ليبيا

“معوق مستمر”.. المجموعات المسلحة في غرب ليبيا ومسار التسوية الشاملة

انتقلت الأزمة الليبية من مرحلة تسويات الحد الأدنى؛ لمرحلة التسوية السياسية الشاملة منذ انطلاق مؤتمر برلين في نسخته الأولى، 19 يناير 2020، واستناده لمحادثات القاهرة (2016-2018-2020) كمرجعية يمكن البناء عليها للوصول لهدف توحيد المؤسسة العسكرية. وجاء إعلان القاهرة 6 يونيو 2020 ليشكل أساس داعم لإعادة مسار التسوية السياسية الشاملة لطاولة الفواعل الإقليمية والدولية مرة أخرى، والتوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2020. 

بيد أن مسار التسوية السياسية الشاملة في ليبيا وقف أمام محطة “رعاية” دولية وإقليمية تمثلت في انطلاق فعاليات مؤتمر برلين 2، يوم الأربعاء 23 يونيو 2021، بهدف بحث العملية الانتقالية الليبية حسبما جاء في بيان الخارجية الألمانية حول الهدف من إطلاق النسخة الثانية من مؤتمر برلين. وارتكزت المهمة الأولى لوفود الدول والمنظمات المشاركة في مساعدة الليبين على تنظيم الانتخابات في موعدها المقرر في 24 ديسمبر المقبل. 

وعلى الرغم من توافر فرص أكبر نظريًا لتحقيق هدف “تنظيم الانتخابات الليبية في موعدها المقرر” إذا ما قورن بالملفات المركبة والمعقدة الأخرى التي تتشابك وتتضارب فيها مصالح الأطراف الدولية في ليبيا؛ إلا أن هناك ثمة معوقات محتملة قد تقوض فرص إجراء الانتخابات وفقاً لاتفاق الحوار الليبي الذي تم برعاية أممية. ويمكن حصر هذه المعوقات في الآتي:

ضعف فعالية آلية توحيد المؤسسة العسكرية وفق مخرجات المؤتمرات الدولية واتفاق وقف إطلاق النار الموقع أكتوبر 2020: حيث حظيت المسارات السياسية والاقتصادية للتسوية باهتمام أكبر غطي على جزئية توحيد المؤسسة العسكرية، ما أبقى الوضع الميداني داخل حيز “الازدواجية العسكرية”، وتباعًا غياب احتكار مؤسسات الدولة للقوة الإكراهية، وتشظي ظاهرة امتلاك السلاح لكيانات وجماعات تنشط وفق انتماءات ما دون الوطنية. وعلى الرغم من وجود حلول شاملة لقضايا المسار السياسي (سلطة تنفيذية موحدة لإدارة العملية الانتقالية)، وقضايا المسار الاقتصادي (توحيد المصرف المركزي واستمرار إنتاج النفط)، أسند للمسار العسكري لجنة عسكرية مشتركة (5+5)  إذ تضطلع في مهام لوجيستية على خط التماس المباشر وسط ليبيا، دون تنفيذ إجراءات توحيد عمل المؤسسة العسكرية حتى في مناطق التماس المباشر، ما فاقم من حالة الازدواجية العسكرية أكثر، وبحسب الإحاطة الأخيرة لستيفاني ويليامز أمام مجلس الأمن أشارت إلى تشكيل المجلس الرئاسي منتصف يناير 2021 كيانًا أمنيًا جديدًا يضم مجموعات مسلحة بارزة في العاصمة طرابلس. وتجدر الإشارة إلى أن الكيان الأمني الجديد تم تشكيله بمعزل عن أية أدوار للجنة (5+5).

تحول الجماعات المسلحة غرب ليبيا إلى جماعات مصالح: ارتكزت القوة العسكرية لحكومة الوفاق على تشكيل هجين من الجماعات المسلحة في غرب ليبيا، التي دخلت الحرب انطلاقًا من اعتبارات قبلية ومصالح تتعلق بالاستئثار بالسلطة ضمن دوائرها المناطقية. ومع توقف وتيرة القتال منذ إعلان القاهرة يونيو 2020، تنازعت تلك الجماعات فيما بينها على المناصب القيادية بأروقة الحكومة، تارة على فرض السيطرة على مناطق بعينها في العاصمة والزاوية وزلتين والعجيلات، وتارة تتنازع ضمن صراعات قياداتها مع أشخاص نافذة في هيكل مؤسسات الحكومة. ففي يناير 2021 تجددت الاشتباكات المسلحة بين قوتي الأمن العام التابعة لوزير داخلية الوفاق، فتحي باشاغا، وقوة الردع التابعة للسراج، في حي الأندلس بوسط العاصمة الليبية طرابلس، مما أسفر عن سقوط جرحى من الجانبين، بعدما رفضت قوة الأمن العام، دخول عناصر من قوة الردع إلى مناطق داخل العاصمة دون تنسيق مسبق. وفي 14 يونيو 2021 أحرقت جماعات مسلحة تنحدر من مدينة الزاوية مركزًا للشرطة بمدينة العجيلات غرب العاصمة طرابلس، وهاجمت مقرًا أمنيًا بها، ونهبت ممتلكاته. ومنذ منتصف يونيو الجاري، تدور اشتباكات عنيفة بين ميليشيات الزاوية، وأخرى تابعة لمدينة العجيلات استخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والثقيلة وأسفرت عن مقتل 8 أشخاص وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية، وسط استمرار التحشيد العسكرى، مما ينذر بتصاعد المواجهات ولاسيما مع ضعف حكومة الدبيبة في فرض سيطرتها على مناطق الغرب الليبي، وتفكيك عمل الجماعات المسلحة ولاسيما في مصراتة التي تملك وحدها عشرات الجماعات المسلحة والتي ينقسم تأييدها وولائها بعدد من المسؤولين السابقين “فتحي باشاغا”، والحاليين “الصديق الكبير” محافظ البنك المركزي، فضلاً عن وجود أكثر من 17 ألف عنصر مسلح في هذه المدينة التي تمثل أكبر قوة في مدن الغرب الليبي. وبات ينشط في العاصمة طرابلس حوالي 35 جماعة مسلحة بعضها مُلحق بهيكل وزارة الدفاع، والآخر لا يرتبط بمؤسسات الحكومة ويدار من خلال أفراد مدرجين على قائمة الإرهاب الدولي بمجلس الأمن، سعوا هؤلاء للسيطرة على المنافذ البحرية والبرية بالغرب الليبي، وتورطوا فعليًا حسب بيانات الأمم المتحدة في أنشطة التهريب والاتجار بالبشر والهجرة غير الشرعية. فعلى سبيل المثال ما زال تجار البشر المطلوبين دوليًا مثل “البيدجا” و”العمو” و”الحصان”، والموجودين على لائحة العقوبات الدولية بمجلس الأمن، يتمتعون بالشرعية في خفر السواحل الليبي التابع للوفاق، على الرغم من إقرار البند الرابع في اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2020، على البدء الفوري لعملية حصر وتصنيف المجموعات والكيانات المسلحة على كامل التراب الليبي سواء تلك التي تم ضمها للدولة أو التي لم يتم ضمها، ومن ثم إعداد موقف عنها وعن أفرادها وتسليحها وأماكن تواجدها ووضع آليات وشروط لدمج أفرادها بشكل فردي إلى مؤسسات الدولة ممن تنطبق عليهم الشروط. 

فشل إجراء DDR-SSR في عمليات التسريح والدمج: وفقًا لمخرجات مؤتمر برلين1، وتحديدًا البند (12) الذي يتعلق بإجراءات التسريح وإعادة إدماج ونزع سلاح الجماعات المسلحة في ليبيا. ونص البند على الدعوة لعملية شاملة لتسريح ونزع سلاح الجماعات المسلحة وإدماج الأفراد المناسبين في مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية على أساس فردي، ودعا الأمم المتحدة إلى المساعدة في هذه العملية. وكما أشرنا سالفًا لأوضاع مدن الغرب الليبي من حيث انتشار الجماعات المسلحة وانخراط بعض قادتها وعناصرها في المؤسسات الحكومية على الرغم من كونهم مدرجين على قوائم العقوبات الأممية لإداراتهم أنشطة غير مشروعة من الاتجار بالبشر وصولاً لتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية.

ختامًا، وفرت ضعف فعالية آلية توحيد المؤسسة العسكرية الليبية؛ الأجواء لتخليق كيانات أمنية وعسكرية جديدة تعمل ضمن هيكل “وزارة الدفاع” في حكومة الوفاق، وتباعًا حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الديبية؛ ما عزز من الازدواجية العسكرية للأزمة الليبية التي أفرزت بدورها أجواءً نشطت من خلالها أدوار تلك المجموعات المسلحة التي كونت شبكة مصالح لها ترتبط بالأنشطة غير المشروعة من تجارة المخدرات والتهريب والاتجار في البشر والهجرة غير الشرعية. بيد أن تلك الأنشطة لا تعمل فيها الجماعات إلا بعدما تعزز من فرض سيطرتها على مناطق جغرافية محددة تمارس فيها السلطة دون رقابة من أحد. ما يضع الكثير من علامات الاستفهام حول كيفية تعامل هذه الجماعات المسلحة مع الانتخابات الليبية القادمة، إذا ما تبين أنها تهدد استمرار سلطتهم واحتكارهم للقوة الإكراهية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى