ليبيا

مؤتمر برلين 2 .. الأزمة الليبية في سياق دولي متغير

مع انعقاد النسخة الثانية من مؤتمر برلين حول ليبيا يتجدد الجدل بشأن حدود الأدوار الخارجية في الأزمة الليبية، بين من يرى في مثل هذه اللقاءات الدولية رفيعة المستوى محاولة من المجتمع الدولي لإنجاح المرحلة الانتقالية في ليبيا واستعادة الاستقرار بعد أكثر من عقد من الاضطراب، وبين من يرى فيها انتقاصًا من سيادة الدولة الليبية وتكريسًا لنوع من أنواع “الوصاية” الخارجية على القرارات الليبية الداخلية في مختلف المجالات. وبعيدًا عن وجهتي النظر المتعارضتين، حملت النسخة الثانية من مؤتمر برلين العديد من المظاهر الإيجابية ظهرت بوضوح في البيان الختامي للمؤتمر الذي جاء على قدر كبير من الشمول والمباشرة خاصة في تجديد الالتزام الدولي بدعم المسار الانتخابي في ليبيا في ديسمبر المقبل. 

ونتيجة الفاصل الزمني الطويل نسبيًا بين نسختي مؤتمر برلين، أثرت العديد من المتغيرات ذات الصلة بالسياق الإقليمي والدولي على النسخة الثانية من المؤتمر. فمن ناحية تراجعت حدة الاستقطاب الإقليمي في شرق المتوسط خاصة بعد الموقف المصري الحاسم بتحديد خط سرت-الجفرة كخط أحمر بالنسبة للأمن القومي المصري، الأمر الذي شكل أساسًا لوقف مستدام لإطلاق النار مما دفع العديد من القوى المنخرطة في ليبيا لمراجعة حساباتها. ومن ناحية ثانية تغيرت الإدارة الأمريكية بعد انتخابات نوفمبر الماضي التي أطاحت بالرئيس دونالد ترامب وجاءت بالرئيس جو بايدن للسلطة.

تحولات في قائمة المشاركين

ومن ناحية ثالثة أدى التدهور الأمني والاضطراب السياسي في عدد من دول الساحل الأفريقي لإطلاق بعض القوى الأوروبية مراجعات ذاتية لسياسات انخراطها الخارجي وعلى رأسها فرنسا. وتتجلى مظاهر التغير في السياق الدولي على مستويات متعددة تتضمن قائمة المشاركين، ودرجة انخراطهم، وطبيعة المعالجات التي تم إقرارها لبعض القضايا ذات الأولوية، وذلك على النحو التالي:

شهدت النسخة الثانية من مؤتمر برلين حول ليبيا توسعًا لقاعدة المشاركة مقارنة بالنسخة الأولى التي عقدت في يناير من عام 2020 والتي شارك فيها كل من ألمانيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا وروسيا والصين، بجانب مصر والجزائر وتركيا والإمارات والكونغو فضلًا عن مشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. لكن الدورة الثانية التي عقدت في يونيو من عام 2021 شهدت توسعًا في قاعدة المشاركة بحضور كل من هولندا وسويسرا وتونس والمغرب. 

ويعكس هذا التوسع في قائمة الأطراف المشاركة في النسخة الثانية من مؤتمر برلين مقارنة بالنسخة الأولى عددًا من الحقائق المهمة أبرزها قدرة المؤتمر على تجاوز المشكلة التي تعرضت لها النسخة الأولى بعدم مشاركة تونس كواحدة من أهم دول الجوار المباشر لليبيا والمنخرطة بقوة في العديد من الملفات المهمة المتعلقة بالعملية الانتقالية في ليبيا. وعلى الرغم من كونها ليست من دول الجوار المباشر لليبيا، إلا أن الأدوار المؤثرة التي تلعبها المغرب في الأزمة الليبية باستضافة مؤتمر الصخيرات عام 2015 ثم الجولات المتعددة من مباحثات بوزنيقة عام 2020 فرضت أهمية مشاركة المغرب في النسخة الثانية من المؤتمر. 

ويظل التغير الأهم على مستوى المشاركين في مؤتمر برلين في نسخته الثانية مقارنة بالأولى يتعلق بتمثيل الجانب الليبي ذاته، فبعد أن تجسدت حالة الانقسام في مطلع العام الماضي بحضور وفدين ليبيين منفصلين أحدهما برئاسة قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، والآخر برئاسة حكومة الوفاق فايز السراج، تم تمثيل ليبيا بسلطات موحدة ممثلة في رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وذلك بعد أن اجتازت ليبيا محطة مهمة في فبراير الماضي باختيار سلطات انتقالية جديدة تتجاوز حالة الانقسام التي عانت منها البلاد لسنوات.

تغير في درجة الانخراط

عكس حضور وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الاهتمام الأمريكي المتزايد بالملف الليبي منذ تولي الإدارة الجديدة مهامها يناير الماضي. وقد كشفت مشاركة وزير الخارجية الأمريكي عن ملامح واضحة للسياسة الأمريكية في ليبيا تقوم على دعم السلطات الليبية في إجراء الانتخابات الوطنية في موعدها المقرر في ديسمبر المقبل ودون أي تأجيل كركيزة أساسية لدفع مسار العملية السياسية للأمام، وهو ما بدا واضحًا خلال اللقاء الذي جمع بلينكن برئيس الحكومة الليبية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة على هامش المؤتمر في الرابع والعشرين من يونيو. يضاف هذا إلى الحرص الأمريكي الواضح على إنهاء كافة أشكال التدخلات الخارجية وفي مقدمة ذلك الانسحاب الفوري لكل القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا وذلك على نحو ما سبق وأن اتفق عليه بلينكن في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في مايو الماضي.

يأتي هذا الموقف الأمريكي الواضح بعد مظاهر محدودة للانخراط الأمريكي في الملف الليبي خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب. فعلى الرغم من مشاركة وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو في مؤتمر برلين 1، إلا أن الحسابات الأمريكية والسياق الدولي والإقليمي فرض على المشاركة الأمريكية نهجًا محافظًا، جسده تركيز مباحثات الوزير الأمريكي مع عدد من المشاركين في المؤتمر على سبل ضمان وقف طويل الأمد للأعمال العدائية بين الأطراف المتصارعة في ليبيا. لكن في المقابل شهدت النسخة الثانية من مؤتمر برلين تخفيضًا طوعيًا في مستوى الحضور الروسي، فبعد أن شارك الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمر برلين الأول شاركت روسيا في المؤتمر الثاني بمندوب عن وزير الخارجية.  

تبني معالجات غير حاسمة 

على الرغم مما قدمه السياق الدولي والإقليمي من عوامل مساعدة قد تعزز من فرص نجاح مؤتمر برلين في نسخته الثانية، إلا أن هذا السياق يفرض في الوقت نفسه تحديات مهمة ظهرت من خلال تبني مقاربة غير حاسمة بشأن عدد من الملفات المهمة التي كان من المنتظر حسمها بصورة نهائية خلال أعمال المؤتمر. ويتمثل الملف الأول في وضع إطار زمني لانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة، وهو الملف الذي لا يزال مثارًا للجدل في ظل الخطوات التركية المتباطئة والالتزام المحدود باتخاذ إجراءات حاسمة على الرغم من الضغوط الدولية العديدة. فقد اكتفت الفقرة الرابعة والعشرين من البيان الختامي للمؤتمر بالإشارة لضرورة سحب المقاتلين الأجانب دون تأخير من دون وضع أي إطار زمني محدد وذلك على الرغم من ضرورة إغلاق هذا الملف قبل وقت كاف من بداية الانتخابات المزمع إجرائها في الرابع والعشرين من ديسمبر المقبل. 

كما ظهرت هذه المعالجات غير الحاسمة أيضًا في معالجة ملف الأوضاع الأمنية المضطربة في دول الجوار، حيث تعاملت الفقرة الثامنة والعشرين من البيان الختامي مع هذه الظاهرة من زاوية التداعيات السلبية للأوضاع الأمنية غير المستقرة في ليبيا على دول جوارها، من دون تقديم الاعتبار الكافي للمتغيرات الجديدة في إقليم الساحل الأفريقي والتي تكشف عن تهديد كبير لأمن ليبيا يأتي من دول جوارها الجنوبي بما تشهده من أوضاع سياسية وأمنية غير مستقرة. وقد ساهمت هذه المقاربة في تجنب القسم المتعلق بالأمن من البيان الختامي التعامل المباشر مع قضية أمن الحدود الليبية والتي تعد من أبرز التحديات التي تواجه البلاد في المرحلة الحالية والتي تثير العديد من القضايا الخلافية بين الأطراف الليبية المختلفة سواء في أبعادها الإجرائية أو السياسية.

وختامًا، يبقى مؤتمر برلين يشكل منصة دولية مهمة تساهم بصورة إيجابية في تحقيق عدد من الأهداف أبرزها تنسيق المواقف الدولية من الملف الليبي لتجنب التداعيات السلبية للمنافسة الدولية غير الرشيدة، فضلًا عن حشد الدعم الدولي لجهود البعثة الأممية في ليبيا الرامية لإقرار السلم وإطلاق عملية سياسية شاملة تنتهي بموجبها الأوضاع الانتقالية، بجانب تيسير التوافق بين الأطراف الليبية المختلفة في وقت أدت فيه الخلافات بينها لتقويض الأمن والاستقرار في البلاد أكثر من مرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى