ليبيا

مخرجات برلين: كيف تطورت الرؤية الدولية حول ليبيا بعد عام ونصف؟

مثل مؤتمر “برلين 2″، 23يونيو الجاري، مساحة مهمة لإعادة تقييم المشهد الليبي، ومدى التزام الدول المنخرطة بالأزمة بتعهداتها التي أقرت بالامتثال لها في جولة “برلين 1” (يناير2020)، وكذلك دراسة الإشكاليات الراهنة والدعم المطلوب لإنجاح واستكمال استحقاقات خارطة الطريق الأممية. ومع صدور البيان الختامي للجولة الحالية من المؤتمر، أصبح هناك تطورًا ملحوظًا في سياق الانخراط الدولي الرامي لحلحلة الأزمة وفي طبيعة الملفات التي جرى التباحث حولها، وتعهدات المشاركون لدعم السلطة الليبية لإنجاح الانتقال السياسي الراهن.

ملامح تطور النسخة الثانية

عكس “برلين 2” عدة ملامح لتغير مجريات التباحث حول ليبيا، حيث دخول الأمم المتحدة كطرف داعي للمؤتمر، بالإضافة لتوسيع نطاق المشاركة، فضلًا عن اختلاف مستوى التمثيل عن النسخة الأولى، وأخيرًا الحضور الليبي الأول في تفاعلات المجتمع الدولي حول أزمته.

  1. تشاركية الدعوة: بدا واضحًا أن مؤتمر برلين 2 سيكون أكثر تطورًا من النسخة الأولى، فالدعوة للاجتماع لم تصدر عن المستشارة الألمانية ” أنجيلا ميركل” كما حدث في يناير 2020، ولكن الدعوة الأخيرة صدرت بصيغة مشتركة جمعت وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” والأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش”.
  2. نطاق المشاركة: شارك بالنسخة الأولى “برلين 1″نحو (12) دولة، و(4) تجمعات دولية، وبدا واضحًا توسع النسخة الثانية “برلين 2” لتضم (17) دولة، و(4) تجمعات دولية، حيث شاركت للمرة الأولى كلًا من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيا وهولندا وسويسرا وتونس. 
  3. مستوى التمثيل: حرصت الدول المشاركة بالنسخة الأولى من المؤتمر على أن يكون مستوى التمثيل في أعلى مستوياته، فقد شارك رؤساء الدول والحكومات في فعاليات “برلين 1″، إلا أن مستوى المشاركة والتمثيل بالنسخة الثانية كان أقل من سابقتها، إذ كان مستوى التمثيل في “برلين 2” مقتصرًا على وزراء خارجية الدول المشاركة.
  4. الحضور الليبي: تعد مشاركة حكومة الوحدة الوطنية الليبية بفعاليات “برلين 2” تطورًا هامًا، فقد غاب الصوت الليبي عن نسخة 2020، وهي خطوة إيجابية كون الصوت الليبي هو القادر على التعبير عن تطلعات أصحاب المصلحة الرئيسيين (الشعب الليبي)، وأن المؤتمر هو مساحة لدعم رؤيتهم الوطنية ومساعدتهم على إنجاح الانتقال.

أبرز الملفات المطروحة

تضمنت أجندة “برلين 2” عددًا من القضايا الانتقالية الحاسمة لمسار التسوية الليبية، فوفقًا لبيان الخارجية الألمانية، كان خروج القوات الأجنبية ورحيل المرتزقة بصدارة الملفات المطروحة للحوار، بجانب سبل إنجاح الاستحقاق الأهم في خارطة الطريق الأممية، والمتمثل في عقد انتخابات عامة قبل نهاية العام، بالإضافة لدفع المسار العسكري قدمًا والوصول إلى خطة عمل لتوحيد المؤسسة العسكرية. وفيما يلي نستعرض كيفية تناول المشاركون لتلك الملفات:

أولًا: خروج القوات الأجنبية والمرتزقة: نص البيان الختامي لبرلين 2 على سحب القوات الأجنبية والمرتزقة دون تأخير، وهو تطور نوعي هام، رغم تسجيل تركيا تحفظها على ذلك النص وعدم اقتران ذلك بإطار زمني محدد؛ إذ اقتصر الحديث في “برلين 1” على امتناع الأطراف الفاعلة عن أي نشاطات تؤجج الصراع، كتمويل القدرات العسكرية وتجنيد المرتزقة، ولم تتطرق النسخة الأولى لخروج تلك العناصر؛ كونها قضية لم تتبلور بشكل كامل حتى وقت عقد المؤتمر الأول في يناير2020.

ثانيًا: عقد انتخابات عامة في ديسمبر: أكد المشاركون بالنسخة الثانية من مؤتمر برلين على ضرورة إتمام الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24ديسمبر2021، وأن السلطة التنفيذية المؤقتة (المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة) قد أعادت التأكيد على ذلك خلال المؤتمر. وهذا التأكيد من شأنه دعم مسار الانتخابات أمام الإشكالية التي يجري تصديرها لتعطيل العملية السياسية، والمتمثلة في رغبة بعض الأطراف الليبية إثارة إشكالية الاستفتاء على الدستور أو انتخاب البرلمان أولًا ثم عقد الانتخابات الرئاسية.

ثالثًا: توحيد المؤسسة العسكرية وإصلاح القطاع الأمني: كرر المشاركون دعمهم لتوحيد المؤسسات الليبية، ومن ضمنها الأمنية والعسكرية، تحت سلطة ورقابة السلطة التنفيذية الموحدة، تأسيسًا على مباحثات القاهرة والجهود الجارية، وأن يتم إصلاح هذا القطاع عبر تسريح الجماعات المسلحة والميليشيات، ودمج العناصر على أساس فردي بمؤسسات الدولة، في عملية تساندها الأمم المتحدة.

رابعًا: تجاوز الإشكاليات المُعطلة: تضمن البيان الختامي دعوة مجلسي النواب والدولة للاتفاق حول المناصب السيادية، والتي يراها المشاركون إشكالية عطلت توحيد مؤسسات الدولة، بالإضافة لحث مجلس النواب على اعتماد ميزانية وطنية متوازنة وتوافقية، لإتاحة الفرصة أمام حكومة الوحدة للاضطلاع بمهامها. 

خامسًا: استحداث آليات تنفيذية: بدا واضحًا بمخرجات “برلين 2” اعتماد مجموعة من الآليات لتنفيذ المخرجات المتعلقة بعقد الانتخابات العامة في ديسمبر المقبل، كدعم المفوضية الوطنية للانتخابات. بالإضافة لتوفير الدعم اللازم لتحقيق المصالحة، عبر إسناد أنشطة وجهود المفوضية العليا للمصالحة الوطنية، بالإضافة للتأكيد على ضرورة بناء مؤسسات العدالة الانتقالية وفي مقدمتها اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق والمصالحة.

وختامًا، أظهرت جولة “برلين 2” تطورًا شكليًا في سياق الحوار الدولي حول ليبيا، ولكن ظلت القضايا الأساسية كتوحيد مؤسسات الدولة، وتسريح المليشيات ورحيل المرتزقة والقوات الأجنبية، في مرحلة تمهيدية لم يحدث بها اختراق كبير منذ أكثر من عام، وربما التطور الأهم هو عودة الصوت الليبي لمجريات إدارة الأزمة دوليًا، وهو من شأنه تعزيز قدرة السلطات الانتقالية على تجاوز الإشكاليات المعطلة، ووصول ليبيا إلى مشهد انتخابي هام، رغم التعقيدات الراهنة، في ديسمبر المقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى