسية التي تواجه التعليم الفني والتدريب

•           ندرة المعلمين في بعض التخصصات وضعف كفاءة توزيعهم ويظهر ذلك نتيجة زيادة تشعب التخصصات.

•           تدهور النظرة المجتمعية للعمل المهني والفني ويحتاج الأمر الى تغيير نظرة المجتمع عن التعليم الفني من اعتباره وسيلة لاستيعاب الفاشلين من التعليم العام الى التركيز على دوره في معالجة البطالة والارتقاء بالاقتصاد.

•           التفاوت في التغطية الجغرافية والنوعية نتيجة غياب آلية تربط التخصصات في التعليم الفني والتدريب والتوزيع الجغرافي والنوعي للصناعات، وقد أدى غياب هذه الآلية الى عدم تناسب التخصصات مع ظروف المجتمع.

•           تفاوت توزيع المدارس ومراكز التدريب وفقًا للعوامل الجغرافية واحتياجات الصناعة.

•           محدودية استعداد المدارس ومراكز التدريب للاعتماد حيث هناك متطلبات مالية متمثلة في توفير الموارد من فصول وورش عمل ومراكز للتدريب، الى جانب وجود متطلبات بشرية من كوادر تدريسية وتدريبية مدربة وكفء.

•           ضعف القوانين المُلزمة بالحصول على رخصة مزاولة المهنة للخريجين.

•           غياب خطة واضحة تربط احتياجات سوق العمل ومتطلبات التعليم والتدريب، مما يؤدي الى عدم التوازن بين العمالة الحرفية والفنيين والمهندسين من ناحية واحتياجات سوق العمل من ناحية أخرى.

وختامًا،

•           من الضروري إيجاد محفزات للالتحاق بالتعليم الفني، مع ربط احتياجات السوق الفعلية بعدد الخريجين وتخصصاتهم.

•           رفع الحد الأدنى للقبول بالمدارس الفنية وذلك مسايرة لعرف المجتمع حتى يتم تعديل النظرة المتدنية للتعليم الفني

•           توفير مشروعات مدعمة للخريج بحسب تخصصه لحل مشكلة البطالة وتحسين النظرة المجتمعية لهم مع الارتقاء بجودة حياتهم على ان تُراعى فكرة توزيع التخصصات النوعية على المحافظات كلً حسب الطبيعة الجغرافية والميزة النوعية لكل محافظة.

•           نشر الوعي بأهمية الحرف والمهن الفنية واحترام القائمين عليها مع ضرورة إيجاد هيكل تنظيمي مُلزم لهم. 

•           أهمية تنظيم إنشاء المدارس المتخصصة في مناطق الاستصلاح مثل مناطق الاستصلاح الزراعي او أماكن مشاريع الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي.

•           تعزيز التعاون مع القطاع الخاص، وإعداد منظومة تدريبية تستهدف تبني رجال الأعمال لعدد من الخريجين يتم تدريبهم في مصانعهم وشركاتهم، فمثلًا يتبنى رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة عدد من الخريجين بهدف تدريبهم في مصانع الصلب والحديد على ان يتم تشغيل المتميزين منهم،

المراجع

•           التعليم الفني.. ودور محوري في دفع مسيرة التنمية، الهيئة العامة للاستعلامات، الثلاثاء، 17 يناير .2017

•           (التخطيط) تستعرض ما تم تحقيقه من مستهدفات استراتيجية (رؤية مصر 2030)، الهيئة العامة للاستعلامات.

•           رؤية مصر 2030، وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.

•           استراتيجية التنمية المستدامة- مصر 2030، رئاسة مجلس الوزراء.

•           الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، مصر في أرقام 2020- التعليم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى