سياسة

لماذا خرج المصريون في 30 يونيو؟

 يوم معاناة من عدة أزمات (بنزين – كهرباء- خبز – أمان …. وغيرها) بكافة أنحاء الجمهورية بشكل يومي ولمدة عام كانت كفيلة بكشف الوجه الحقيقي لحكم جماعة الإخوان المسلمين، وقدرتهم على إدارة الازمات، ناهيك عن تصريحات رأس الدولة وحكومته ومعاونيه في أحلك الأزمات، والتي تنم عن عدم وجود خطة وإمكانية وقدرة على الحل. لكن، كان الرد حاسم من الشعب بعد سنة واحدة بثورة جموع الشعب بكافة ربوع المحروسة، بإسقاط نظام فشل في تقدير حجم الدولة المصرية، وكان كل همه تحقيق مصالح الجماعة حتى ولو كان ذلك على جثث أبناء الوطن.

مشاكل يومية

بوادر الفشل، وعدم القدرة على تقدير الواقع وكيفية حل أزماته كانت واضحة منذ البداية بعدم القدرة على الوفاء بوعود المئة يوم الأولى، والتي تعهد بها الرئيس الأسبق محمد مرسي في برنامجه الانتخابي، فقد تعهد بحل مشكلات المرور والنظافة والوقود والخبز والأمن، لكن ما حدث كان زيادة الأوضاع سوءاً، خاصة أزمة الوقود التي انعكست سلباً على المخابز وحركة المرور والكهرباء.

هذا في حين حاول مرسي رسم صورة مغايرة للواقع الذي يلمسه المواطن يوميًا، بالإعلان في خطاب رسمي، أنه حقق نجاحاً نسبته 70% في مجال توفير الأمن، وبالنسبة للوقود 75% مما تم استهدافه، و40% في ملف النظافة، أما المرور فتم تحقيق 60%، كما أشار إلى أن معدل التضخم انخفض إلى أقل مستوياته في عشر سنوات. في حين أكدت عدة تقارير مصورة مع مواطنين بعدد من القنوات الإخبارية تشير إلى أن ما تحقق أقل كثيرًا عما تم الإعلان عنه.

فعلى سبيل المثال أشار تقرير لقناة بي بي سي الإخبارية، ووفقًا لموقع “مرسي ميتر!” والذي أنشئ خصيصًا لمراقبة تعهدات الرئيس، الذي أكد إنه تم تحقيق 9 وعود من أصل 64 وعدا بنسبة 14% من إجمالي الوعود، في حين جاري تنفيذ حوالي 42% أخرى من الوعود، خلال الـ 100 يوم الأولى لحكم مرسي. كل هذه المشاكل وأكثر عانى منها المواطن طوال عام حكم الاخوان. وكان أبرز هذه المشاكل:

ظلام دامس

عام حكم الإخوان كان عاما أسود على المصريين، هكذا يمكن أن يوصف مضمونًا وشكلًا أيضًا، فقد عانى الشعب المصري من ظلام دامس غطى جميع أنحاء الجمهورية، ووصلت الأزمة ذروتها في أشهر صيف 2013، فقد عانت القاهرة وكافة المحافظات من انقطاع الكهرباء المتكرر والذي يستمر لساعات أحيانًا كثيرة. وذلك نتيجة لنقص إمدادات الوقود المغذي للمحطات، بنسبة عجز في التيار الكهربي وصلت لـ 25% 

أثرت أزمة انقطاع الكهرباء المتكرر على كفاءة الأجهزة الكهربائية المنزلية، هذا إلى جانب تلف عدد كبير من الآلات واضطرار عدد كبير من المصانع إلى الغلق نتيجة لتلف الماكينات أو لعدم وجود كهرباء تغطي احتياجات المصنع، حتى وإن لجأ بعضهم إلى شراء مولدات كهربية إلا إنه لم يكن حلا ناجزا نتيجة نقص المتاح من الوقود اللازم لتشغيله.

ولم ينته الأمر عند الخسائر الاقتصادية نتيجة غلق المصانع وهرب الاستثمار نتيجة تدهور البنية التحتية للدولة، أو الغضب المجتمعي نتيجة افتقاد المواطن لأدنى سبل الاحتياجات المعيشية والراحة خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة بفصل الصيف، بل ووصل الأمر إلى تعريض حياة المرضى والأطفال للخطر. 

وكان من أبرز الحوادث في ذلك الوقت التهام الحريق عشرات الأجهزة الطبية داخل مستشفى سيدي سالم المركزي، بمحافظة كفر الشيخ، بسبب ارتفاع مفاجئ في شدة التيار الكهربائي. وكانت بعض الأجهزة الطبية، ومنها حضانات الأطفال وماكينات الغسيل الكلوي وثلاجة بنك الدم، تعرضت للتلف والعطل بسبب الارتفاع المفاجئ في التيار، كما تعرضت حياة 10 أطفال في الحضانات للخطر نتيجة تعطل الأجهزة.

وبعد هذا الحادث، لجأت بعض المستشفيات إلى إرسال مذكرات لوزارة الكهرباء لإخلاء مسئوليتها حال تعرض الأجهزة الطبية للتلف نتيجة انقطاع الكهرباء المتكرر، ومنها مستشفيات جامعة الزقازيق، في محافظة الشرقية، والتي أرسلت مذكرة استغاثة لوزير الكهرباء، حملته فيها المسؤولية حال وفاة 80 طفلاً داخل قسم الحضانات، بسبب الانقطاع المستمر للكهرباء، وتعطل أحد المولدات، وتوقف أجهزة التنفس الصناعي وأجهزة المتابعة داخل القسم.

كما سلمت 30 طفلاً لأسرهم خوفا من وفاتهم، وإرسال بيان تفصيلي لوزير الصحة، بحالة المولدات المتهالكة بالجامعة، والتي تحتاج صيانة دورية في الظروف الحالية التي وصفها بـ«السيئة».

وكان الحل من قبل حكومة هشام قنديل وقتها هو مناشدة المواطنين بترشيد استخدامهم للطاقة، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بينما طالب الأسرة المصرية بالجلوس في غرفة واحدة وارتداء الملابس القطنية، قائلا “لما تشغل التكييف على 25 درجة مئوية وترتدى ملابس قطنية العملية هتبقى معقولة”، دون أن يتطرق إلى أي خطط حكومية لمواجهة الأزمة.

ولم يكن هذا النوع من التصريحات حكرا على رئيس الوزراء بل كان للرئيس المعزول محمد مرسى نصيبا منها، وطالب المواطنون أيضًا بترشيد الدعم بقوله “لو عندي 10 لمبات أطفى 3 ولو عندي تكييفين أشغل واحد” كما حاول إلقاء اللوم والمسئولية على النظام السابق له قائلًا: “واحد من أتباع النظام القديم المجرم ييجي على عامل التحويلة علشان ينزل سكينة الكهرباء”.

طوابير البنزين 

سبب رئيسي فيما وصلت له أزمة انقطاع الكهرباء المتكرر هو ندرة المتاح من الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، بل وتشغيل المولدات التي لجأ لها المواطنين للعمل على تخطي الأزمة.

وتباينت أسباب الأزمة، وفقًا للأقوال الرسمية المتواترة فأصبح كل مسئول يتنصل من الأزمة وأسببها ليلقيها على أكتاف مسئول أخر، في حين يتحمل المواطن عواقبها بغض النظر عن المسئول، فقد ألقت الرئاسة المصرية والقائمين على وزارة البترول آنذاك باللوم على عمليات التهريب المستمرة،

فأوضحت الرئاسة المصرية في تقرير لها في يونيو 2013 “أن أسباب أزمة الوقود ترجع إلى ارتفاع احتياجات السوق عن معدلات الاستهلاك الطبيعية، وعمليات التهريب التي وصلت إلى 380.5 مليون لتر سولار، و52.1 مليون لتر من البنزين في الفترة من يونيو 2012 وحتى مايو 2013”. فكان العذر الحكومي حينها أقبح من ذنب، والتي أكدت بما لا يفتح مجالا للشك بغياب سلطة الدولة تمامًا.

كما كان من ضمن الأسباب التي تم الإعلان عنها حينها رفض القائمين على توزيع الوقود من أصحاب المستودعات ومحطات البنزين تطبيق منظومة جديدة لتوزيع البنزين والسولار بالكروت الذكية للحد من التهريب وترشيد الدعم. كما أشار المسؤولون في وزارة البترول “أن الأزمة جاءت بسبب نقص كبير في المعروض لعطل فني في معملين للتكرير من أكبر معامل مصر”.

ومع نقص العملة الصعبة، أصبحت مصر عاجزة عن استيراد كميات إضافية من الوقود، فأصبح مشهد تكدس السيارات في محطات الوقود منذ الساعات الأولى للصباح متكررًا، والذي خرجت على إثره كثير من محطات الكهرباء من الخدمة لعدم توفير كميات المازوت اللازمة لتشغيلها. وتسببت أزمة الوقود أيضًا، في ارتفاع أسعار مختلف السلع بشكل كبير لاعتماد النقل على السولار والبنزين.

وكمشكلة فرعية أخرى ناتجة عن نقص الوقود كانت أزمة الطرق والتي تشهد تكدسات مرورية بحثًا عن الوقود، على الجانب الأخر لم تشهد منظومة النقل أي تطورات خلال العام فلم نشهد تشييد أي طرق جديدة، أو إصلاح الطرق القائمة، فضلاً عن تراجع أداء مرفق السكك الحديدية.

وعلى الرغم من الأزمة التي نشأت في الأساس خلال عهد الاخوان، سواء نتيجة سوء إدارة الجانب الاقتصادي وعدم القدرة على توفير العملة الصعبة وبالتالي احتياجات الدولة من الوقود، أو نتيجة عمليات التهريب الناشئ عن الخلل الأمني خلال فترة ثورة يناير، وزيادة أعداد الانفاق مع غزة، والتي وصلت إلى أكثر من ثلاثة آلاف نفق يتم من خلالها تهريب الوقود والسلع الغذائية والسيارات، إلى الحد الذي دفع عشرات الفلسطينيين إلى الاعتصام على حدود قطاع غزة مع مصر، لمطالبة الرئيس المصري محمد مرسي، آن ذاك، بوقف عمليات هدم الأنفاق، و إقامة منطقة تجارية حرة بديلا عنها بين القطاع ومصر، وذلك عقب قيام قوات الجيش بهدم عدد كبير من الانفاق لإحكام السيطرة على منطقة سيناء، وذلك على خلفية تزايد عمليات السرقة والتهريب، هذا فضلا عن تسلل الإرهابيون منه وتنفيذ عمليات إرهابية متفرقة بالأراضي المصرية. 

أما الحل الحكومي فجاء صادمًا للشعب بكل المقاييس، فعلى عكس ما إدعته الأبواق الإعلامية الموالية للإخوان خلال سبع سنوات من تمعن النظام الحالي في الاثقال على المواطن من خلال رفع الدعم عن المواطنين وخاصة دعم المحروقات والذي يلقي بظلال تأثيره على كافة السلع، كانت الخطوة الأولى لرفع الدعم عن البنزين قد بدأت في عهد جماعة الإخوان، فقد كشف هشام قنديل رئيس مجلس الوزراء وقتها عن اتجاه الحكومة لإلغاء الدعم عن بنزين (95) واستخدام الكوبونات فى توزيع أنابيب البوتاجاز، وفى نوفمبر 2012 أعرب قنديل، عن ثقته فى تفهم الغالبية العظمى من المواطنين لقرار رفع الدعم عن بنزين(95) ورغبة الشريحة القادرة في القيام بدورها وتحمل مسئوليها نحو مجتمعها، نافيًا ما ذكرته الصحف وقتها بشأن وجود “ثورة غضب” على ارتفاع أسعار البنزين.

نقص السلع التموينية

لم تتوقف الازمات عند الكهرباء والبنزين فقط، بل إمتدت إلى رغيف العيش، فقرارات حكومة مرسي في ذلك الوقت أكدت بما لا يدع مجال للشك عن قصر رؤية هذه الحكومة أو “الجماعة” في تعبير أشمل، وإفتقارها لأي رؤى استراتيجية أو تخطيط أو حتى دراية باحتياجات الدولة وإمكانياتها. 

ففي الوقت الذي تعتبر فيه مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، لتأمين إحتياجات الدولة لمدة 6 أشهر على الأقل، أصدرت وزارة التموين في عهد حكومة قنديل وقف استيراد القمح في فبراير 2013. لكن لخطأ القرار والتقدير عاودت مصر الشراء قبيل عزل مرسي في مطلع يونيو.

وكشفت عملية الشراء هذه كذب ما روجت له حكومة هشام قنديل منذ بداية موسم حصاد القمح فى مايو 2013 لزيادة الإنتاج المحلى بنسبة %30 عن المواسم السابقة ليصل إلى 9.5 مليون طن، كما أعلن مرسى فى كلمة له خلال «عيد الحصاد» اقتراح تحقيق الاكتفاء.

الأمر الذي أجمع خبراء الزراعة والصناعات الغذائية على أن الزيادة التي توقعها مرسى ليست واقعية بالمرة، ولن تؤدى إلى خفض واردات مصر من القمح التي تجاوزت 5.7 مليون طن العام المالي 2012.

ولم تؤثر أزمة انخفاض الاحتياط الأجنبي على واردات القمح فقط، لكن كان لها مردود أيضًا على “زيت التموين”، خاصة مع اعتماد السوق المحلية على استيراد الجزء الأعظم بنسبة %95 من استهلاكه السنوى. حيث توقفت الشركة القابضة عن طرح أى مناقصات استيراد جديدة بتوجيهات من وزارة التموين ممثلة فى الهيئة العامة للسلع التموينية، آن ذاك، وهو ما اضطر الحكومة إلى تخفيض الحصص التموينية الإضافية من الزيوت تفاديا لحدوث أزمة فى توريد زيوت الطعام.

فقد واجهت تسليمات الزيوت على مدار عام حكم الاخوان عدة أزمات من عدم انتظام البقالات التموينية والجمعيات التموينية فى عمليات التوريد للمواطنين وتأثره نتيجة انخفاض حجم السيولة الدولارية المتوافرة اللازمة لشرائه، كما أدت تجربة «خير بلدنا» التي أعلن عنها باسم عودة وزير التموين بحكومة الاخوان إلى تخفيض الحصص التموينية المقررة للمواطنين من كيلو إلى لتر مقابل التحسين من شكل العبوة ونوعية الزيوت.

هذا إلى جانب بعض القرارات، غير المنطقية، التي تم اتخاذها مثل الاعتماد على نوع واحد من الزيوت وهو العباد بدلاً من خلطه بالصويا، والذي تسبب فى مشكلة لدى شركات الزيوت التابعة لقطاع الأعمال العام، فالشركات غير مؤهلة لتكرير زيوت العباد فقط ولم يتم تطويرها منذ أمد بعيد. فكان من الصعب على الشركات التجاوب مع قرار وزير التموين باسم عودة بتكرير زيوت العباد فقط تمهيداً لتوريدها على البطاقات التموينية.

وعلى نفس المنوال، كانت مشاكل باقي المواد التموينية من أرز ومكرونة (نتيجة ارتفاع أسعار الدقيق)، وذلك نتيجة قراري وزارة التموين والتجارة الداخلية بإسناد مناقصات توريد الدقيق الطباقى «المنتج لرغيف فئة 25 قرشا» لصالح شركات المطاحن الحكومية بدلاً من القطاع الخاص، وآخر بإسناد توريد أكثر من 300 ألف طن أرز تموينى بالأمر المباشر لشركات أرز قطاع الأعمال العام. والذين أثرا سلباً على وتيرة عمل شركات القطاع العام خاصة شركات المضارب السبع الحكومية التى لم تستطع الوفاء بمعظم الكميات المقرر عليها توريدها، مما أدى إلى أزمة فى الوفاء بمقررات الأرز التموينى، آن ذاك. 

ناهينا عن ارتفاع أسعار أنابيب البوتاجاز والذي يتسبب في غضب المواطنين، إلى الحد الذي قام فيه عشرات المواطنين بقطع الطرق احتجاجاً على نقص اسطوانات البوتاجاز وانتشارها بالسوق السوداء على حد وصفهم، فبعد أن كانت أسطوانة البوتاجاز تتراوح من (8:10) جنيهات، أصبح سعرها يفوق الـ 30 جنيه، فيما وصل سعر الأسطوانات المنزلية بحسب بعض المحافظات إلى 50 جنيهًا في السوق السوداء، و110 جنيهًا للأسطوانة التجارية هذا إلى جانب نقص أعدادها وظهور سوق سوداء لبيع أنابيب البوتاجاز، خاصة بفصل الشتاء الذي يشهد زيادة في الاستهلاك، وإمكانية حدوث نوات قد تؤدي إلى تعطيل حركة الملاحة والسفن الموردة لاسطوانات الغاز المستوردة.

بلد على وشك الإفلاس

لم تقتصر حدود الأزمة على القدرة على توفير حياة كريمة للمواطن وتوفير احتياجاته اليومية، بل امتد الأزمة إلى القدرة على إدارة المشاكل الاقتصادية المتراكمة منذ ثورة يناير، والتي تفاقمت في ظل حكم الاخوان، فالمثير للسخرية أن بعض المؤشرات الاقتصادية في عام الثورة “2011” بما يحويه من مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية، كان أفضل على مستوى التصدير من عام حكم محمد مرسي، فوفقا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن قيمة صادرات مصر بلغت 186.7 مليار جنيه عام 2012، مقابل 188.35 مليار جنيه في العام السابق عليه.

فارتفع عدد المصانع المتعثرة، وازداد معدل البطالة بين فئات قطاعات التشغيل كافة، وتراجعت معدلات السياحة الي مستوي متدن، وجاءت المعالجة السلبية لسعر صرف الجنيه لتزيد من الضغوط الحياتية على المواطنين.

فقد تسبب غياب الطاقة في تراجع إنتاجية المصانع بوجه عام ونقص شديد في السلع وارتفاع أسعارها ليبلغ التضخم حينها 7.5% ليبلغ النمو الاقتصادي رقمًا هزيلًا يقل عن 2.5% لا يناسب بلدًا يصل عدد سكانه إلى 90 مليون نسمة، آن ذاك، لتسجل البطالة معدلات قياسية تقترب من 14%.

كما ارتفع العجز الكلي للموازنة العامة للدولة في 2012/2013 ليصل إلى 239.9 مليار جنيه أي ما يعادل 13.8 % من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 166.7 مليار جنيه خلال العام المالي السابق، مع تقلص كبير في إيرادات الدولة.

إلى جانب استمرار تآكل الاحتياطي النقدي من الدولار لدى البنك المركزي ووصل إلى نحو 14.93 مليار دولار بدلا من 15.53 مليار دولار بنسبة انخفاض قدرها 3.8%. وتعد تجربة وزير المالية الحالي محمد معيط، نموذجًا حيًا على مدى المخاطر الاقتصادية التي كانت تهدد مصر، فحينها كان مساعدًا لوزير الصحة، لم يجد 15 مليون دولار فى القاع المصرفي (40 بنكًا) لشراء دواء فيروس “سى” الذى وصلت شحناته مطار القاهرة، بما يعني أن حصة كل بنك من العملة الأمريكية حينها لم تصل حتى إلى 500 ألف دولار.

فالهدف الأساسي لحكم مرسي وجماعته كان الاقتراض من الخارج، سواء من قبل دول سايرت مشروع قدوم الإخوان للحكم كقطر، والتي تم اقتراض 7 مليارات دولار منها، أو تركيا، والتي تم اقتراض مليار دولار منها، أو من خلال السعي للسير في ركب التوجهات الغربية عبر إيلاء قرض صندوق النقد الدولي الأهمية باعتباره شهادة حسن أداء للاقتصاد، وتم سحب نحو مليار دولار من قرض قيمته 2.5 مليار دولار تم عقده مع بنك التنمية الإسلامي، بما يعني أنه أضاف 11 مليارا للديون الخارجية والتي كانت 34.4 مليار دولار وقت تسلم مرسي السلطة، لتصبح 45.4 مليار دولار بعد أقل من عام من حكمه؛ لتصبح مصر في صورة الدولة الساعية للاقتراض دون أن يفعل شيئًا بشأن تعبئة الموارد المحلية، ووضع خطط تنموية مستقبلية.

وإلى جانب سياسة الاقتراض التي تم اعتمادها تم تخفيض قيمة الجنيه، على التعامل داخل البورصة المصرية، فزادت خسائر حائزي الأوراق المالية، وهرب أغلب المستثمرين الأجانب، الأمر الذي عكس خشية المستثمرين على استثماراتهم في مصر، 

كما انخفض تصنيف مصر الائتماني لعدة مرات، بما يعني انخفاض قدرة مصر على سداد التزاماتها الخارجية والداخلية، فبنهاية عام حكم مرسي خفضت مؤسسات عالمية كـ “ستاندرد آند بورز، وموديز، وفيتش” التصنيف الائتماني لمصر من B2 إلى ‏CCC‏ وهذه المكانة المنخفضة وضعت مصر في مكانة قبرص وأعلى من اليونان (التي أعلنت إفلاسها) بدرجة واحدة. الأمر الذي أثَّر على قدرة مصر في الحصول على القروض التي طلبتها من مؤسسات التمويل الدولية، وأرجع الخبراء التخفيض الرابع والأخير إلى غياب خطط معالجة عجز الموازنة وعدم الاستقرار السياسي، على خلفية إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال التي إعلانها فى مدن القناة الثلاث.

وعلى خلاف التصنيف الائتماني لمصر، كانت سياسة تعامل الجماعة مع المستثمرين سبب في هروبهم، فكان يتم التضييق على كثير من المستثمرين لصالح رموز الإخوان، فقد سحبت جماعة الإخوان البساط من منظمات الأعمال خاصة جمعية رجال الأعمال المصريين، لتؤسس الجماعة الإرهابية جمعية تضم رموز الإخوان لتكون واجهة الجماعة لمن يرغب في التقرب إليها ومرافقة الرئيس في جولاته للخارج. هذا إلى جانب أخونه المناصب الاقتصادية العامة بدءا من وزارة المالية مروراً بوزارة الاستثمار.

والذي أثر بطبيعة الحال على حجم الاستثمارات الأجنبية والعربية في مصر خلال الفترة من يونيو 2012 وحتى الشهر ذاته من 2013 والتي انخفضت إلى أقل مستوياتها، فبعدما وصلت الاستثمارات الأجنبية والعربية إلى 13.4 مليار دولار خلال عام 2009 انخفضت خلال عام 2012 لتصل إلى ملياري دولار ثم انخفضت خلال عام 2013 لتصل إلى أقل من مليار دولار.

فلم يكن هناك خطة تنموية أو تصنيعية فكلها وعود وشعارات رنانة زائفة، تنم عن افتقار الجماعة للتخطيط أو التقدير أو المعرفة – فعلى نحو ما ذكرنا سلفًا – أكدت قرارات كمنع استيراد القمح والزيوت وتحقيق اكتفاء ذاتي من القمح عن عدم معرفة جماعة الاخوان المسلمين وأزرعها – والتي تحكم فعليًا- بموارد الدولة وإمكاناتها أو وجود خطة مستقبلية واقعية تنتشل البلاد والعباد من التدهور الاقتصادي الذي ألم بالدولة خلال فترة ثورة يناير وما أعقبها من انفلات أمني، وليست بالتأكيد على غرار مشروع “النهضة” الوهمي 

 أو حتى مشروع قانون تنمية إقليم قناة السويس، والذي تم نشر مسودة له حينها، سيجعل من إقليم القناة منطقة خارج سيادة الدولة المصرية، كما سيمنح سلطات مطلقة لرئيس الجمهورية، كما وجهت له عدة انتقادات تتعلق ببيع أراضي لجهات محددة منها دولة قطر، مما يضر مباشرة بالأمن القومي المصري.

الدولة = مكتب الإرشاد

وكما أرادت الجماعة التضحية وبيع أراضي الدولة المصرية، أرادت أيضًا أن تخلع عنها هويتها، بدعوى تشويه الهوية المصرية، ويعد الازمة الأبرز في هذا الصدد، أزمة وزير الثقافة بسبب منع فن البالية في عروض دار الأوبرا، معللًا أنه يتنافى مع قيم المجتمع المصري، في حين اعترض الأدباء والكُتاب أن يقوم أي شخص حتى وزير الثقافة بتشويه الهوية المصرية، قائلين أن الهوية المصرية لم تكن وليدة اللحظة، وهذه الفنون الراقية وغيرها من الكتابات هي التاريخ المصري الحقيقي، وليس التاريخ السياسي.

لكن يصعب على اتباع الجماعة فهم هذه الحقيقة، فالتصور الوحيد عن معنى الدولة هو الذي يقدمه مكتب الإرشاد، أو بمعنى أوضح الالتزام بنهج المؤسس حسن البنا، مهما كان ذلك مخالفاً لأي منطق، أو لفكرة الدولة الحديثة. أو للإسلام نفسه. فعلى الرغم من أن الجماعة تفترض أن أسباب نجاح الدول هو التزامها بمبادئ إسلامية، لذلك تقوم الجماعة بالترويج للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلا أنها كانت أكثر المعارضين لمؤسسة الأزهر الشريف وحاولت مرارًا تقزيم دوره، لأنه في حقيقة الأمر لا يتوافق مع أغراضهم بل كاشف لزيفهم.

فقادة الحزب وأعضائه لديهم بيعة في أعناقهم للمرشد، لا يمكنهم الحيد عنها، ولا يؤمنوا بفكرة الدولة والمؤسسية مطلقًا، وظهر فكر ومنهج الإخوان المؤدى إلى الفرقة، وخلق أزمات في المجتمع، من خلال سلوكهم الجمعي بعمليات التخييم والعسكرة أمام قصر الاتحادية وفي ميدان رابعة العدوية، ومحاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي، مع تحضير ترتيبات للإعاشة والتموين وتنظيم التجمهر والمناوبات، حيث تم تدريبهم على الاستعداد دائماً للمواجهة والاشتباك والبقاء في الشارع لمدة طويلة للدفاع عن الجماعة ومصالحها، حتى لو أضر ذلك بالبلاد والعباد، وهو ما ينم عما هو مستقر في نفوس أعضاء الجماعة وهو أن “هذا هو ما جُبلنا عليه”، وهذا يؤكد أن الجماعة لا يمكن أن تنفصل عن ماضيها الذي عاشت فيه لتتحول نحو حزب سياسي حقيقي (حزب الحرية والعدالة المنحل) يمارس العمل السياسي في المؤسسات والشارع بشكله المتعارف عليه، لأن الشعور بالجماعة يطغى على الشعور بفكرة الدولة.

وتعد قضية “مليشيات الازهر” عام 2006 – حيث أدي طلاب من “الاتحاد الحر” الموالى لجماعة الإخوان المسلمين بجامعة الأزهر مرتدين زيًا أسود تختبئ خلفه أجسامهم، وقناع رأس لا يظهر سوى العينين، تعلوه كلمة “صامدون” عرضا بأزياء شبه عسكرية أمام مكتب الدكتور أحمد الطيب رئيس الجامعة، احتجاجا علي فصل خمسة من طلاب الاتحاد لمدة شهر. وأجروا استعراضا لمهاراتهم في لعبتي الـ”كونغ فو” و”الكاراتيه”، العرض الذي اصطف فيه الطلاب في طوابير منظمة تشبه طوابير الميليشيات، في تقليد لممارسات كتائب القسام وحماس في الأراضي الفلسطينية المحتلة- أصدق دليل على أن منهجية الاخوان والتي ترتكز فقط على حماية مصالح الجماعة، لم تتغير حتى الآن. 

واستمرت المنهجية حتى مع اعتلائهم كرسي قيادة الدولة، وسيطرتهم على مفاصل الدولة، فبعد حصولهم على الأغلبية في برلمان 2012، وتمكنهم من كافة أزرع الدولة، اتهمت الداعين لإحياء ذكري أحداث محمد محمود الثانية نوفمبر 2012، بأنهم يريدون زعزعة الاستقرار، واتهمتهم بـ”البلطجة”. خاصة بعد أن بدى واضحًا أمام جموع الشعب عدم قدرتهم على إدارة الدولة وحل بعض من مشاكلها بعد أكثر مرور 100 يوم من اعتلاءهم سدة الحكم، وسقط أول ضحية في أثناء رئاسة مرسي وهو “جابر صلاح” الملقب بـ”جيكا”، والذي عُرف عنه أنه من الشباب الذين انتخبوا محمد مرسي، وكان في تراجعه عن موقفه ونزوله ضده في مظاهرات محمد محمود ما يكفي لاتخاذه “أيقونة” ورمزا لثورة 30 يونيو فيما بعد.

وبعد أقل من شهر من هذا الحادث وقعت “أحداث الاتحادية” في 5 ديسمبر 2012، فبعد إصدار الرئيس الأسبق محمد مرسي الإعلان الدستوري في نوفمبر من نفس العام أعطى لنفسه من خلاله صلاحيات مطلقة وحصن مجلس الشورى واللجنة التأسيسية لوضع الدستور، بحيث لا يحل أي منهما وغيرها من القرارات التي زادت من حالة الاحتقان والغضب الشعبي ضد حكم الإخوان ومرسي، حيث دعت المعارضة الشعب للخروج إلى الشارع والاعتصام، فتحرك آلاف المصريين باتجاه الاتحادية وتظاهروا في محيطه، وحدثت اشتباكات عنيفة بين أنصار الإخوان ومرسي وبين المعتصمين أدت إلى استشهاد وإصابة العشرات على رأسهم الصحفي الشهيد الحسيني أبو ضيف.

يومًا تلو الاخر، انجلى الوجه القبيح للجماعة وزادت الدعوات المنادية للوقوف في وجه حكم الاخوان، والتي وصلت على مدى العام إلى 24 دعوة لمليونيات، و5821 مظاهرة، و7709 وقفة احتجاجية، تطالب بوقف جر البلاد إلى حافة الهوية.

وتوالت الاحداث والاشتباكات والتي أسفرت استشهاد نحو 172 شخصًا، وإصابة الألاف من شباب مصر في أحداث مختلفة، وأصبحت دمائهم نبراسا لطريق يسير فيه الشعب المصري للثورة على الإخوان في الثلاثين من يونيو 2013.

محاولة كسر العمود الفقري للدولة

وعقابًا للجيش المصري على مساندته ثورة 30 يونيو المجيدة، حاولت الجماعة الوقيعة بين الشعب والجيش، من خلال اتهام الجيش قتله المتظاهرين السلميين، فقد ضبطت العناصر الأمنية في الجيش المصري الثالث، بالتعاون مع أمن الموانئ شحنة كبيرة من الملابس والأدوات العسكرية داخل حاويتين في ميناء العين السخنة، كجزء من «مخطط إرهابي»، لادعاء أن عناصر من أفراد القوات المسلحة في محيط دار الحرس الجمهوري، قد انشق ليشارك في دعم الاحتجاجات المؤيدة لمرسي، أو افتعال احتكاك مع قوات التأمين، وقتل المؤيدين هناك، وتصوير الوقائع وإرسالها لوسائل الإعلام العالمية لإظهار قوات الحرس الجمهوري وكأنها تقتل الشعب.

وبالفعل أصدرت الجماعة بيان على الموقع الإليكتروني الرسمي لها تزعم فيه ما يلي: “بينما كان المعتصمون السلميون يؤدون صلاة الفجر إذ بطلقات الرصاص الغادرة وقنابل الغاز تطلق عليهم بكثافة من قوات الجيش والشرطة.”، كما طالب بيان لحزب الحرية والعدالة – الذراع السياسية للجماعة –”العقلاء داخل المؤسسة العسكرية بمنع استمرار تلك الأوضاع الانقلابية الشاذة والغريبة على الجيش المصري”، وفقًا لبيانهم المزعوم. 

هذا على خلاف حقيقة أحداث دار الحرس الجمهوري، التي أسفرت عن مقتل 51 شخصا، بدأت بهجوم مسلحين “باستخدام ذخيرة حية وأعيرة خرطوش” على القوات التابعة للجيش والشرطة المدنية المكلفة بحراسة الدار. حيث اسفرت الاحداث عن استشهاد ضابط شرطة ومجند بالشرطة وضابط بالجيش، وإصابة 42 آخرين على الأقل، بينهم ثماني أصابات خطيرة.ختامًا، أكدت كافة الشواهد والبراهين خلال عام من حكم الجماعة أن التنظيم بلا رؤية سياسة واضحة، حيث حدثت تعرية كاملة للفكر الإخواني واكتشفنا أنها غير مؤهلة لإدارة دولة بحجم وقيمة مصر، وأن قادتها الذين لطالما تم التفاخر بهم، اتضح أنهم لا يفقهون أي شيء في معنى الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى