الاقتصاد المصري

“النصر للسيارات”.. عودة للسوق من خلال المركبات الكهربائية

في منتصف شهر يونيو 2021 ؛ أعلنت الحكومة المصرية ممثلة في وزارة قطاع الأعمال وشركة النصر للسيارات إطلاقها مشروع لإنتاج السيارة الكهربائية E70,و الذي ينُتظر أن يتم تدشين أعماله بحلول منتصف عام 2022.
يأتي هذا المشروع في خضم حرص الدولة على إعادة الأعمال لشركات القطاع العام القابلة للتطوير ومن بينها شركة النصر العريقة المتخصصة في صناعة السيارات؛ كما يأتي مشروع انتاج السيارة الكهربائية في حد ذاته كتوجه عام لتعزيز وجود المركبات الصديقة للبيئة على الطرقات, وهو ما يقلل من اصدار الانبعاثات الضارة بالمناخ ويوفر على مالكي المركبات نفقات شراء الوقود الأحفوري والذي يتصف بغلو ثمنه بالمقارنة مع مصادر الطاقة الأخرى البديلة كالكهرباء والغاز الطبيعي.

شركة عملاقة تبعث من جديد

تعتبر النصر للسيارات من أكبر العلامات التجارية في مصر والشرق الأوسط, التي عملت من قبل في مجال تصنيع سيارات الركوب بكافة أنواعها سواء الخفيفة منها او المتوسطة او الثقيلة.
ويعود تاريخ الشركة إلى عام 1957 حينما فكرت الدولة المصرية في تأسيس كيان وطني يختص بتصنيع سيارة ركوب محلية الصنع بالإضافة إلى تصنيع الحافلات وعربات النقل الثقيل التي تسهم في نقل المواطنين والبضائع بشكل يومي, لذلك تم التعاقد في عام 1959مع أحد الشركات الألمانية الشهيرة في حينها والمختصة بتصنيع وسائل الركوب Klöckner-Humboldt-Deutz وذلك لجلب تكنولوجيات الإنتاج الحديثة في عالم السيارات.
لتنجح الشركة في العام التالي 1960 في أن تبدأ إنتاجها والذي استمر بعد ذلك قرابة 50 عاماً، فيما فعلت الشركة خلال تلك الفترة عديدا من اتفاقات التعاون مع عدد من شركات انتاج السيارات في يوغسلافيا السابقة وإيطاليا وألمانيا، وذلك لتصنيع أنواع مختلفة من السيارات، التي لا تزال تسير في الشوارع المصرية حتى يومنا هذا وتحظى بشهرة واسعة بين المواطنين.
لكن شركة النصر بدأت في مواجهة العديد من المصاعب مع بداية سياسة الانفتاح أواخر السبعينيات، حيث أدى فتح باب استيراد السيارات المصنعة أجنبيا، وعدم تطور منتجات الشركة من السيارات، بالإضافة إلى تقيد الشركة بعدد من القوانين المعيبة التي حيدت قدرتها مواكبة آليات السوق الجديدة، إلى وقوع الشركة تحت ضغط كبير من الديون المتراكمة، وهو ما أوصلها إلى حالة التصفية خلال عام 2009 ليسدل بذلك الستار على أكبر شركة مصرية لتصنيع السيارات في حينها.
لكن بارقة الأمل سرعان ما عادت من جديد إلى ذلك الكيان بعدما أقر مجلس الشورى عام 2013 وقف تصفية الشركة وعودة الأعمال اليها، لتبدأ الشركة منذ ذلك الحين خوض رحلة شاقة لإعادة إحياء مجدها السابق، حيث بدأت الجهات المختصة بدراسة حالة خطوط الإنتاج وذلك لفهم امكانات الشركة القائمة، كما بدأت في التباحث مع عدد من مصنعي السيارات العالميين للدخول معها في استثمارات مباشرة لتطوير مصانع الشركة، مما سيعيد منتج النصر للسيارات إلى السوق المحلي والإقليمي.
و تم التوصل علي إثر ذلك إلى توقيع مذكرات تفاهم مع شركتين من أكبر الشركات الآسيوية العاملة في مجال تصنيع السيارات, أولاهما هي ” بروتون ” الماليزية المصنعة للسيارات التقليدية, وثانيهما “دونج فينج” الصينية المصنعة للسيارات بنوعيها التقليدي والكهربائي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مسؤولي شركة النصر للسيارات ركزوا على تنويع فئات السيارات التي سيتم تصنيعها بخطوط الشركة, فلن تصنع النصر للسيارات المركبات الخفيفة والملاكي فقط, بل انها ستتوسع لتشمل ” الميكرو باص ” و” الميني باص ” وشاحنات النقل الثقيل والحافلات.

فكر يواكب التوجه العالمي

تتسابق العديد من دول العالم الكبرى والمتقدمة الان لتعزيز امتلاك مواطنيها للسيارات ذات التغذية الكهربائية، أو السيارات الهجينة التي تجمع في تكنولوجيا عملها ما بين الوقود الاحفوري والكهرباء.
ويعود هذا التوجه العالمي الذي تتبناه تلك الدول الكبرى إلى الفوائد المتعددة التي تساعد تلك المركبات في جلبها على المناخ الجوي العالمي، وعلى الاقتصاد المحلي لتلك الدول، وأيضاً على مالكي السيارات أنفسهم.
وتعتبر الصين والولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي واليابان من اكثر الدول التي تسعي لتطوير امتلاك مواطنيها لهذا النوع من السيارات, فالصين وحدها أصبحت تمتلك بنهاية عام 2019م اكثر من 2.4 مليون سيارة كهربية, فيما تمتلك الولايات المتحدة اكثر من 1.5 مليون سيارة كهربية – انظر الشكل التالي رقم 1 – الي جانب ذلك تمتلك دول اوروبا مجتمعة اكثر من 1.4 مليون سيارة, ومن المعروف ان الأرقام قد شهدت زيادات مضطردة خلال العام الفائت 2020م, وهو ما ستؤكده لنا التقارير الرسمية الدولية خلال الأشهر القليلة القادمة.

المصدر: Global EV outlook 2020

ولقد كان من أهم الأسباب التي عززت التوجه إلى تصنيع السيارات الكهربائية, هو وجود إثباتات علمية على دور الوقود الأحفوري المستخدم في تغذية السيارات في إطلاق الانبعاثات الغازية التي أدت إلى إرتفاع درجة حرارة الكوكب بمقدار درجة واحدة فهرنهايت خلال العقود الماضة.
كما كان التلوث الغازي الناتج عن السيارات سببا في اضعاف طبقة الأوزون التي تحمي كوكبنا من الأشعة الضارة القادمة من الشمس, إلى جانب ذلك تساهم الانبعاثات الغازية في تلويث مياه الأمطار بأوكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين التي تأثر بشكل مباشر على جوده المياه المتوفرة للزراعة وللاستخدام البشري, كما تساهم تلك الأمطار الملوثة في زيادة تشبع التربة بتلك الأحماض الخطيرة, التي تضر بكافة الكائنات الحية.
إلى جانب ذلك يعتبر الوقود الاحفوري من مصادر الطاقة الغالية بالمقارنة مع المصادر الأخرى الجديدة وعلى رأسها الكهرباء، فوفقاً لإحدى الدراسات التي نشرتها جامعة مشيجان الأمريكية ونقلتها مجلة فوربس الأمريكية، فان السيارة العادية التي تستخدم الوقود الاحفوري تتكلف ما متوسطه 1,117 دولا امريكي وذلك لتموينها بالوقود فقط، في حين أن استخدام الكهرباء كوجود لا يتكلف أكثر من 485 دولار طوال العام وهو ما يقل عن 45% من تكلفة الوقود الاحفوري.
ويعتبر استخدام الكهرباء في شحن السيارات حال تفعيله بمصر، من أفضل الحلول في توفير العملة الصعبة، وذلك لوجود بنية تحتية كافية لتغطية كافة احتياجات البلاد من الكهرباء وبما فيها احتياجات السيارات الكهربائية، كما سيؤدي استخدام الكهرباء إلى تقليل الاعتماد على المنتجات البترولية، والتي تستوردها مصر بأكثر من 6 مليار دولار سنويا، وهو ما سيفتح المجال أمام استخدام تلك الأموال في مشاريع تنموية جديدة تحتاجها الدولة في تعظيم قدراتها الاقتصادية.

الدولة تحفز المشروع

منذ منتصف عام 2019م أولت الحكومة المصرية اهتماما خاصا بملف تصنيع السيارات الكهربائية، لذلك كلفت وزير قطاع الأعمال العام بمهمة الإشراف على المفاوضات التي كانت جارية في حينها بين كل من شركة دونج فينج الصينية وشركة النصر للسيارات، والتي افضت في النهاية الي توقيع عقدين أولهما خاص بالحصول علي حق تجميع السيارة الكهربائية من طراز E7, وثانيهما متعلق بتوريد خطوط التصنيع والتجميع والاختبار الخاصة بهذا الطراز من السيارات الكهربائية، والتي سيبلغ عددها أربعة خطوط بتكلفة اجمالية تقارب على مليار جنيه مصري.
كما أوكلت الحكومة لوزير قطاع الأعمال العام مهمة التنسيق مع كافة الجهات ذات الصلة لتيسير انتاج وبيع واستخدام هذا النوع الجديد من السيارات.
و كان من بين تلك الجهات وزارة الداخلية التي قامت بتنسيق إجراءات قانونية خاصة لترخيص السيارات الكهربائية أسوة بنظيراتها من السيارات العاملة بالوقود الأحفوري, وهو ما ساهم حتى الان في ترخيص 300 مركبة كهربائية في عموم البلاد.
كما كان من بين الجهات التي جري التنسيق معها وزارت الكهرباء والبترول والتنمية المحلية والانتاج الحربي, التي ستتشارك مجتمعة في مد البنية التحتية الخادمة لذلك النوع من السيارات, بالإضافة الي وزارة الصناعة والتي ستسهل الاجراءات المطلوبة لتشييد المصانع وخطوط الإنتاج المتعلقة بصناعة السيارات الكهربائية والصناعات المغذية المرتبطة بها.
ومن المتوقع أن تنتج شركة النصر للسيارات سنويا 25,000 مركبة بمكن محلي يتفوق نسبته 55%, ومع ارتفاع الطلب علي هذا النوع من السيارات سيتم مضاعفة الإنتاج ليصل الي 50,000 سيارة في السنة, كما ستمول عملية الإنتاج وتشييد الخطوط الجديدة عدد من المؤسسات المالية الوطنية, ومن المنتظر ان تلاقي السيارة الكهربائية حجم كبير من الطلب فور طرحه في الأسواق وذلك لعدة عوامل اهولها احتمالية وضع الحكومة المصرية لعدد من الحوافز المشجعة علي امتلاك المواطنين هذا النوع من السيارات, مثل تقديم حافز مالي قدره 50 الف جنيه نقدي لأول 100,000 مشتري.
كما سيكون من بين تلك الحوافز وجود شبكة متطورة من محطات الشحن, والتي يتوقع ان يصل عددها الي 3000 محطة في عموم البلاد بحلول 2025م, بالإضافة الي تعاون مع الجهات المختصة من اجل نشر الشوارع السريعة المتصلة بشبكة الكهرباء في المواقف العامة, بالإضافة الي ذلك ستقوم الدولة بدعم سعر الكهرباء المستخدمة في عملية الشحن, ليصل سعر الكيلو وات الواحد فيها الي 47.5 قرش, وهوما يقارب علي 65 جنيه كثمن للشَحَنة الواحدة للسيارة ليكفي ذلك السير لمسافة 400 كم, كما ستقوم الدولة بدعم عدد من الكيانات المحلية المختصة بعمليات الصيانة, وأيضا كيانات اخري مختصة بالبحث والتطوير لأجراء الدراسات علي هذا النوع من السيارات, وهو ما سيساعد علي تعديلها لاحقا بما يتماشى مع متطلبات المستهلك المصري.

تقوم مصر الان بمجهود مقدر من أجل اللحاق بالركب العالمي في ملف تصنيع المركبات الكهربائية، ويساعدها في هذا عدد من العوامل التي قلما تتوفر للاقتصادات الناشئة الأخرى.
فمصر لديها حجم استهلاك سنوي كبير يقدر متوسطه بـ 200,000 مركبة جديدة، كما تتوفر لديها كافة المطلوبات لتأسيس شبكة قوية من البنية التحتية المرتبطة بتشغيل السيارات الكهربائية، لذلك من المتوقع أن تحتل مصر وتحتل معها شركة النصر للسيارات مكانة مرموقة في عالم صناعة المركبات الكهربائية على المستويين الافريقي والشرق أوسطي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى