سياسة

الإخوان والفن.. “عداء الأيام الأولى والأخيرة “

ناصب الإخوان المسلمون، مِصر فنًا وفنانين، العداء منذ اللحظات الأولى لاعتلائهم سدة الحكم في البلاد. وعداؤهم للفن شيء في حقيقته، مثل الشمس البازغة في السماء، لا تخفى على أحد، مهما حاولوا إنكار الأمر ومهما سردوا له من أدلة وبراهين.
وإذا عُدنا الى الماضي غير البعيد، لوجدنا في كراهيتهم لكل مظاهر الحياة وعلى رأسها الفن أدلة دامغة وإثباتات كثيرة. لكن قبل التمعن في ذلك، نعود اولاً للوقوف على جذور العداء المُبطن أو الظاهر للفن لدى فكر ومعتقدات الجماعة بوجه عام. إذ أن هذه الكراهية بالطبع، لم تظهر من العدم، لكن كان شأنها كشأن كافة أفعال الإخوان، من حيث انبثاقها رأسًا من جذور تعود إلى رؤوس أبرز قياديها.

“الإخوان والفن”.. عداء قديم ومستمر ترك بصماته على المستقبل

إذا جاء الحديث عن الفكر الإخواني، فلابد إذا الإتيان على ذكر سيد قطب، باعتباره أشهر أعلامهم، وكذلك لما مثلته كُتبه من منابع استمدت منها أفراد الجماعة أفكارهم وعقائدهم الخاصة ليس فقط فيما يتعلق بالفن، بل بما يتصل كذلك بشتى مناحي الحياة.
وسيد قطب كما نعرفه كان صاحب قلم، وكان ذو موقف بارز من الفن وكل ما يرتبط به. ومن أبرز مواقفه، أن كتب قطب مقالاً في مجلة الرسالة عدد (22) الصادر بتاريخ سبتمبر 1952، تحت عنوان “اخرسوا هذه الأصوات الدنسة”، وكان المقال موجه إلى قيادات الدولة آنذاك، أو تحديدًا وزير الدولة فتحي رضوان، والتي كانت الإذاعة تُعد من بين مهامه والمسؤوليات الموكلة إليه.
وجاء على لسان سيد قطب في رسالته، “إن الإذاعة لا تزال تبث على الناس ما كانت تبثه من قبل، وهي نفس الأصوات الدنسة التي ظلت تنثر على الشعب رجيعها، وتكثر من عرض أشرطتها المُسجلة بحجة أن الجماهير تُحب هذه الأصوات”. وفي كتاب نشره وزير الثقافة السابق، حلمي النمنم، بعنوان “سيد قطب وثورة يوليو”، أوضح أن قطب ذكر في المقال ذاته أن تلك الأصوات المقصودة بلفظة “دنسة”، كانت هي (عبد الوهاب، ومحمد فوزي، وفريد الأطرش، وعبد العزيز محمود، وليلي مراد، ورجاء عبده وغيرهم). وكان هؤلاء الفنانين نفسهم هم من وصفهم سيد قطب بأنهم طابور مترهل ظل يُفتت صلابة هذا الشعب، ويدنس رجولته وأنوثته، وأنه هو المسؤول عن نصف ما أصاب حياة المصريين الشعورية والقومية من تفكك وانحلال في الفترة السابقة على نشر المقال. والأكثر من ذلك، أن رأي قطب أن هؤلاء الفنانين كانوا أخطر على الشعب المصري من الملك فاروق نفسه، حيث قال قطب “إن فساد فاروق وحاشيته، ورجال الأحزاب ومن إليهم، لم يدخل إلى كل بيت، ولم يتسلل إلى كل نفس، أما أغاني هذا الطابور وأفلامه فقد دخلت الى البيوت وأفسدت الضمائر، وحولت هذا الشعب إلى شعب مُترهل لا يقوى على دفع ظلم او طغيان”. من هذا المنطلق نبدأ في التمعن في الطريقة التي يرى بها الإخوان الفن وكل ما يتصل به سواء من دراما، أو مسرح وغيره، أو حتى الفنانون بحد ذاتهم.
وهناك اتجاه سائد بين قيادات الجماعة أو صغار التابعون لها يشير إلى أن الجماعة لا تُعادي الفن، مُتحججين بأن مؤسسها الأول حسن البنا كان شخصا له موقف أكثر انفتاحًا على الفن. لكن هذا الأمر معتقد خاطئ ينطوي على مزج والتباس في الحقائق ليس غريبًا على الجماعة وأساليبها.
ففي حقيقة الأمر كان للبنا بالفعل طريقة مختلفة في التعامل مع الفن والفنانين، لكن مُعاملته وأساليبه معهم كانت لا تنفي أنه يملك –بشكل او بآخر- نفس الموقف المتطرف الذي أظهره قطب علانية. وقبل أن نُبرهن على ذلك، نعود لنُذكر بأن قطب عاش في الفترة ما بين “1906- 1966″، وانضم بشكل رسمي للجماعة في عام 1950، مما يعني أنه انضم لأنشطة الجماعة في الفترة التي أعقبت وفاة مؤسسها الأول حسن البنا مباشرة، والذي توفي في عام 1949. وكان من بين القلة القيادية القليلة البارزة التي حملت لواء التوجيه من بعد وفاة الأب المؤسس. لذا كان يتحتم على قطب تصحيح الرايات وتثبيت المواقف التي ضمرها البنا في حياته وتبناها وعمل على تنفيذها لكنه توفي قبل أن يتسنى له تحقيقها.
إذًا، كان البنا يقول عن الفن، “إن الإخوان المسلمون لا يُحاربون المسرح ولا المذياع، لأنهم ليسوا من الجمود ليقفوا هذا الموقف، وإنما يريدون أن يطهروهما من الشر والإثم، ويزيلوا الأثر السيئ المنصب على نفوس الشباب والفتيات، ولذلك أعدوا للمسرح قصصًا كريمًا وأدبًا رائعًا ومُثلاً، وتوجيهًا صادقًا”. ويبرهن الإخوان المحدثون على حبهم للفن باستخدام الجهود التي بذلها البنا في دعم المسرح خلال حياته، والعلاقات الطيبة التي ربطته ببعض الفنانون من ذوي الحظوة عند الجماهير. لكن نقول إن كل هذه أدلة لا تثبت حبه للفن، إذ الفارق بينه وبين قطب يتمثل فقط في منهجية وطريقة تعامل كلاً منهم مع الفن، لكن يظل الفكر والقالب الذي خرج منه كلاهما ونظرتهما تجاه الفن موحدة.
فالأول المؤسس كان يرى أن الفن مُدنس أيضًا ويستوجب تطهيره، والثاني يرى أن الفن مُدنس ويستوجب منعه تمامًا. وهذا باختصار الفارق فيما بينهما، كما أن علاقات البنا مع الفنانون أو حتى ضلوعه في دعم مسرحيات ذات طابع ديني لا تنفي عنه تهمة كراهية الفن التي كانت مُتأصلة في نفسه، بل أنها وإن تُثبت أمرًا فهي تُثبت أن الأب المؤسس للجماعة الإرهابية على تمام اليقين من قوة التأثير التي يحملها أهل الفن بين أصابعهم، لذلك وضع في اعتباره أهمية التوجه نحو استمالتهم إلى جانبه أملاً في نشر فكره، وتحقيقًا للتأثير الذي استفاض قطب في الحديث عنه ونقلنا عنه آنفًا شيء بسيط منه، بحيث حَلِم البنا بالدخول بالفكر الإخواني مُعتليًا مركبة الفن الى كل بيت وكل أسُرة وكل ضمير.. أي أن الحقيقة الواحدة التي لا خلاف عليها، هي أن كلاهما كانا ضد الفن، ولكن كلُاً على طريقته الخاصة، كما أن قطب هو التيار المُحدث الذي أتى ليُعدل أخطاء البنا، التي نحتسب أنه كان يرى أن معاملة البنا مع أهل الفن كانت من ضمن الزلات والهفوات التي رأى قطب أن سيده وقع بها، ويتعين عليه هو الحث على تصويبها. أما عن الصداقات التي قيل إنها جمعت بين البنا وعددًا من نجوم بارزة من أهل الفن وقتها، فهذه أيضًا صداقة لا تشفع له عدائه للفن، ولا تغير من حقيقة الأمر شيئًا، ذلك لأن أيًا من هؤلاء لم يكن يفطن وقتها بحقيقة ما يضمره البنا من وراء هذه الصداقة. كما أن الجماعة نفسها كانت في ذلك الوقت لا تزال فكرة وليدة مُبهمة على السواد الأعظم من الناس.

الإخوان والفن والتكفير فيما بعد يناير.. “على أيامنا!”

كانت الجماعة منذ ساعات نشأتها الأولى تحلم بالوصول إلى رأس الحُكم، وعندما حدث بالفعل ولأول مرة بالتاريخ تولي رئيس إخواني حكم مصر، طمحت الجماعة لتغيير وجه الحياة في مصر بالكامل على النحو الذي يتماثل وأفكارها التي تنتمي إلى دماغ الأب المؤسس وما تفرع عنه من مُجددين ممن “زادوا الطين بلة”، ولم يفعلوا شيئًا سوى أنهم جعلوا ما هو متطرف بالفعل، أكثر تطرفًا. وبالنسبة للفن، كان بالطبع بوقت وصولهم للحكم أحد أهدافهم الرئيسية، حيث سلكت الجماعة في ذلك نهج البنا ورؤيته من حيث ضرورة استخدام الفن وتطويعه لتحقيق اهداف الأخونة العامة، لكن مع الأخذ بالاعتبار ضرورة “تطهيره أولاً من الدنس”.
وهذا ما يُفسر شروع الإخوان في توجيه وجههم صوب الفن والفنانون بمجرد سقوط مبارك، حيث بدأ الأمر بتنظيم زيارة لأعضاء الإخوان الى مقر نقابة المهن التمثيلية في 2011، ثم توالت خطواتهم بعد ذلك حتى اشتملت على انشاء لجنة داخل الجماعة تحمل اسم “الفن والدراما”، وإنشاء شركات إنتاج سينمائية كان من أشهرها شركة الرحاب، التي تولى رئاسيتها القيادي الإخواني محسن راضي، وأعلنوا عن اعتزامهم انتاج أفلام سينمائية ومسلسلات درامية، منها مسلسل عن سيرة مؤسس الجماعة “حسن البنا”، عوضًا عما اعتبروه هم تدليسًا جرى في حقه من خلال مسلسل الجماعة الذي تم عرضه عام 2010.
وفشل الإخوان بعد ذلك في كل شيء، وطال فشلهم كافة أوجه ومناحي الدولة، التي حاولوا اقحام أنفسهم بها عنوة، فأصبح فشلهم في السياسة والاقتصاد والفن على حد سواء. وطيلة فترة تواجدهم في الحكم، حتى في الفترة الوجيزة التي سبقتها، لم ينجح الإخوان في إنتاج عمل فني قط. وليس الأمر في ذلك يعزو إلى أي شيء آخر سوى خلافاتهم المحتدمة مع الوسط الفني كاملاً، من فنانين ومخرجين إلى آخره. وكالعادة شكلت المرأة نقطة خلافية كبيرة فيما يتعلق بنقاشات الإخوان نحو الفن، فهم في نهاية المطاف، لم يحسموا قط شكل المرأة المراد الظهور عليه في الأفلام، فأحدهم يخرج علينا ليمنع ظهور النساء على الشاشات تمامًا، وآخرًا يبيح ظهورها لكن في صورة مُحددة، وثالث يقذف ويسب في سمعة وشرف فنانات كِبار ويتطور الامر بعد ذلك ليصبح قضية رأي عام تتلقى على إثرها الفنانة تهديدات وصلت أحيانًا إلى حد القتل كي تتنازل عن قضيتها وتتصالح مع الإخوان، وآخر يُطالب باحتجاز الفنان عادل إمام ومعاقبته بأثر رجعي على أفلامه، وآخرون كانوا يهللون ويكبرون لدعوات احتجازه أملاً في معاقبة الجميع –بالدور- بأثر رجعي انتقامًا منهم على معاداة الإخوان على الشاشات في أي فترة من فترات حياتهم السابقة.
إذًا اعترى توجه الإخوان نحو الفن والطريقة المُثلى لتنفيذه موجة هائلة من التناقضات والشد والجذب. وبهذه الطريقة نفهم عجز الإخوان المسلمون عن تنفيذ مخططاتهم في أي شيء وليس الفن فقط، إذ أن الكوادر اللازمة دائما ما كانت تنقصهم. وكانت دائما المعضلة الرئيسية أمامهم تتمثل في أنهم يريدون أخونة الفن، لكنهم يكرهون الفنانون كراهية عميقة تتجاوز قدرة أيًا منهم على التحلي بقدر ولو بسيط من الدبلوماسية والسياسية في التعامل معهم. وبرهان على ذلك، أنه ربما لم تتجاوز الأفلام المنسوبة للإخوان إلا فيلمان أو ثلاثة، وجميعهم بلا استثناء كانوا من إخراج شابًا يُدعى عز الدين دويدار، وهو مخرج إخواني بالطبع، وجميعها كانت أفلامًا سياسية دينية توجهاتها معروفة سلفًا وما بها من مظلوميات زائفة محفوظًا عن ظهر قلب.

اعتصام وزارة الثقافة: “انتفاضة رد الفعل”

شهدت مِصر في عهد الإخوان، حِراكًا من نوع جديد، لا يرمز إلى أي شيء آخر بقدر ما يرمز الى تعطش فنانو مصر من المشتغلين بكافة أنواع الفن إلى الحرية والرغبة في الحفاظ على حقوقهم. حيث تخللت هذه الفترة العديد من المسيرات الاحتجاجية التي قادها فنانو مصر اعتراضًا على الأوضاع التي آلت إليها الحياة الثقافية والفنية في بلادهم تحت وطأة حكم الإخوان الإرهابيون. وفي 2012، تمحور السؤال الأبرز وقتها حول هل من الممكن أن يقف فنانو مصر -هوليود العرب- مكتوفي الأيدي وبلا حراك، أمام حركة أخونة وزارة الثقافة؟!
بالطبع لا، لأن مصر كانت ولا زالت عامرة بالفنانين بالشكل الذي يجعلها قبلة لفناني العرب، ومنارة تشع منها التنوير الثقافي وصولاً الى كل عربي في بيته. فقد بدأ الأمر عندما قرر الرئيس الإخواني المتوفي، محمد مرسي، تعيين علاء عبد العزيز في منصب وزير الثقافة. وكان في ذلك انتهاك صارخ لحق كل فنان ومثقف مصري، خاصة وأن الرجل بلا أي تاريخ ثقافي يذكر ولا يملك ما يؤهله ليشغل حتى منصب موظف صغير بالوزارة، ما بالك بمنصب الوزير نفسه؟! والذي من المفترض به أن يُدير كل الوسط الثقافي والفني بوجه عام! لذا لم يُفهم من تعيينه في هذا المنصب سوى الرغبة الدفينة لدى قيادة الدولة في أخونة كافة أنحاء البلاد.
وقد كانت الفترة الوجيزة التي قضاها في منصبه، بدءً من مايو 2013 وصولاً إلى يوليو 2013، عامرة باحتجاجات الفنانين. حتى أن المشاركون في هذه الاحتجاجات سارعوا بمجرد توليه الحكم إلى توقيع بيان ورد به التالي؛ “إن موقع وزير الثقافة بعد الثورة لا بد وأن يمثل المثقفين المصريين، وأن يتواجد فيه قامة ثقافية، تحمي الثقافة المصرية من غزو قيم التعصب والعنصرية التي تسعى لتدمير الهوية الثقافية الوطنية المصرية الرائدة ومصادرة كل أنواع الحريات الابداعية والفكرية والسياسية والشخصية”. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد كانت هذه مجرد بداية لفترة متأججة آلت في ختامها إلى الحدث الأكبر الذي يُعرف باسم “اعتصام وزارة الثقافة”، يوم 4 يونيو 2013، والذي يُعد واحدًا من ضمن أولى الشرارات التي مهدت لاندلاع ثورة يوليو. فقد جاء الاعتصام ردًا على قرارات الوزير بإنهاء ندب قيادات ثابتة في الوزارة واختيار بدلاء لهم منتمون لجماعة الإخوان الإرهابية، وقد أقدم الوزير على فعل ذلك في فترة لم تتجاوز الشهر من تعيينه. ولقد جاءت القَشة التي قصمت ظهر البعير، على هيئة قرار بإنهاء ندب إيناس عبد الدايم، وزيرة الثقافة الحالية، ورئيسة دار الأوبرا وقتها، من منصبها. مما دفع العاملون بالأوبرا للتظاهر السلمي الذي أدى في نهاية المطاف لاعتصام مستمر الى حين عدول الوزير عن قراره.
لكن الأمور آلت إلى نهاية مختلفة، حيث ذهبت أول مجموعة من المثقفين إلى مقر مكتب وزير الثقافة في حي الزمالك، وكان هؤلاء هم “صنع الله إبراهيم، بهاء طاهر، فتحية العسال، محمد العدل، سيد حجاب، ناصر عبد المنعم”، رغبة في مقابلة الوزير، وكانوا وقتها يعلمون بوجوده في مكتبه، وفور دخولهم لمقر الوزارة أعلنوا اعتصامهم، ثم بدأ بعد ذلك بقية المثقفون التوافد على مقر وزارة الثقافة في الزمالك، ثم هرب الوزير بلا رجعة. حاولت الجماعة بعد ذلك الاستمرار في العناد، من خلال حث الوزير على عدم العدول عن قراره، والزج باعتصام مناوئ له مؤيد لقرارات الوزير في مواجهة الاعتصام الآخر، لكن مثقفو مصر وفنانوها قرروا عدم مغادرة أماكنهم حتى لحظة سقوط الإخوان نهائيًا عن الحكم، وبهذه الطريقة أثبت فنانو مصرِ أن الفن قادر وعن جدارة على مواجهة القبح والتطرف وكل ما يتصل بلفظة “أخونة” من مفردات، غريبة على مِصر، شعبًا ودولة.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى