سياسة

استمارة تمرد.. الورقة التي أنهت حكم الإخوان في مصر

لا يُمكن الحديث عن ثورة الثلاثين من يونيو 2013 دون ذكر الدور الذي لعبته حركة “تمرد” في حشد وتنسيق حركة ملايين المصريين الذين خرجوا على مدار أربعة أيام متصلة توجت ببيان ألقاه الفريق أول عبد الفتاح السيسي، القائد العام وزير الدفاع والإنتاج الحربي آنذاك، مساء يوم الأربعاء 3 يوليو في حضور ممثلين على مختلف أطياف الشعب المصري، أنهى عامًا من حكم جماعة الإخوان الإرهابية شهدت خلاله البلاد حالة من التراجع على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

الطريق إلى 30 يونيو

ظهرت الحركة لأول مرة في أبريل 2013 على يد مجموعة من الشباب (محمود بدر ومحمد عبد العزيز وحسن شاهين ومي وهبة) الرافض للتدهور الذي وصلت إليه البلاد، والفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية واحترام الحقوق والحريات، وإخفاق نظام الإخوان في تحقيق الاستقلال الوطني، وانتشار الإرهاب الذي خلف أعداد من الشهداء والمصابين سواء بين صفوف القوات المسلحة والشرطة أو المتظاهرين الذين خرجوا للتعبير عن رفضهم للإخوان، فضلًا عن الإخفاق في إدارة ملف السياسة الخارجية والذي تجلى بوضوح على سبيل المثال في أزمة “سد النهضة”. 

بدأت إرهاصات الحملة مع بداية شهر مايو 2013، حينما قام الشباب بكتابة استمارة بسيطة تطالب المواطنين بالتوقيع عليها لسحب الثقة من محمد مرسي وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبدأ الأمر بطباعة الاستمارة بالجهود الذاتية والتوجه إلى محافظة بورسعيد التي كانت تشهد غضبًا شديدًا والطلب من مواطنيها توقيع الاستمارة وهو ما لاقى تجاوبا كبيرا من سكان المدينة الناقمين على سياسات مرسي. 

ثم انطلقت الحركة للمرة الأولى على نطاق 18 محافظة في 26 أبريل 2013، ودُشنت رسميًا في مؤتمر بمقرها في منطقة الدقي بالجيزة يوم 28 أبريل، ألقت فيه بيانها التأسيسي موضحة أن فكرتها تتلخص في استمارة صغيرة يوقع عليها المواطنون فيه مستهدفة جمع 15 مليون توقيع لسحب الثقة من الرئيس وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ليكون ذلك الرقم أعلى بـ 2 مليون من الذي حصل عليه في انتخابات 2012 وفقًا لإعلان اللجنة العليا للانتخابات آنذاك، وجرى اختيار يوم 1 مايو لتدشين الحركة ميدانيًا بالتزامن مع عيد العمال.

وسرعان ما اكتسبت “تمرد” زخمًا شعبيًا واسعًا بين صفوف المواطنين الرافضين لحكم الجماعة الإرهابية واستطاعت اختراق كافة فئات وطبقات المجتمع المصري من رجال السياسة والفنانين والمثقفين الذين وقع بعضهم الاستمارة على الهواء في البرامج التلفزيونية، إلى المواطنين البسطاء في كافة ربوع الدولة المصرية بما في ذلك القرى والنجوع، كما ساندتها بعض القوى السياسية كجبهة الإنقاذ وحركة 6 أبريل والجمعية الوطنية للتغير وحركة كفاية، والعديد من الأحزاب السياسية التي فتحت مقراتها لها لمساعدتها فى جمع عدد أكبر من التوقيعات والانتشار فى مدن وقرى الجمهورية كحزب المصريين الأحرار. كذلك أعلنت نقابة المحامين فتح مقراتها للمواطنين على مستوى الجمهورية لتلقي الاستمارات الموقعة.

وظهرت مبادرات مجتمعية لتقديم الدعم للحركة بتوفير مقرات وأدوات تمكنها من أداء عملها، وانتقلت عملية جمع التوقيعات من الشوارع إلى تنظيم فعاليات مخصصة لها. وتبرع بعض الفنانين بمنازلهم كمقار للحملة. وتجلى الإيمان المجتمعي بالحركة في قيام بعض المواطنون بطباعة استمارات “تمرد” على نفقتهم الخاصة وتوزيعها، وتنفيذ حملات طرق الأبواب لجمع التوقيعات من المسنين وكبار السن فى المنازل. 

وعليه، نجحت حتى منتصف مايو 2013، أي بعد أقل من شهر على تأسيسها، في جمع ما يفوق على 15 مليون توقيعً مطالبًا بإسقاط “محمد مرسي، لتنجح بحلول 29 يونيو، أي قبل يومًا من انطلاق الثورة، في جمع 22 مليون و145 ألف توقيع، منهم 5833 استمارة من المصريين بالخارج، وفقًا لما أعلنته في المؤتمر الختامي الذي جرت وقائعه من داخل نقابة الصحفيين.

وقد اعتمدت الحركة على مجموعة من الآليات التي ضمنت لها الشفافية واكتساب ثقة الجمهور، حيث تطلب التوقيع على استمارتها كتابة الاسم بالكامل والرقم القومي لتحقيق النزاهة، وبعدما اكتسبت الزخم الشعبي المنشود، أطلقت موقعها على الإنترنت لتتيح إمكانية توقيع الاستمارة إلكترونيًا، واعتمدت الحركة على اللامركزية من خلال المشاركة النشطة للأعضاء المسجلين ممن يتطوعون لجمع التوقيعات، كما عملت على جذب انتباه الإعلام وحرصت علي عقد مؤتمرات صحفية مرحلية للإعلان عن عدد التوقيعات.

وخلال مسيرتها تعرضت الحركة وأعضاؤها لمضايقات من جماعة الإخوان الإرهابية، تمثل في حرق مقرها بما يتضمنه من استمارات، وتعرض عدد من فروع الحركة في المحافظات للاعتداء ومحاولة التخلص من الاستمارات الموقعة، وخطف بعض الأعضاء والاعتداء بالضرب على البعض الآخر، إلى جانب حملات التشويه والبلاغات الكيدية، ومحاولة تشكيل حركة مضادة تحمل شعار “تجرد”.

ترتيبات المرحلة الانتقالية

حددت الحركة يوم 30 يونيو للخروج في مظاهرات حاشدة، بالتزامن مع حلول الذكرى الأولى لاعتلاء محمد مرسي سدة الحكم، ووضعت الحركة مسارات متعددة لتحرك المواطنين، وعملت على حثهم على الصمود في الشوارع والميادين ورفع “الكارت الأحمر” في وجه الجماعة الإرهابية، ما أهلها لتكون شريكًا أساسيًا في ترتيبات عزل مرسي، حيث دُعيت إلى اجتماع القوى السياسية والوطنية مع القوات المسلحة يوم 3 يوليو للتباحث بشأن خارطة الطريق.

ولم تغفل “تمرد” وضع استراتيجية وتصور واضح لمرحلة ما بعد سقوط نظام الإخوان، وهو التصور الذي نُفذ، حيث شمل انتقال السلطة إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا، وهو ما حدث بإسناد منصب رئيس الجمهورية إلى المستشار عدلي منصور، ووقف العمل بالدستور الحالي، وحل مجلس الشورى، مع تشكيل لجنة من فقهاء دستوريين وقانونيين تراجع قضية الدستور، وتعد دستورًا جديدًا تطرحه للاستفتاء الشعبي، وقد جرى الاستفتاء على الدستور يومي 14 و15 فبراير 2014 بعدما انتهت لجنة الخميس من إعداده في 2 ديسمبر 2013، وحصل على نسبة تأييد تقدر بـ 98.1%.

فضلًا عن تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة شخصية سياسية تحوز التوافق الشعبي على آلا يترشح في أول انتخابات رئاسية أو برلمانية مقبلة، على أن تضع الحكومة خطة إنقاذ اقتصادي عاجلة تضمن استعادة الاقتصاد المصري لعافيته، وتعمل على التوسع في إجراءات العدالة الاجتماعية، وهو ما تم بتكليف الدكتور حازم الببلاوي في الفترة بين 16 يوليو 2013 و16 فبراير 2014، ثم المهندس إبراهيم محلب منذ 1 مارس 2014 حتى 12 سبتمبر 2015، حيث شهد جزءًا من عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.

علاوة على إرفاق ملف الأمن القومي وحماية البلاد إلى مجلس الدفاع الوطني، الذي يدعوه رئيس الحكومة لممارسة دوره في تولي مسئولية حفظ الأمن القومي للبلاد. على ألا تتراوح فترة المرحلة الانتقالية بين 6 شهور إلى سنة كحد أقصى، بإجراء الانتخابات الرئاسية تحت إشراف قضائي كامل ورقابة دولية، ويليها إجراء الانتخابات البرلمانية، وقد انتهت الانتخابات الرئاسية التي جرت أيام 26 و27 و28 مايو 2014 المرحلة الانتقالية بحصول الرئيس عبد الفتاح السيسي على 96.94% بواقع 23٬483٬476 صوتًا، ليتولى القسم الرئاسي صباح يوم 8 يونيو بالقاعة الرئيسية للمحكمة الدستورية العليا رئيسًا للجمهورية. فيما جرت الانتخابات التشريعية في الفترة بين شهري أكتوبر وديسمبر 2015، لتنعقد أولى جلسات مجلس النواب يوم 10 يناير 2016.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى