روسيا

كيف نفهم “الدعوات الأوروبية” لعقد قمة مع “بوتين” ؟

تقدم سفيرا فرنسا وألمانيا باقتراحات على نظرائهما في الاتحاد الأوروبي، أمس الأربعاء 23 يونيو٢٠٢١ ، بفكرة عقد قمة للتكتل الغربي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مساع تهدف لتحسين العلاقات بين روسيا والغرب.
وتُعد القمة المُقترحة هي الأولى من نوعها، منذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القِرم من أوكرانيا في 2014، وفي أعقاب قمة الرئيس الأمريكي جو بايدن مع بوتين في جنيف في خلال وقتٍ سابق من الشهر الجاري.
ووفقًا لما نقلته وكالة رويترز للأنباء ؛ فإن دبلوماسيا كبيرا في الاتحاد الأوروبي صرح بأن “نُريد أن نبحث سبل الخروج من هذه الدوامة السلبية.. لكن علينا أن نتقدم ونحن مُتحدين”، مُضيفًا بأن دول البلطيق قلقة بخصوص احتمال عدم موافقة روسيا على عقد القمة.
ومن المتعارف عليه، أن العلاقات الأوروبية الروسية كانت تتسم بالفتور تحديدًا خلال الأسابيع الماضية، خاصة بعد أن وصف المسؤولون الروس سياسة الكتلة الجديدة تجاه روسيا بأنها “من القرون الوسطى”، ومددت بروكسل عقوباتها على روسيا بخصوص شبه جزيرة القرم. لكن في الوقت الراهن، يبدو أن المستشارة الألمانية تمارس ضغوطًا تهدف إلى منح الكتلة الأوروبية بشكل كامل مع روسيا قُبلة الحياة، حيث تحاول ميركل تحقيق تنسيق مشترك يتحدث فيه الاتحاد الأوروبي بصفة موحدة حول موضوع روسيا.
وردًا على هذه الدعوة، علق المتحدث الرسمي باسم الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، اليوم الخميس 24 يونيو، بأن قال؛ “نحن نُقيم هذه المُبادرة بشكل إيجابي، الرئيس بوتين مؤيد لاستعادة آلية الحوار والاتصالات بين بروكسل وموسكو وتحدث الرئيس مرارًا وتكرارًا عن أن هذا الحوار مطلوب حقًا من قِبَل كلاً من بروكسل وموسكو”.
وأضاف “بيسكوف”، أن هذه القمة تأتي بدعم من المستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي، لكن من المهم للغاية كذلك فهم م إذا كانت توجد هناك موافقة من قِبَل جميع أعضاء الاتحاد الآخرون على عقد اجتماع بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.

مؤشرات على ضرورة انعقاد القمة

تأتي الدعوات الأوروبية لعقد هذه القمة كشكل من أشكال البناء على نتائج قمة بوتين-بايدن التي انعقدت في الشهر الجاري. ذلك لأن العالم أجمع يعرف أن الكتلة الغربية عادة ما تسير تحت جناحي الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت الراهن، تسعى الولايات المتحدة لمحاولة فصل روسيا عن العملاق الصيني الذي يأخذ في التضخم من دون أي قيود ويتوقع جميع المحللون أنه في المستقبل القريب سوف تكون الصين هي القوة الرائدة في العالم.
بهذه الطريقة من الممكن أن نفهم حاجة الغرب تحت ريادة أمريكية إلى تدفئة العلاقات مع روسيا، بغرض استمالتها بعيدًا عن الصين. لكن السؤال هنا، هل تنجح كل هذه الجهود في تقريب المسافات مع موسكو بالشكل المرغوب فيه من جانب الغرب؟! الرد لن يكون في منأى عن شبه جزيرة القِرم. إذ تعد هذه هي النقطة الخلافية الكبرى التي تفصل كل الجوانب عن بعضها البعض. الأمر ببساطة يتمثل في أن موسكو قد تُبدي استعدادا للابتعاد عن الصين لكن ذلك يحدث فقط في حالة وجود تنازلات حقيقية وملموسة من قبل الغرب، وأول هذه التنازلات سيكون التراجع عن العقوبات الغربية على موسكو بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم في 2014. فمن ناحية، تتمسك موسكو بانتماء القرم لروسيا، ومن ناحية أخرى هي لن تتنازل أبدًا عن عدم السماح لأوكرانيا بالانضمام لحلف الناتو، الذي تعتبره موسكو التهديد الرئيسي لها.
هناك أيضًا نقاط أخرى، يمكن اتخاذها كمقدمات تُبشر بفتح مجالات جديدة للحوار بين موسكو والغرب. نعود منها إلى الموقف الروسي من القارة الأوروبية في الأيام المُبكرة عند تفكك الاتحاد السوفيتي، عندما كانت موسكو ترغب في التكامل –بشكل أو بآخر- مع الغرب، لكنها لم تجد من جانبهم الرغبة المواتية ولم تلقى منهم إلا كل سلوكيات عدائية تجاهها استمرت حتى وقتنا الحالي.
ولطالما كانت موسكو ترى أن سلوك الغرب العدواني تجاهها هو ما يترتب عليه فشل تحقيق حلم مشروع التكامل بين العالم الآوروآسيوي والعالم الأوروبي. وهذا ما يتوافق مع كلمات نشرها الرئيس الروسي نفسه في مقال نشرته له صحيفة “دي تسايت” الألمانية، بتاريخ 21 يونيو الجاري، أي عقب لقائه الأخير ببايدن.
فقد استهجن بوتين في مقاله، سلوكيات حلف الناتو العدائية قائلاً، “أنه منذ عام 1999، قام حلف الناتو بعمل خمس موجات توسعية. حيث ضمت المنظمة 14 دولة جديدة، بما في ذلك جمهوريات أعضاء في الاتحاد السوفيتي السابق، مما تسبب في دفن الآمال في مشروع قارة واحدة بدون خطوط فاصلة”.
أضاف الرئيس مُستنكرًا السلوكيات الأوروبية، قائلاً؛ “واجهت العديد من الدول خيارات مُزيفة، تفضي إلى أنه إما أن تكون مع الغرب الموحد أو مع روسيا. وفي الواقع كان هذا يبدو مثل إنذار نهائي، بحيث من الممكن رؤية عواقب هذه السياسات العدوانية في مثال واضح يتمثل في المأساة الأوكرانية لعام 2014. حيث دعمت أوروبا بنشاط الانقلاب المُسلح والمناهض للدستور الأوكراني”.
وتابع بوتين ليُعلن في مقاله، أن بلاده منفتحة على التفاعل الصادق والبناء. وتقدم كذلك بمقترح روسي بإنشاء مساحة مشتركة للتعاون والأمن من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، والتي ستشمل صيغ تكامل مختلفة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي. وشدد بوتين على رغبة بلاده في التعاون مع أوروبا قائلا؛ “أكُرر مرة أخرى، إن روسيا تؤيد استعادة الشراكة الشاملة مع أوروبا. ويوجد لدينا العديد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك؛ مثل الأمن، والاستقرار الاستراتيجي، والرعاية الصحية، والتعليم، والرقمنة، والطاقة، والثقافة، والعلوم، والتكنولوجية، وحل المشكلات المناخية والبيئية”.
إذا، من الممكن اعتبار أن دعوة المستشارة انجيلا ميركل والضغوط التي تمارسها على الكتلة الأوروبية لأجل عقد قمة مع بوتين، تأتي كرد على ما تقدم واقترحه بوتين نفسه من قبل في مقال نشرته له الصحيفة الألمانية أولاً. كما أننا يجب ألا نغفل كذلك أن روسيا تضررت بشدة من العقوبات الاقتصادية عليها بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم، مما يجعلها بحاجة للتفاوض مع الغرب انطلاقًا من أسس جديدة مختلفة وبعيدة عن ضم القرم التي لا تعتبر موسكو نفسها أخطأت بضمها.
هناك نقطة أخرى أيضًا، تفسر رغبة موسكو الملحة للتقارب مع الغرب. هذه النقطة نستطيع أن نفهمها في ضوء عبارة بوتين نفسه مُشيرًا الى التعزيزات الأخيرة لحلف الناتو، بأن قال “لا يسعني إلا القلق”. فقد صرح بوتين خلال كلمة ألقاها عبر خاصة الفيديو كونفرانس، في مؤتمر موسكو التاسع للأمن الدولي الذي انعقد أمس 23 يونيو، وقال بوتين من خلاله؛ “إن الناتو يعمل باستمرار على بناء بنيته التحتية العسكرية ووحداته بالقرب من الحدود الروسية، وهو الأمر الذي لا يسعه إلا أن يُسبب مخاوف لروسيا”. وأضاف بوتين، “في الوقت نفسه، يتجاهل حلف الناتو المقترحات الروسية لتهدئة التوتر”. مؤكدًا إنه لا يسع روسيا إلا أن تشعر بالقلق من حقيقة أن الناتو يعمل باستمرار على بناء إمكاناته العسكرية بالقرب من الحدود الروسية.
ونفهم من كل ما سبق، إن موسكو تُدرك بشكل جيد مآرب حلف الناتو من التوسع على مقربة من حدودها وفي المنطقة التي تُعرفها موسكو باعتبارها منطقة النفوذ الجيوسياسي الخاص بها. كما أن موسكو تعتبر إن هذا الحلف هو تهديد للأمن القومي الروسي، لذا السؤال هنا سيظل، إلى أي مدى سوف تتحلى موسكو بالصبر أمام هذه التوسعات الاستفزازية؟ وهل يود الغرب حقيقة من وراء هذه التعزيزات أمرًا آخر سوى جلب موسكو على طاولة مفاوضات للحصول على مكاسب جديدة؟!

ختامًا،

ربما يتوصل الفريقان بعد انعقاد هذه القمة، إلى نتائج أكثر تفاهما بشأن تقنين أوضاع حلف الناتو. لكن محتمل ألا ينجح أيً منهم قط في التوصل إلى تفاهم بشأن وضع شبه جزيرة القرم، إذ أن تمسك روسيا بها في غنى عن الشرح والتفسير. ولو حدث ووقع تفاهم بالفعل بين الجانبين في هذه المسألة، فإن التفاهم الوحيد سيتمثل في أن تتنازل أوروبا عن عقوباتها على روسيا بشأن أوكرانيا، وهو أمرًا مستبعد نظرًا لأنها مددت العقوبات للتو.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى