دول المشرق العربي

“الجولة الرابعة”.. بماذا تخبرنا “الزيارة التاريخية” للرئيس السيسي إلى بغداد؟

وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة العراقية بغداد، اليوم، 27 يونيو 2021، للمشاركة في فعاليات القمة الثلاثية بين مصر والعراق والأردن، مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، والملك عبد الله الثاني ملك الأردن، وذلك في إطار الجولة الرابعة لآلية التعاون الثلاثي التي انطلقت بالقاهرة مارس ٢٠١٩، وكان الرئيس العراقي برهم صالح في استقباله بمطار بغداد الدولي.

وعقد الرئيس العراقي جلسة مباحثات مع السيسي والوفد المرافق له والمكون من الوزير عباس كامل رئيس جهاز المخابرات العامة، ووزير الخارجية سامح شكري، في القصر الحكومي ببغداد.

وبعد انتهاء لقائه مع الرئيس العراقي، حظي السيسي باستقبال رسمي آخر من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي حيث أقيمت مراسم الاستقبال الرسمي واستعراض حرس الشرف.

تلى ذلك عقد جلسة مباحثات تمهيدية مع الكاظمي، فضلاً عن مناقشة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وتمثل زيارة السيسي للعراق حدثا تاريخيا كونها الأولى لرئيس مصري منذ 30 عاماً، فضلاً عن الوزن النسبي الكبير لمصر والعراق في معادلة القوة العربية بمنطقة الشرق الأوسط، استناداً على الإرث الحضاري الضارب في جذور التاريخ بواقع خمسة آلاف عام على أقل تقدير، وميراث التاريخ العسكري تحديداً؛ فإن التحركات الجيوسياسية التي تُقرن فيها اسما الدولتين (مصر + العراق) على مدار تاريخهما المعاصر، كانت كفيلة بإثارة الانتباه والقلق لدى الفواعل الإقليمية، ولاسيما غير العربية والمتنافسة على تقويض أكبر قدر ممكن من هامش الحركة للقوى العربية الرئيسية في المنطقة لصالحها. وذلك لما للعلاقة بين القاهرة وبغداد من خصوصية متفردة وحيازتها لمقومات التكامل التاريخي والثقافي والاقتصادي والسياسي والأمني.

هذا من ناحية معادلة (مصر + العراق) فقط، حيث تفصل بين البلدين مسافة تقدر بـ 1427 كم، تضم ثلاث دول، ما عظم من قيمة وجود الأردن كعقدة ربط ومركز لوجيستي، يجعل من الثلاثي (مصر + العراق + الأردن) جسرا يدمج الجناح الشرقي للمنطقة العربية في قلب القاهرة، والعكس صحيح.

كيف تبلورت فكرة الربط؟

وعليه، تبلورت أفكار الربط بين القاهرة وبغداد عبر الأردن – التي تُعرف الآن بالشام الجديد –  مبكراً في ثمانينات القرن، حين تم تأسيس مجلس التعاون العربي في 16 فبراير 1989 بمبادرة من الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، عقب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، وضم المجلس وقتها ثلاث دول إلى جانب العراق، هي مصر واليمن الشمالي والأردن.

وقُدِمَ ليكون نموذجا لتحقيق التكامل العربي في الشؤون السياسية والأمنية والاقتصادية، لكن آتي الغزو العراقي للكويت عام 1990 لينهي تماماً إمكانية الربط بين جبهة الشرق للمنطقة العربية “العراق”، مع محيطها ككل.

حتى عادت فكرة الربط مجدداً، من خلال تقرير للبنك الدولي نُشِر في عام 2014، ويطرح إمكانية ربط دول الشام بمصر، ووضع مقترح البنك الدولي 7 دول مرجحة لتدشين هذا الربط “الإقليمي” المتكامل، وهم (مصر – العراق – الأردن – سوريا – فلسطين – لبنان – تركيا) بمساحة جغرافية تزيد عن مليوني كم.

لكن الاختلافات الجوهرية في مجمل السياسات العامة لدول المصفوفة وخاصة تركيا التي تملك مشروعاً توسعياً أممياً يقوم على تفكيك وتحلل منظومة الأمن الإقليمي العربي من شمال العراق وسوريا لجنوب اليمن وصولاً لغرب ليبيا؛ حالت دون اقتراب طرح البنك الدولي من الواقعية اللازمة لتنفيذ المشروع.

لتتقلص مصفوفة السبع دول المقترحة، لتضم ثلاثة فقط، هي (مصر + العراق + الأردن)، بيد أن الشام الجديد كمشروع حل على أجندة حكومة حيدر العبادي 2014، لكن ثمة معوقات حالت دون بدء فعاليات تدشين التحالف الجديد، أبرزها استغراق العراق في طاحون التخلص من تنظيم “داعش” في مساحة رئيسية تبدأ من أطراف بغداد وصولاً للموصل، بما يعادل مساحة بريطانيا، تحولت إلى واحدة من كبريات معارك حروب العصابات في المنطقة، إذ أرهقت العراق المنهك اقتصادياً، ودمرت بصورة شبة تامة البني التحتية لمعالم مدن وبلداته التاريخية في محافظة نينو.

حتى عاد الكاظمي، وأعلن “الشام الجديد”، لأول مرة خلال زيارته للولايات المتحدة أغسطس 2020، حيث أجرى حواراً مع صحيفة “واشنطن بوست” وذكر إنه يعتزم الدخول في مشروع استراتيجي يحمل هذا الاسم، موضحا أنه مشروع تكامل اقتصادي على النسق الأوروبي، يجمع القاهرة ببغداد، وانضمت إليه عمان، لتكوين تكتل إقليمي قادر على مواجهة التحديات.

وفي نفس الشهر من ذات العام، عُقدت الجولة الثالثة، للثلاثي (مصر + العراق + الأردن) في قمة عمان، على مستوى القادة.

وتمثل قمة بغداد الجارية الآن تطبيقاً لما جاء في قمة عمان في أغسطس 2020، وما جرى من لقاءات رسمية وهامشية على مستوى وزراء الخارجية والقادة خلال العامين الماضيين، إذ تستند ديناميات التحرك للثلاثي على إطلاق آلية التعاون والشراكة بينهم، في مارس 2019، خلال اللقاء الذي جمع بين الرئيس السيسي، وعاهل الأردن الملك عبد الله، والرئيس العراقي برهام صالح في القاهرة. حيث كانت آلية التعاون المعلن عنها في القاهرة بمثابة الإعلان الفعلي لتدشين تحالف الشام الجديد.

وانطلاقاً لما لعلاقة القاهرة وبغداد من خصوصية متمايزة؛ تجدر الأهمية بضرورة تفنيد أبعاد إجراء لقاء القمة الحالية في العراق، وحدود تأثير بغداد بالحضور المصري تحديداً ضمن تحركاتها وموضعها في منظومة الأمن الإقليمي العربي. وقبل التطرق لمعالجة هذه الإشكالية ينبغي أولاً الوقوف على النقاط الرئيسية التعريفية بمشروع الشام الجديد.

                      كيف يبدو مشروع الشام الجديد؟

يعتمد المشروع على الكتلة البشرية الضخمة لمصر وخبراتها الفنية ولاسيما في مضمار التنمية الشاملة المستدامة، مقابل الثروة النفطية الضخمة التي يمتلكها العراق، وتنضم لهما الأردن بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط العراق بمصر.

ويتم الربط بين الثلاثي بخطوط لنقل الغاز والنقل وتصدير الكهرباء، ما يشبه عصب مواصلات جديد يمر بين ثنايا المنطقة، ويحمل في أوردته أمن الطاقة. على أن تكون البصرة مصدر خط أنبوب النفط لكل من مصر والأردن، اللذين سيحصلان على أسعار تفضيلية قياسا بالسوق العالمي للنفط، إذ تتراوح ما بين 14 و16 دولارا لبرميل النفط الواحد.

وتباعاً ستغذي مصر شبكة كهرباء العراق لتسد بغداد فجوة الـ 7 آلاف جيجا وات التي لا تستطيع توفيرها سواء بالشراء أو الإنتاج حالياً. فضلاً عن الدخول المرتقب لمصر في مجال إعادة الأعمار وتشجيع الاستثمارات في العواصم الثلاثة بما يحقق نسقاً من التكامل الاقتصادي على غرار الاتحاد الأوروبي.

في هذه النقاط الرئيسية يمكن الإحاطة بأبعاد مشروع الشام الجديد، فما هي أبعاد إجراء لقاء القمة الحالية في العراق، وحدود تأثير بغداد بالحضور المصري تحديداً ضمن تحركاتها وموضعها في منظومة الأمن الإقليمي العربي؟

يمكن تحديد أبعاد إجراء لقاء القمة الحالية في بغداد، وحدود تأثرها بالحضور المصري في النقاط الآتية:

  • تخفيف حدة تداعيات الهندسة الطائفية للمشهد العراقي: منذ غزو العراق 2003، وتفصيل الولايات المتحدة لثوب جديد لشكل الدولة العراقية ومؤسساتها يقوم على مبادئ المحاصصة الطائفية وتعزيز الولاءات ما دون الوطنية، كان العراق بيئة جاذبة للاستقطاب الطائفي بناء على الذاكرة التاريخية له، بيد أن الاستقطاب الطائفي في نموذجه العراقي كان الأعنف في المنطقة نتيجة للتدخلات الإيرانية الجسيمة التي سعت منذ اليوم الأول لسقوط بغداد على إبقاء العراق في طاحون حرب طائفية تعيق وصوله لأي من أطر الدولة الوطنية. ونجم عن ذلك تكوين كيانات عسكرية مشوهة أُدمِجت داخل هيكل القوات المسلحة، وتنتمي لأطر أيديولوجية وطائفية تقترب من القرار الاستراتيجي لطهران حد التوافق والشراكة بنمط “الراعي – الوكيل”. بيد أن خصوصية الحالة العراقية في نموذج الاستقطاب والمحاصصة الطائفية، وقف أمام موجة وطنية خالصة أعلنت عن نفسها في مظاهرات العراق في أكتوبر 2019، حين تعالت أصوات قطاعات من الشعب العراقي هي أكثر انخراطا في منظومة العولمة الثقافية، لتنبذ المحاصصة والمزاج الطائفي لمؤسسات الحكم، بعد تداعي الخدمات واستشراء الفساد واستمرار نزيف الشعب العراقي. تعتبر مصر من الدول القلائل التي تتعامل مع العراق حكومة وشعباً خارج إطار “التحيز الطائفي”، إذ تمتلك مصر مشروعاً وطنياً يقوم أساساً على مواجهة الهندسة الطائفية للمنطقة، بدعم الحكومات والجيوش الوطنية عوضاً عن الجماعات المسلحة ذات الارتباطات الولائية بالخارج.
  • إعادة إعمار العراق: تبلغ الخسائر المادية للعراق في ثلاث محافظات فقط جراء الحرب مع تنظيم داعش وحده، حوالي 40 مليار دولار، ما يضع عمليات إعادة اعمار العراق أمام فرصة لبلورة نهج دولي – إقليمي لاتساع دائرة التدمير، وتجدر الإشارة لتدمير 98% من المدينة القديمة في الموصل جراء المعارك مع تنظيم داعش بها 2017.
  • تخفيف الارتباط الاستراتيجي مع إيران: يناور رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ضمن مشهد سياسي معقد داخل العراق، حيث دخل الكاظمي ثلاثة مواجهات حتى الآن مع الجماعات المسلحة. فالحادثة الأولى التي سميت “حادثة البوعثة” حصلت بعد نحو شهرين من تسلم الكاظمي سلطاته مع “كتائب حزب الله”. حينها لم تتمكن القوة التي أرسلها الكاظمي، بوصفه القائد العام للقوات المسلحة، من الاحتفاظ بمن تم اعتقالهم بتهمة إطلاق صواريخ على “المنطقة الخضراء”. واصطدم الكاظمي مع فصيل مسلح آخر هو “عصائب أهل الحق” عقب اعتقال أحد عناصرها. واتخذت هذه المواجهة، بالنسبة إلى الطرفين، صيغة خلاف حول شروط الاعتقال. إذ تمتلك العصائب تمثيل برلماني. كما اصطدم الكاظمي مع الحشد الشعبي باعتقال قيادي فيه وهو مصلح قاسم أواخر مايو الماضي. بيد ان الصورة لن تكتمل حول الارتباط الاستراتيجي بين العراق وإيران من الزاوية الأمنية والعسكرية فقط، وإنما إذا ما تم النظر على مستوي التبادل التجاري بينهما الذي يراوح حاجز الـ 13 مليار دولار تمثل فيها صادرات النفط والغاز والكهرباء غالبية القيمة المالية، وفيما هٌيئت الظروف للربط الكهربائي بين مصر والعراق فإن ذلك من شأنه تخفيف الاعتماد العراقي تدريجياً على إيران، فضلاً عن دخول العراق لمنظومة الاقتصاد المعولم وخريطة الطاقة الجديدة من خلال البوابة المصرية، وهي خريطة لا تصطدم بالنظام العالمي الجديد بقدر ما تتماهي مع تكتيك الموازنة في العلاقات بين اقطابه.
  • تحصين البوابة الشرقية للمنطقة العربية: بتدشين ما يشبه آلية استجابة مرنة، وغير تصادمية، تعمل على معالجة وتخفيف وقع تهديدات الأمن القومي العربي في أضعف جبهاته الشرقية، من خلال تبادل الخبرات الأمنية والعسكرية، ووقف انتهاك سيادة العراق من قِبل التدخلات التركية والإيرانية التي قضمت إجراء من أراضي العراق لتأمين خطوط إمداداتها لأذرعها الميليشياوية في المنطقة.
  • التضييق على المشروع التوسعي الإيراني المهدد للاستقرار: وذلك من خلال استنساخ نموذج جديد من التحالف المصري القبرصي اليوناني، الذي بات يعمل كمنصة لنقل الطاقة لأوروبا؛ في المسرح البري. من خلال تحالف ثلاثي يعمل على نقل النفط العراقي براً ليصل لأوروبا من خلال البوابة المصرية، ما يفقد أوراق إيران التهديدية فيما يرتبط بمضيق هرمز ولاسيما بعد تزايد حدة الاشتباك الإيراني الإسرائيلي في المضيق وبحاره المتصلة به “خليج عدن – بحر العرب”.
  • إحباط مخططات الاندماج الإسرائيلي في المنطقة العربية: تزايد الحديث مؤخراً في إسرائيل عن ربط تل أبيب بالخليج على مستوي “أمن الطاقة” في ضوء الاتفاقات الابراهيمية. حيث طرحت وزارة الخارجية الإسرائيلية في العام 2019 فكرة إقامة تحالف عربي-إسرائيلي لربط الخليج العربي بالبحر المتوسط، مع ضم الأردن والعراق في وقت لاحق، على أن تكون إسرائيل بوابة الشام الجديد نحو أوروبا والولايات المتحدة. إذ تسعي تل ابيب للتغول في المنطقة من جناحها الشرقي لاعتبارات الصراع مع إيران من جهة، ومن جهة أخري لحصد مكاسب العقد الماضي السهلة، التي شهدت تدميراً ممنهجاً لمقدرات القوة العربية. ويأتي التحالف المصري العراقي الأردني، ليضيف لميزان القوة العربية بما يقوض محاولات الثلاثي “تركيا – إيران – إسرائيل” لإعادة هندسة المشهد الأمني وتباعاً الجيو -اقتصادي في المنطقة برمتها.

                                          ختاما

تشمل محاور التحرك المصري اتجاهات ليبيا والسودان وشرق المتوسط وشرق المنطقة العربية “العراق”، لتصيغ الهندسة الأمنية الجديدة للإقليم بما يحقق حالات الاستقرار الممتد، ويبطئ من دوران طاحون التدمير والحرب في المجال الحيوي للأمن القومي المصري، بما يسمح للقاهرة تباعاً من اقتناص ظروف استراتيجية تضعها في قلب الجناح الشرقي للمنطقة بعدما انكفت القاهرة على نفسها قرابة الثلاثين عاما.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى