دول المشرق العربي

“رسائل قمة بغداد”.. شراكة استراتيجية عربية مستقبلية

استقبل رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح الرئيس عبد الفتاح السيسي في مطار بغداد الدولي اليوم 27 يونيو 2021، كما كان في استقباله رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في قصر الزقورة في بغداد، التقى الرئيس السيسي برئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي على هامش القمة التي تعقد بين مصر والأردن والعراق، ترتيبا على ما سبق من اتفاقات ولقاءات رسمية نحو تفعيل مشروع “المشرق الجديد” أو “الشام الجديد” بين الدول الثلاث، وتعد زيارة الرئيس السيسي أول زيارة لرئيس مصري للعراق منذ ثلاثين عامًا.

يرافق الرئيس وفد يضم وزير الخارجية سامح شكري واللواء عباس كامل، وتعد هذه القمة الثالثة بعد قمة عمان في 25 أغسطس 2020، وسبقها قمة القاهرة مارس 2019، ويأتي ذلك في سياق التنسيق والتعاون المشترك بين الدول الثلاث رغبة في إعادة إعمار العراق، واستعادتها مرة أخرى إلى محيطها العربي. ويحاول الكاظمي تحقيق الاستقرار والأمن في العراق ومواجهة الإرهاب والتطرف، بالإضافة إلى مواجهة الفساد وتحقيق التنمية إلا أن ذلك يواجه عدد من التحديات داخلياً وخارجياً.

إضافة إلى التعاون الثلاثي، هناك تنسيق على المستوى الثنائي، فقد كانت زيارة الكاظمي الأولى إلى مصر منذ توليه الحكومة، ويرجع ذلك إلى العلاقات التاريخية والاستراتيجية بين مصر والعراق حيث وقفت العراق بجانب مصر في حرب أكتوبر 1973 ووقفت مصر بجانب العراق في حربها ضد إيران خلال الفترة 1980-1988، وكانت مصر من أوائل الدول المستضيفة لمؤتمر دول جوار العراق في شرم الشيخ في 2007، لذا يعد التعاون في هذه اللحظة رغبة في ترسيخ التعاون بين مصر والعراق لاسيما بعد النجاح الذى حققته مصر في مجال التنمية ومكافحة الإرهاب، فضلا عن الاستفادة من التعاون في مجال الغاز، فمصر دولة محورية في مجال الغاز في الوقت الحالي بعد اكتشافات شرق المتوسط، أيضا الاستفادة من التجربة المصرية في تحقيق التنمية في وقت قياسي في ظل استمرار بعض التحديات والعراقيل وكذلك الاستفادة من الكهرباء المصرية. رغبة في بناء عراق جديد وهو الهدف القائم الذي يعمل عليه الكاظمي في ظل استمرار التحديات وانتقال المقاتلين الأجانب إلى مناطق أخرى في العراق.

ملاحظات أساسية

  • تعد قمة بغداد اليوم خطوة مكملة لما تم التوصل إليه في السابق في إطار مشروع الشام الجديد وهو بمثابة مشروع للتكامل الإقليمي بين مصر والأردن والعراق، سوف يعود بالنفع على الدول الثلاث، وذلك لمحورية الدول الثلاث وقدراتها حيث القوة النفطية التي تتمتع بها العراق، والموقع الاستراتيجي للأردن الذي يربط بين العراق ومصر، بالإضافة إلى القدرات العسكرية التي تتمتع بها مصر والإرادة الفاعلة التي تمتلكها بقيادة الرئيس السيسي.
  • مشروع الشام الجديد ليس وليد اللحظة، لكن سبق طرحه أثناء حكومة حيدر العبادي لكنه توقف آنذاك، ويتم إنشاء خط نفط من البصرة إلى الأراضي المصرية ويمر عبر الأردن، وتحصل مصر والأردن على تخفيضات بقيمة 16 مليار دولار للبرميل، وسوف تستفيد مصر من تكرير النفط على أراضيها، كما تستورد العراق الكهرباء من مصر والأردن، إضافة إلى تحقيق مزيد من الاستثمارات مع كل من مصر والأردن.
  • يتعلق المشروع بمعادلة توازن القوى في المنطقة، حيث يربط مصر بدول الشام جغرافياً عبر شبه جزيرة سيناء والتي تعمل الدولة المصرية على تحقيق التنمية الشاملة بها، ومن ثم المشروع سوف يكون له تأثير وثقل في المنطقة إذا تم الاستمرار به. وقد بدأ العراق بالربط الكهربائي مع دول الخليج وتم إنجاز 85% من العمل في العراق، وفي عام 2022 يتم اكمال الربط الكهربائي بالكامل مع الخليج، وكذلك الربط الكهربائي مع الأردن، وهناك نية لانضمام كل من سوريا وليبيا ولبنان إلى مشروع الشام الجديد الفترة القادمة.
  • تم الاتفاق في السابق على تشكيل لجنة فنية من الدول الثلاث تضم في عضويتها متخصصين في مجالات التجارة والصناعة والاستثمار والطاقة والقطاع الخاص، وتجتمع بشكل دوري كل 6 أشهر من خلال إعداد خطة للعمل وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه من مشروعات.
  • تم توقيع بروتوكول بين مصر والأردن والعراق لإنشاء خط برى بين الدول الثلاث، يبدأ من القاهرة ويمر بعمان وصولا إلى بغداد، وتقدر التذكرة للراكب بـ 130 دولار، بهدف تسهيل انتقال العمالة المصرية وكذلك الدراسين من هذه الدول إلى مصر.
  • على مستوى التعاون الثنائي بين العراق والأردن ووفقا لوزير الطاقة والثروة المعدنية إبراهيم سيف، تم البدء في تنفيذ خط أنبوب النفط من مدينة البصرة العراقية إلى ميناء العقبة، ويتم تصدير مليون برميل يوميا من الخام العراقي إلى الأردن منهم 150 ألف برميل لتشغيل مصفاة الزرقا، ويمتد خط انبوب النفط من مدينة النجف وبمحاذاة الحدود السعودية وصولا الى العقبة، على مسافة 1700 كيلومتر عبر مرحلتين، الأولى تمتد من البصرة إلى حديثة غرب العراق، والثانية تمتد الى ميناء العقبة لتصدير النفط إلى العالم.
  • تم الاتفاق بين الأردن والعراق على بناء أنبوب غاز كبير بموازاة أنبوب النفط المنوي اقامته، وسيجهز بمحطات للضخ كل 100 متر محطة سينقل نحو مليون برميل من النفط، يغطي احتياجات الأردن من النفط الخام والتي تقدر ب 150 ألف برميل يوميا، فيما سيتم نقل الكميات المتبقية من العقبة بالبواخر الى مصر وقسم آخر لدول لديها عقود مع العراق.
  • يمثل التفاهم الثلاثي بين هذه الدول، حائط صد في مواجهة التحديات التي تعرقل مشروع الشام الجديد. وتعكس القمة الإرادة المصرية والرغبة العربية في استمرار التعاون والتنسيق المشترك، ورغبة ملحة في استعادة العراق إلى محيطه العربي ودعمه في مواجهة التحديات.
  • تبقى عدد من التحديات الأمنية والسياسية التي ستواجه الشراكة بين مصر والأردن والعراق، لاسيما في ضوء الأحزاب المتصارعة داخل العراق، وانتشار الميلشيات الإيرانية والأسلحة، بالإضافة إلى عودة الإرهابين إلى مناطق جديدة في العراق، هذا فضلا عن تحديات في الداخل المصري والأردني، لكن تمثل الشراكة بين الدول الثلاثة دافعا لمواجهة هذه التحديات والقدرة على مواجهتها، ودعم كل منها للأخرى في مواجهة التحديات.

مخرجات القمة

  • عكست كلمات الرئيس برهم صالح في إطار القمة الحرص على تعزيز الروابط والعلاقات بين الدول الثلاث الفترة القادمة، وأن هناك إرادة عراقية في استعادة الدولة إلى محيطها العربي قائلاً “استقبلنا الاخوة، فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وجلالة الملك عبد الله الثاني، وعلاقاتنا الراسخة في التاريخ مُنطلق لمستقبل واعد لشعوبنا وشبابنا، رسالة بليغة وسط تحديات إقليمية جسيمة”. أيضا جاءت كلمته واضحة وعاكسة لدوافع التقارب قائلا ً”تعافي العراق يُمهد لمنظومة متكاملة لمنطقتنا أساسها مكافحة التطرف واحترام السيادة والشراكة الاقتصادية”
  • أيضا عكست كلمات الرئيس السيسي رسالة غير مباشرة عن دور القوى غير العربية وتدخلاتها في ملفات وأمن المنطقة ورغبة في التكاتف العربي لتحقيق أمن واستقرار دول المنطقة، قائلاً “نؤكد على صعوبة الاستقرار المرجو من دون إنهاء كل التدخلات الخارجية في ليبيا”.
  • تم عقد مؤتمر صحفي عقب لقاء القمة، وبعث كل من وزراء خارجية مصر والأردن سامح شكري وأيمن الصفدي والرئيس العراقي برهم صالح، برسائل مختلفة حول ما خرجت به قمة بغداد من حيث التوافق حول إعادة بناء عراق جديد، وتحقيق الاستقرار، وتحييد العراق عن أي خلافات إقليمية، أيضا استمرار التعاون في مجال الصناعة وإنشاء المدن الصناعية.
  • تم التشاور والتنسيق حول قضايا وملفات المنطقة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وأهمية تحقيق السلام الدائم والشامل، وضرورة الحل السياسي والسلمي للأزمة في سوريا، والعمل على وحدة واستقرار سوريا والقضاء على الإرهاب والتسوية السياسية في ليبيا وفقا لمؤتمر برلين وإخراج المرتزقة. هذا بالإضافة إلى مساندة الأردن والعراق لمصر في ملفها المائي، وبحث الموقف تجاه سد أثيوبيا، ودعم الموقف المصري والسوداني حول ضرورة الاتفاق على قواعد الملء والتأكيد على أن أمن مصر هو جزء من أمن الأردن، وأن أمن الأردن جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
  • تم الاتفاق على عقد القمة الرابعة في القاهرة الفترة القادمة في سياق التنسيق بين الدول الثلاث، إضافة إلى إقامة سكرتارية دائمة لتنسيق العمل بين الدول الثلاث، وهو ما يدلل على إصرار ورغبة في استمرار التعاون الفترة القادمة.

ختاما؛ يمكن القول إنه لا شك أن هذا المشروع وهذه الشراكة الاستراتيجية التي تعتزم الدول الثلاث على تحقيقها الفترة القادمة، سوف تواجه تحديات من قبل قوى إقليمية وعلى رأسها إيران وميليشياتها، وأن بقاء هذا المشروع واستمراره سوف يحتاج إلى دعم دولي وعربي من قبل بقية الدول الكبرى في المنطقة، وأن استقرار وتنمية الدول العربية سوف ينعكس بالإيجاب ويخدم مصالح الدول الأخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى