ليبيا

تفاؤل حذر.. “مبادرة ليبيا” فى “برلين2”

أثارت مُخرجات مؤتمر برلين (2) بشأن الأزمة الليبية ردود فعل متباينه، وقد تشكلت وفقًا لاتجاهين مُتعارضين، أحدهما ينطلق من فرضية أن المؤتمر سيعزز المسار السياسي ويدفع بالأزمة للأمام، في حين نظر البعض إليه باعتباره إعلان نوايا قد لا يترتب عليه تحولًا جوهريًا في مسار الأزمة، نظرًا لتعقد المشهد وتشابك القضايا العالقة.

وفي هذا السياق، أطلق رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية ” عبد الحميد الدبيبة” مبادرة تستهدف دعم استقرار ليبيا، عبر التطرق لعدد من القضايا المحورية، حيث شملت تلك المبادرة أربعة محاور رئيسية منها ما يرتبط بالوضع العسكري والأمني، أو تلك المتعلقة بإجراء الانتخابات في موعدها، علاوة على التعرض لملف المصالحة الوطنية، وكذا الملف الاقتصادي.

فرص وتحديات

ثمة فرص تطرحها مبادرة حكومة الوحدة الوطنية لدعم الاستقرار في ليبيا، إلا أن تلك الفرص لا تزال مُحاطة بجملة من التحديات التي قد تتسبب في عرقلتها، ما يمكن الوقوف عليها فيما يلي:

دعم الحل الليبي للأزمة: تميز مؤتمر برلين 2 بتمثيل كامل للجانب الليبي عبر حكومة موحدة وهو تحول ملحوظ من الناحية الشكلية مقارنة بمؤتمر برلين 1 الذي عُقد وسط حالة من الانقسام وغياب التوافق الليبي، وعليه تُعزز مبادرة استقرار ليبيا رؤية عدد من القوى الإقليمية وفي مقدمتها مصر التي كانت تراهن على أن حل الأزمة الليبية يجب أن يتم عبر الليبيين، وهو ما يتماشى مع آلية العمل التي وضعتها المبادرة والتي ترتكز على جعل الحكومة الليبية النواة الأساسية لأية تسويات أو تفاعلات بشأن الأزمة وذلك من خلال تشكيل مجموعة عمل دولية تترأسها ليبيا، وتنعقد بشكل دوري لتنفيذ قرارات مجلس الأمن ومخرجات مؤتمر برلين.

التحدي المستمر للمرتزقة والقوات الاجنبية: تستهدف المبادرة ضمن شقها الأمني الدعوة لتوحيد الجيش، وتبيت وقف إطلاق النار، علاوة ضرورة انسحاب المرتزقة والقوات الاجنبية، ويُعد اخراج المرتزقة من ليبيا ضمن أبرز التعقيدات في المشهد، وتعود صعوبة اخراجها لعدة عوامل من بينها: ارتباط مصالح بعض الأطراف الداخلية بتلك العناصر، علاوة على رغبة بعض القوى الخارجية في تعزيز نفوذها وضمان حضورها عبر تلك المجموعات، كما أن غياب آلية واضحة وجدول زمني محدد لتنفيذ عملية الانسحاب يظل ضمن العراقيل المستقبلية.

من ناحية أخرى تظل رغبة تركيا المعلنة في التمييز بين المرتزقة والقوات الاجنبية عائقًا أمام تفريغ الساحة الليبية من العناصر الأجنبية، إذ ترى تركيا أن وجود عناصرها يأتي ضمن الاتفاقيات الأمنية الموقعه من قبل مع حكومة الوفاق السابقة، كما أن الإشارة للخروج التدريجي لتلك العناصر وليس الفوري قد يسمح بالمماطلة من قبل الدول اصحاب المصالح، بل وقد تلجأ تلك الدول للمراوغة عبر اخراج جزء من تلك العناصر لإيهام المجتمع الدولي بالاستجابة وتخفيف حدة الضغوط عليها.

عراقيل الوصول إلى الانتخابات: لاسيما عقبة القاعدة الدستورية، والتي تستهدف مبادرة حكومة الوحدة الليبية إجراء الانتخابات في موعدها المحدد سلفًا، ورغم المساعي الدولية والاقليمية لاستكمال المسار السياسي، إلا أن التوافق على القاعدة الدستورية الحاكمة للانتخابات والمنظمة لها لا تزال تثير الجدل والخلاف، سواء ما يتعلق بترتيب الأولويات وايهما يسبق الأخر الدستور أم الانتخابات، علاوة على الخلاف حول آليات انتخاب رئيس البلاد عبر مجلس النواب أو من خلال الاقتراع المباشر، وفي هذا الصدد فمن المتوقع أن يعمل ملتقى الحوار السياسي الذي سيعقد (28 يونيو) على محاولة ازالة تلك العقبة، وقد ينتهي الأمر بوضع نصوص والاتفاق على مواد تشبة الإعلان الدستوري لتنظيم المرحلة القادمة والاتفاق حول آليات استكمال المسار السياسي. وسوف يتوقف ذلك على الدور الذي يمكن القيام به في تقريب وجهات النظر بشأن آليات الانتخابات.

محدودية الثقة فى انجاز ملف المصالحة الوطنية: تشير المبادرة لأهمية المصالحة الوطنية والحاجة المُلحة لتعزيز الأرضية المشتركة بين الليبين، إلا أن حجم الاحتقان والاستقطاب لا يزال يسيطر على الساحة الليبية، كما أن مساحة الثقة بين عدد من الأطراف لا تزال غائبه بشكل كبير، ومن هنا يمكن ان تصطدم جهود المبادرة في ملف تعزيز ودعم المصالحة بعدد من العقبات أهمها استمرار الشكوك بين الاطراف الليبية، وحيازة عدد من الميليشيات لعناصر القوة، وغياب احتكار الدولة للسلاح وعدم توحيد المؤسسات بالصورة الكاملة.

التوزيع العادل للثروة: تطرقت مبادرة استقرار ليبيا لضرورة تبني خطة اقتصادية تستهدف توزيع الموارد بشكل عادل والعمل على توفير الخدمات، ورغم أهمية الملف الاقتصادي، إلا أن قد يظل أولوية مؤجلة في ظل عدد من الاعتبارات، أولها، أن الحكومة الحالية مؤقته والمدى الزمني قد لا يمكنها من تحقيق مساعيها الاقتصادية، كما أن مهمتها الأساسية تدور حول إدارة المرحلة الانتقالية وتأمين الوصول للانتخابات نهاية العام الجاري. فضلا عن مشكلة اقرار الميزانية التي لا تزال عالقة بين البرلمان والحكومة.

في الأخير، يبدو من مخرجات مؤتمر برلين2، وكلمات المشاركين وجود توافق بين أغلب القوى الاقليمية والدولية حول المبادئ العامة التي جاءت في مبادرة استقرار ليبيا، سواء ما يتعلق بالمرتزقة أو الانتخابات وكذا المصالحة الليبية، أنه يمكن استثمار هذا التوافق والدعم الدولي لتعزيز فرص” المبادرة الليبية” التي تم استعرضت فى ” برلين 2″ ، خاصة أنها تتبنى رؤية واقعية لمعالجة العديد من القضايا العالقة والمتعثرة في الأزمة الليبية بما يتماشى مع خارطة الطريق وملتقى الحوار السياسي ومخرجات مؤتمر برلين وفى اطار الصلاحيات الممكنة للحكومة.

وعليه من المتصور أن مرحلة بعد برلين 2 تحمل قدراً من التفاؤل الحذر، خاصة في ظل استمرار التحديات وتشابك الملفات المرتبطة بعملية التسوية السياسية، وإخراج المرتزقة وتوحيد المؤسسات الليبية، كما أن غياب الضمانات الواضحة وعدم وضوح الجدول الزمني المرتبط بإخراج المرتزقة سيظل تحديًا أمام انجاز تلك المهمة. رغم ذلك يظل مؤتمر برلين 2 وما طرأ عليها من تحولات أبرزها التمثيل الكامل لليبيا يضفي بارقة أمل على إمكانية حلحلة الأزمة في ظل الزخم المتصاعد ورغبة الأطراف الدولية الكبرى في إتمام خارطة الطريق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى