سياسة

“الإخوان واستهداف القضاء”.. حين صمدت وانتصرت ” العدالة”

القضاء المصري ضلع من أضلاع السلطات الثلاث، وتكمن سلطته في شرعيته المتصورة كحكم محايد في النزاعات بين الناس وبين الشعب وحكومته، وهذه الشرعية متجذرة في مهنية ونزاهة القضاة في إدارة سيادة القانون والدفاع عنها.

لقد أظهرت الفترة ما بين أحداث يناير 2011 لنهاية حكم جماعة الإخوان المسلمين مستوى التراجع الذي وصلت إليه كل مؤسسات الدولة المصرية، والذي يتفاوت مداه من مؤسسة إلى أخرى، وإن كان القضاء المصري والمؤسسة العسكرية من أقل مؤسسات المجتمع تراجعًا؛ فعلى الرغم من الاضطرابات التي سادت هذه الفترة، ظل القضاء هو الأكثر استقرارًا بين أفرع الحكومة المصرية، والمؤسسة التشريعية، وظل محتفظًا بنفس القدرة على العمل كضابط للتجاوزات الاستبدادية في تلك الفترة من عمر الوطن.

ونستعرض في هذا التقرير نظرة عامة سريعة على المراحل التاريخية والرئيسية من الاعتداءات الاستبدادية من جماعة الإخوان المسلمين ورئيسها ومكتب إرشادهم على القضاء المصري، واختراق جماعة الإخوان للمؤسسة القضائية والدور الرائد الذي لعبه القضاء ككل ضد إرهاب جماعة الإخوان، وإلقاء الضوء على حل الجمعية التأسيسية الأولى (أبريل 2012)، ثم حل مجلس الشعب آنذاك (يونيو 2012)، وصولًا للإعلان الدستوري المكمل (نوفمبر 2012) ثم حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية الثانية (يونيو 2013).

بداية الحديث أنه ليس بخفي على أحد أن حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية كان قد هاجم خلال ثلاثينات وأربعينيات القرن الماضي القوانين السارية في مصر والعالم العربي، مطالبا زعماء العرب وأمرائهم، بإصلاحات تشريعية وفقا للشريعة الإسلامية، ومقاطعة المحاكم الأهلية وكل قضاء غير إسلامي، وذلك حسبما جاء في رسالة “نحو النور”، التي تضمنها كتابه الشهير “الرسائل”.

وهذا دليل على أن عداء جماعة الإخوان الإرهابية للقضاء ليس حديث العهد أو مستجدا بعدما تولوا السلطة في عام 2012، وإنما ينبع عمر العداء منذ 73 عاما حين قاموا باغتيال قاضي الاستئناف أحمد الخازندار “بتسع رصاصات” في عام ١٩٤٨ عندما كان ينظر قضية متورط فيها عناصر من الإخوان، وعقب اغتيال الخازندار، جاءت محاولة الإخوان لنسف محكمة استئناف القاهرة في يناير 1949 والتي كانت تحتوي على ملفات واعترافات أعضاء الإخوان الذين تم ضبطهم فيما عرف بقضية “السيارة الجيب”، وقد استكمل نهج العداء والتحريض على هدم مؤسستي القضاء والجيش فنجد سيد قطب مسئول التنظيم الخاص المسلح لجماعة الإخوان الإرهابية قد لقب القضاء بالطاغوت.

واستمر عداء الإخوان للقضاة في الثمانينيات والتسعينيات وذلك بسبب أحكامه الرادعة ضد قيادات الجماعة وأعضائها الذين تورطوا في أعمال العنف والإرهاب خلال تلك الفترة، إلى أن قامت أحداث يناير 2011 والتي كان من نتائجها انقضاض الجماعة الإرهابية في عام 2012 بمساعدة جهات فاعلة عربيًا وإقليميًا ودوليًا وفقًا لأجندات وأيديولوجيات معينة على حكم البلاد. 

وبعد اسبوع فقط من توليه مهام منصبه، أصدر الرئيس الإخواني محمد مرسي بناءً على قرارات مكتب إرشاده قرارا مفاجئا بعودة مجلس الشعب (ذو الأغلبية الإخوانية والسلفية بنسبة 70% تقريبًا) إلى الانعقاد والغاء قرار حله والتي قضت المحكمة الدستورية العليا ببطلان انتخاباته في 15 يونيو 2012؛ علمًا بأن هذا القرار كان قد جاء بعد لقاء مرسي بوليام بيرنز نائب وزيرة الخارجية الاميركية، وغداه اجتماع لمجلس شورى جماعة الاخوان المسلمين.

ومنذ ذلك الوقت وقد بدأ العداء في عصره الحديث، فقد أصبحت جماعة الإخوان الإرهابية في يدها مقالد حكم الدولة المصرية ، وأصبح العداء والإرهاب الخفي قديمًا يمارس في العلن وعلى مرأى ومسمع الجميع.

الإخوان» تحشد لـ«مليونية دعم مرسى» غداً وتطالب «الداخلية» بحماية المتظاهرين  من «المأجورين» | المصري اليوم

حيث تضمنت الهجمات على القضاء سعيذ الإخوان لسن قانون جديد للسلطة القضائية ينص على خفض سن تقاعد القضاة من 70 إلى 60 سنة، ما يؤدي إلى عزل نحو 3500 قاض، بهدف استبدالهم بعناصر أخرى إخوانية أو ذات ميول إخوانية جديدة.

وفي 22 نوفمبر 2012 أصدر محمد مرسي رئيس جماعة الإخوان، إعلانا دستوريا مكملًا تضمن حزمة من القرارات منها:

  • جعل القرارات الرئاسية نهائية غير قابلة للطعن من أي جهة قضائية، منذ توليه الرئاسة حتى إقرار دستور جديد وانتخاب مجلس شعب جديد: حيث منح هذا القرار مرسي صلاحيات لم يكن يتمتع بها أي من الرؤساء الأربعة السابقين منذ الإطاحة بالنظام الملكي قبل 60 عامًا، مما يعطي الرئيس سلطة شبه مطلقة وحصانة من الاستئناف في المحاكم على أي قرارات أو قوانين يعلنها حتى يتم وضع دستور جديد وبرلمان جديد، بحيث تعتبر قراراته فوق أي مراجعة قضائية. 
  • إقالة النائب العام المستشار عبد المجيد محمود بالمخالفة للقانون: واستبداله بالمستشار طلعت إبراهيم، وكان غرض هذه الخطوة هو الاغتيال المعنوي للقضاة.
  •  عدم تمكن أي محكمة من حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية في البلاد التي تضع الدستور: وجاءت تلك الخطوة في واحدة من أكثر القرارات إثارة للجدل التي أصدرها مرسي، فقد انسحب معظم الأعضاء من الجمعية التأسيسية التي يهيمن عليها التيار الإسلامي، والتي تقوم بصياغة الدستور الجديد للبلاد. وبناء على أوامر مرسي ومكتب إرشاده، تسابقت اللجنة الدستورية بعد ذلك في جلسة ماراثونية للتصويت على بنود الدستور البالغ عددها 236 بندًا دون مشاركة أي أعضاء من غير المحسوبين على تيار الإسلام السياسي. حيث سارعت الجمعية التأسيسية إلى التصويت على مشروع الدستور في جلسة استمرت لساعات متأخرة من الليل.

وبناءً على الإعلان الديكتاتوري لرئيس جماعة الإخوان

وتعرض السلطة القضائية للتنكيل ومحاولات إخراس صوت العدالة

واختراق القانون؛ اتخذ قضاة مصر موقفًا تجاه إرهاب  الجماعة 

https://gate.ahram.org.eg/Media/News/2018/9/13/2018-636724543218695906-869.jpg


فعلى الرغم من محاولات جماعة الإخوان، بث سمومها وأفكارها التدميرية داخل السلطة القضائية وتفكيك مؤسساتها والتعرض لها بكافة الوسائل، إلا أن قضاة مصر خاضوا معارك لوقف اعتداءات وجرائم الإخوان، وسلكوا طريق العدالة والقانون دون الخوف من تهديدات الجماعة أو التنكيل بهم حيث:

  • قال مجلس القضاء الأعلى إن العمل سيعلق في جميع المحاكم والنيابات حتى يتم إلغاء البيان الدستوري غير الدستوري الذي أصدره محمد مرسي، علمًا بأن آخر مرة شهدت فيها مصر إضرابًا شاملاً من قبل القضاء كان في ثورة 1919، عندما انضم قضاة مصر إلى انتفاضة ضد الحكم الاستعماري البريطاني.
  • دخل قضاة محكمة الاستئناف العالي وكذلك المحاكم الابتدائية في إضراب إلى أجل غير مسمى، على ما اعتبروه اعتداء صارخ من الرئيس الإخواني ومكتب إرشاده على القضاء، ووصفت المحكمة الدستورية العليا تلك الفترة، بأنها “أحلك أيام القضاء المصري على الإطلاق”. 
  • بسبب الاعتداء غير المسبوق على استقلالية القضاء قام كلٍ من فاروق جويدة، وسمير مرقص، مستشاري مرسي بتقديم استقالتهما اعتراضًا على الإعلان الدستوري.
  • رفض المستشار عبد المجيد محمود ترك منصبه متحديًا بذلك القرار الدستوري لأنه يخالف المادة 119 من قانون السلطة القضائية التي لا تجيز عزل النائب العام. 

خرج الشعب المصري في مظاهرات ضد الرئيس الإخواني وتنظيمه الإرهابي، الأمر الذي دعا جماعة الإخوان المسلمين إعلانها عن  حشد “مليون رجل” للخروج في مظاهرة دعما لمرسي في نفس اليوم الذي يخطط فيه الشعب المصري نزوله لإعلان رفضه للإعلان الدستوري المكمل.

وحاول أنصار جماعة الإخوان تنفيذ تعليمات قيادتهم الإخوانية بالهجوم على المحاكم المختلفة، ومحاصرة المحكمة الدستورية العليا التي كانت تنظر في الطعن الخاص بعودة البرلمان الذي صدر حكم وقتها بعدم دستورية انتخاب أعضائه.

ففي ذلك العام الذي حكم فيه جماعة الإخوان الإرهابية قد مارسوا أقصى درجات الاستبداد بأن يسيطر هذا  التنظيم الإرهابي على السلطات الثلاثة؛ حيث كانوا على رأس السلطة التنفيذية إلى جانب تدخلهم السافر في عمل السلطة القضائية وسلب اختصاصات القضاة والإطاحة بالأحكام القضائية، وفرض قرارتهم وإعلاناتهم الدستورية، بالإضافة إلى أن مرسي كان يحكم بدون هيئة تشريعية بعد حل مجلس الشعب آنذاك.

وظل إرهاب وديكتاتورية جماعة الإخوان ورئيسها على جميع مفاصل الدولة المصرية وخاصة القضاء، مع فرض سياسة الأمر الواقع لإسقاط هياكل مؤسسات الدولة، وتحقيق المصالح والمخططات الإخوانية، إلى أن جاءت ثورة الـ 30 من يونيو 2013 والتي أنقذت مصر من براثن الإخوان وصححت مسار الدولة المصرية وعودة مؤسساتها الوطنية.

استمرار الاستهداف بعد ثورة 30 يونيو

شرطة مكافحة الشغب تفرض طوقاً حول المحكمة الدستورية العليا في مصر ، حيث يحاصر عدة آلاف من أنصار الرئيس مرسي يوم الأحد.

 حيث قاموا باستهداف قضاة مصر الذين ينظرون في قضايا الإرهاب المتورط فيها عناصر التنظيم. ففي سبتمبر 2014 استشهد محمد محمود السيد نجل المستشار محمود السيد المورلي، رئيس محكمة استئناف القاهرة، كما حاولوا اغتيال المستشار طارق أبوزيد رئيس محكمة جنايات الفيوم في ديسمبر 2014، وفى يناير من عام 2015 تعرض المستشار خالد المحجوب قاضى قضية الهروب من سجن وادي النطرون، والتي كان متهما فيها محمد مرسى لهجوم على منزله، كما حاولت الجماعة الإرهابية في مايو من عام 2015 اغتيال المستشار معتز خفاجي رئيس محكمة جنايات القاهرة والقاضي في قضية أحداث مكتب الإرشاد، وفي 10 مايو 2015 نجا القاضي معتز خفاجي، رئيس محكمة جنايات الجيزة من محاولة اغتيال أمام منزله.

واستمرت العمليات الإرهابية لجماعة الإخوان تجاه القضاة؛ ففي مايو 2015 استهدفت سيارة يستقلها عدد من وكلاء النيابة والقضاة في مدينة العريش، مما أسفر عن استشهاد ثلاثة قضاة وسائق السيارة، وإصابة اثنين، وجاء هذا الهجوم عقب إصدار الحكم بإحالة أوراق الرئيس المعزول محمد مرسى و103 من قيادات جماعة الإخوان الإرهابية إلى فضيلة المفتي. 

وفي صبيحة يوم التاسع من يونيو من عام 2015 تم استهداف موكب المستشار هشام بركات، النائب العام بسيارة مفخخة وهو في طريقة من منزلة بمنطقة مصر الجديدة إلى مقر عملة بدار القضاء العالي ما أدى إلى استشهاده.

وفى نوفمبر من نفس العام، تم استهداف مقر إقامة عدد من القضاة المشرفين على الانتخابات البرلمانية حينها، وأسفر الحادث عن استشهاد القاضيين عمر حماد، وعمرو مصطفى، وإصابة آخرين.

اختراق القضاء…عناصر نائمة

عملت جماعة الإخوان تحت قيادة مؤسسها حسن البنا على تجنيد واستقطاب القضاة ذلك المرفق الهام والحساس بالدولة؛ فنجدها عملت على استهداف وتجنيد كل من منير الدلة، المستشار بمجلس الدولة والذي أصبح عضوا في مكتب الإرشاد عام 1948، وكذلك تم ضم حسن العشماوي الذي كان وكيلا للنائب العام، وكذلك عبد القادر عودة والذي كان من القضاة المعنيين بنظر قضايا الإخوان ومنح الكثير منهم البراءة وكان أيضًا عضواً في لجنة وضع الدستور المصري عام 1953، وأيضًا المستشار حسن الهضيبي، رئيس محكمة الاستئناف الذي انضم للإخوان في منتصف الأربعينات، وتم تكليفه بمنصب المرشد الثاني بناء على وصية من حسن البنا نفسه، وغيرهم الكثير من القيادات الإخوانية المستترة داخل سلك القضاء والذين يتم الشك بهم ومتابعتهم بناءً على كشفهم من خلال أحكامهم غير المنطقية بالبراءة أو التخفيف في العقوبة للعناصر الإخوانية مثل التي قام بها المستشار أحمد كامل، والمستشار محمود عبد اللطيف المعنيين بنظر أشهر القضايا المتهم فيها الإخوان، في الخمسينات من القرن الماضي وهي قضية “الأوكار”، وقضية “السيارة الجيب” والذين حكموا فيها بالبراءة للبعض وتخفيف الأحكام للبعض الأخر، وفي أحيان كثيرة يتم كشفهم بعد خروجهم على المعاش وإعلانهم صراحة الانضمام لتنظيم جماعة الإخوان الإرهابية. 

 ويذكر أنه وصل عدد القضاة المنتمين للتنظيم الإخواني خلال مرحلة ما قبل 2010، إلى ما يقارب 90 قاضيا والذين يعتبروا من الخلايا الكامنة داخل مؤسسة القضاء المصري.

وفي السنوات الأخيرة الماضية تولى مسؤولية ملف “القضاة” داخل التنظيم، المستشار جميل بسيوني، وأيضًا المستشار حسام الغرياني، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، ورئيس الجمعية التأسيسية لتعديل الدستور في 2012.

وعندما استولت جماعة الإخوان على حكم مصر، ظهروا تحت ما سمي بـ “تيار الاستقلال” وبعد تولى الرئيس السابق محمد مرسي أمور الحكم في البلاد، قرَّب إليه قضاة تيار الاستقلال، وأيضًا “قضاة من أجل مصر”، و”قضاة جبهة الضمير”، وحصل قضاة الإخوان والمتحالفين معهم، على مناصب عليا بالدولة، فتم تعيين المستشار محمود مكي، نائبا لرئيس الجمهورية، وتعيين شقيقه أحمد مكي، وزيرا للعدل، وخلفه المستشار أحمد سليمان، وأصبح المستشار هشام جنينة رئيسا للجهاز المركزي للمحاسبات، والمستشار محمود الخضيري رئيسا للجنة التشريعية بمجلس الشعب المنحل، والمستشار حسام الغرياني رئيسا للجمعية التأسيسية لوضع الدستور، ثم رئيسا للمجلس القومي لحقوق الإنسان.

ويتضح مما سبق، أن نظام حكم جماعة الإخوان الإرهابية قد ترك جروحاً غائرة في الجسد القضائي؛ فقد كانت فترة حكم “محمد مرسي عيسى العياط” سلسلة من الصراعات بين الإسلاميين والقوى الاجتماعية والسياسية. ولم يسلم القضاء من عدوان الجماعة ، بل كانوا أكثر من عانى من حكم الإسلاميين، ومع ذلك كان للقضاء دور واضح ومساهمة هامة في صد العدوان على استقلال القضاء. إلى أن انتفض الشعب المصري بثورة شعب حماها الجيش المصري ليصحح المسار من جديد في 30 يونيو ٢٠١٣، عندما خرج ملايين المصريين يطالبون بإسقاط حكم الجماعة الإرهابية، وألقى وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي آنذاك بيان 3 يوليو عام 2013 بعزل مرسى ونهاية حكم جماعة الإخوان الإرهابية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى