ليبيا

“مؤتمر برلين 2”.. خطوات إيجابية نحو دعم الاستقرار الليبي

تُعد محادثات السلام الليبية الثانية في العاصمة الألمانية برلين والتي انعقدت اليوم 23 يونيو 2021 خطوة ألمانية جديدة في مسار الدعم القائم للدولة الليبية تمهيدًا لتحقيق الاستقرار السياسي؛ إذ دعا وزير الخارجية “هايكو ماس” والأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو جوتيريش” الدول والمنظمات الإقليمية المشاركة في عملية برلين إلى مؤتمر ثانٍ بشأن ليبيا، بالإضافة إلى مشاركة حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية الليبية. 

واستهدف المؤتمر التركيز على الأولويات المُقبلة التي ستتمثل في الاستعداد لإجراء الانتخابات الوطنية التي من المقرر إجراؤها بحلول نهاية العام الحالي في 24 ديسمبر، وضرورة انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ومناقشة إنشاء قوات أمن موحدة.

هذا بجانب تقييم التقدم الذي تحقق بموجب مؤتمر برلين الذي انعقد في 19 يناير 2020، بحضور طرفي الصراع الليبي، ومُمثلين لعدد من المنظمات الدولية والإقليمية بجانب مشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، لتسوية الصراع بين الفرقاء الليبيين تجنبًا لاستمرار حالة الفوضى.

توقيت المؤتمر

تأتي محادثات السلام الثانية بعد ما يقرب من سنة ونصف من عقد المحادثات الأولى، فمنذ ذلك الحين بدأ الفرقاء الليبيون -نتيجة لعدد من المتغيرات الإقليمية والدولية- في تحقيق بعض التقدم السياسي تجنبًا لاستمرار حالة الانقسام، تجلت في التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر 2020، الذي ينص على “انسحاب القوات العسكرية والأسلحة الثقيلة من وسط ليبيا، وتسريح الجماعات المسلحة والخروج الكامل للمقاتلين والمرتزقة الأجانب في غضون 90 يومًا”. وانتخاب منتدى الحوار السياسي الليبي حكومة وحدة وطنية مؤقتة بقيادة “عبد الحميد الدبيبة” في 5 فبراير 2021 لتكون بذلك أول حكومة متوافق عليها في البلاد، وجسدت شكلًا من أشكال الانتقال السلمي للسلطة منذ عام 2012.

وقد صادق عليها مجلس النواب الليبي في 15 مارس 2021، وتتكون من نائبين لرئيس الوزراء، و26 وزيرًا وستة وزراء دولة، فيما أُسندت خمس وزارات منها وزارتان سياديتان وهما العدل والخارجية لأول مرة إلى نساء، الأمر الذي لاقى ترحيبًا أمميًا ودوليًا، وذلك بعد عدد من المباحثات بين الفرقاء الليبيين برعاية الأمم المتحدة على خلفية اتفاق وقف إطلاق النار.

ويُذكر أن أبرز مهام الحكومة سيكون إعادة توحيد المؤسسات الداخلية، وإدارة المرحلة الانتقالية تمهيدًا لإجراء الانتخابات المقبلة، بجانب احتواء حالة الفوضى التي تعاني منها البلاد، ومواجهة التحدي الأكبر الذي يتمثل في إخراج المرتزقة والقوات الأجنبية المتمركزة في البلاد؛ إذ وصل عدد المرتزقة الأجانب والعسكريين أكثر من 20 ألفًا، بعضهم من تركيا وروسيا وتشاد والسودان مقابل استمرار حالة الركود في هذا الأمر، وهو ما أشار إليه “يان كوبيش” المبعوث الأممي إلى ليبيا. وتُبرر تركيا أن القوات التابعة لها تم إرسالهم وفقًا للاتفاق الثنائي مع الحكومة، للتلاعب بشأنهم حتى لا يتم اعتبارهم جزء من القوات التي من المفترض خروجهم. 

ويتزامن توقيت المؤتمر في أعقاب الزيارة الثلاثية للقوى الأوروبية المتمثلة في (وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس”، وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان”، ووزير الخارجية لإيطالي “لويجي دي مايو”) إلى طرابلس في 25 مارس2021 لدعم الحكومة الجديدة؛ إذ جاءت مخرجات الزيارة لتؤكد على عودة السفارات، وتعزيز الوجود الدبلوماسي الأوروبي، وكذلك الرحلات الجوية إلى ليبيا، ومنح التأشيرات من داخل ليبيا وليس من خارجها، وخروج المرتزقة من كافة الأراضي الليبية بشكل فوري، وعدم المساس بالسيادة الليبية مع الدفع بمسار الانتخابات الليبية المقبلة في موعدها المقرر ديسمبر 2021، علاوة على الاتفاق على حتمية مكافحة الهجرة غير الشرعية. الأمر الذي يُبرهن على سعي القوى الأوروبية للانخراط في الأزمة الليبية لإنجاح مباحثات السلام الليبية وإتمام خارطة الطريق، واستكمالاً لدفع عملية السلام سيتم مواصلة مراقبة حظر السلاح في ليبيا.

واتصالاً بذلك؛ فإن الزيارة تأتي في أعقاب إعلان الاتحاد الأوروبي في السابع عشر من مارس 2021، تمديد مهمة العملية العسكرية “إيريني” التي تختص بمراقبة حظر الأسلحة في ليبيا وذلك لمدة عامين (تنتهي في مارس 2023)، التي تم تدشينها على ضوء مخرجات مؤتمر “برلين”، تنفيذًا لقرارات مجلس الأمن بشأن الأسلحة من خلال استخدام الطائرات والأقمار الصناعية والبحرية، وتأتي تلك الخطوة في أعقاب انتهاء العملية “صوفيا”، ومن الملاحظ أن هناك اهتمامًا ألمانيًا بذلك برز فيما قررته الحكومة الألمانية في التاسع والعشرين من مارس 2021 بتمديد مشاركتها البحرية في العملية بالعسكريين والمعدات البحرية والجوية.

دوافع متزايدة

جاء الدور الألماني في تسوية الأزمة الليبية كرد فعل على تحركات القوى الأوروبية الأخرى، وليس مبادرًا، وكذلك فإن التحرك رغم كونه منفردًا، وحاول التنسيق مع القوى الدولية الفاعلة في الأزمة، إلا إنه جاء وفقًا لما تقضيه المصالح الوطنية لبرلين وهو ما تجسد على النحو التالي: 

السعي لخروج المرتزقة الأجانب: ترغب برلين في ضمان خروج المرتزقة في البلاد حتى لا تكون أداة ضغط يمكن توظيفها للإضرار بمسار التسوية السياسية الليبية، الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار وجود بيئة تتسم بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وهو ما تريد هذه القوات لضمان بقائها واتخاذ من البلاد ملاذ آمن، وهو ما سينعكس بشكل سلبي على الأمن الأوروبي بشكل عام، وألمانيا بشكل خاص؛ إذ من الممكن استغلالها من بعض القوى الدولية الفاعلة في الأزمة الليبية لخدمة مصالحة الناجمة عن الأضرار بمصالح الدول الأخرى سواء في الداخل الليبي، أو خارج حدوها. 

تأمين السكان المدنيين: تتخوف ألمانيا من أن عدم دعم الحكومة الحالية والمهام التي تقوم سينعكس على مسار التسوية السياسية بشكل سلبي، وخاصة فيما يتعلق انتشار السلاح في البلاد ووقوعه في يد المليشيات المسلحة، وقيامها باستخدامها ضد أهداف مدنية أو تخزينه بشكل غير آمن. وذلك بجانب جهودها في ضمان الامتثال إلى قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر السلاح، تجنبًا لتفاقم الوضع الإنساني، وحماية المدنيين من النساء والأطفال من خطر المجاعات والعنف، التي تؤدي إلى زيادة حالات النزوح والهجرة غير الشرعية.

تعزيز المكانة؛ تسعى برلين إلى أن تكون فاعلًا دوليًا في بعض القضايا، الأمر الذي يعزز من مكانتها الإقليمية والدولية، في ظل التنافس الأوروبي على مناطق النفوذ غير التقليدية في الشرق الأوسط. فقد أصبحت المنطقة ميدانًا للتنافس بين القوى الدولية التي تحاول خلق موطئ قدم لها يمكن أن توظفه لخدمة مصالحها وخاصة في مرحلة إعادة الإعمار من خلال زيادة الاستثمارات في قطاع البنية التحتية. ويرجع ذلك لكون الحكومة الألمانية ترى نفسها قوى دولية مُحايدة تجاه طرفي الصراع، ولديها علاقات جيدة بالدول الفاعلة في الأزمة، فضلًا عن رغبتها في ريادة عملية الاستقرار في ليبيا. 

وعليه يبدو أن تحرك “ميركل” يأتي في سياق رغبتها في تشكيل إرثها في نهاية فترة ولايتها كمستشارة؛ مما دفعها إلى التدخل في الأزمة من خلال تبني جهود الوساطة، وعقد مؤتمرات دولية لتقريب وجهات النظر بين طرفي الأزمة، والقوى الدولية الداعمة لهم خوفًا من استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار. 

تقليل موجات الهجرة؛ تسعى برلين إلى وقف موجات الهجرة عبر ليبيا التي أصبحت دولة عبور من أفريقيا إلى أوروبا، لذا فإن استقرار البلاد، وسيطرة الحكومة على كافة الأراضي من شأنه الحد من هذه التدفقات، فضلًا عن إن وجود حكومة يمكن عقد اتفاقية معها للحد من الهجرة سينعكس بشكل إيجابي على الجانبين، وبالفعل لدى ألمانيا مساهمات مالية في هذا السياق تدل على سعيها للعمل للحد من الظاهرة التي أضحت من أهم النقاط الخلافية بين القوى الأوروبية بل وفي الداخل الألماني وهو ما تجلى من قبل؛ حيث قدمت ألمانيا أكثر من 45 مليون يورو لحماية اللاجئين من خلال مفوضية اللاجئين، ومنذ نهاية عام 2017 تم إجلاء أكثر من 5500 شخص بحاجة خاصة للحماية من ليبيا. وقدمت 121 مليون يورو إلى المنظمة الدولية للهجرة للمساعدة في عودة المهاجرين وعلى تدابير الحماية من خلال الصندوق الائتماني للطوارئ في الشرق الأوسط لأفريقيا، علاوة على منح نظام الرعاية الصحية الليبي 9.5 مليون يورو كتمويل إضافي في عام 2020، كجزء من مواجهة أزمة “كوفيد-19”. 

توظيف التحول الأمريكي؛ ترغب ألمانيا في الاستفادة من المقاربة الجديدة التي انتهجتها إدارة “جو بايدن” التي حاولت أن تأخذ موقفًا من الأزمة الليبية منذ البداية قائمًا على رفض التواجد الأجنبي في البلاد لا سيما المرتزقة والقوات التابعة للدول الأخرى؛ حيث دعا “ريتشارد ميلز” القائم بأعمال المندوب الأمريكي إلى “احترام السيادة الليبية وإنهاء جميع التدخلات العسكرية في ليبيا فورا”، واستكمل “تماشيًا مع اتفاق وقف إطلاق النار، نطلب من تركيا وروسيا أن تبدأ فورا سحب قواتهما من البلاد وسحب المرتزقة الأجانب والوكلاء العسكريين اللتين قامتا بتجنيدهم ونشرهم وتمويلهم في ليبيا” وذلك إبان اجتماع لمجلس الأمن بشأن ليبيا في 29 يناير 2021. 

وهو ما يعد فرصة لبرلين للبناء عليها للضغط على روسيا وتركيا لإخراج قواتهم والتفاوض بشأن مدى استمراريتهم في البلاد. ويمثل تحولاً في النهج الأمريكي ومقارنته بالإدارة السابقة التي غضت الطرف عن التحركات التركية في البلاد، بجانب عدم الانخراط بشكل مباشر في الأزمة. والجدير بالذكر أن قبل عقد المؤتمر بيوم واحد أوضح “ريتشارد نورلاند” المبعوث الأمريكي الخاص لليبيا إن “هناك مفاوضات جارية مع بعض الأطراف المهمة تهدف إلى محاولة دفع بعض المرتزقة والمقاتلين الأجانب للرحيل”. 

التصدي للابتزاز التركي؛ قد ترغب ألمانيا في التصدي لطموح أنقرة؛ إذ تتخوف من أن تقوم تركيا بالمساومة على خروج المرتزقة مقابل الحفاظ على مكتسبتها التي حققتها في ليبيا، خاصة فيما يتعلق بسلسلة الاتفاقيات التي وقعتها مع حكومة الوفاق، لضمان بقاءها في شرق المتوسط وتقويض أي نظام إقليمي في المنطقة يمكن أن يتجاوز وجودها.

دلالات متشابكة

يعد التدخل الألماني في الأزمة الليبية تحولاً في توجه ألمانيا نحو ليبيا فمنذ 2011 امتنعت عن التدخل في الأزمة بشكل مباشر، ورفضت التدخل العسكري لتسوية الأزمة، إلا إنها أطلقت في سبتمبر 2019، مبادرة دبلوماسية دولية في شكل عملية برلين بهدف دعم جهود السلام التي تبذلها الأمم المتحدة، أسفرت عن مؤتمر برلين من خلال العمل مع المجتمع الدولي (الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة).

لم تكن هذه المرة الأولى التي تولي فيها ألمانيا اهتمامًا واضحًا لتحولات المشهد السياسي في ليبيا؛ إذ أشادت ألمانيا بجانب فرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية بمخرجات منتدى الحوار السياسي الليبي الخاص باختيار السلطة التنفيذية المؤقتة في 5 فبراير 2021، لكونها خطوة مهمة في مسار التسوية السياسية. وأشادت بالتزام بعثة الأمم المتحدة لدعم ليبيا والقائمة بأعمال الممثل الخاص للأمين العام “ستيفاني ويليامز”، مُتطلعين إلى تقديم الدعم الكامل لعمل المبعوث الخاص “يان كوبيش”.

وكذلك، يمثل مؤتمر برلين 2 خطوة إيجابية في مسار دعم الحكومة الجديدة، ومحاولة لاستعادة الاستقرار على كامل الأراضي، من خلال خروج القوات الأجنبية والمرتزقة حفاظًا على السيادة الليبية، وتقييم مخرجات مؤتمر برلين الأول وإلى أي مدى التزمت ببنوده القوى السياسية المشاركة فيه، وذلك تمهيدًا للاستعداد للانتخابات المقبلة. 

وعليه تمثل ليبيا أولوية استراتيجية لألمانيا، علاوة على إنها تُعد نافذة على أفريقيا يمكن أن تُعزز حضورها هناك فيها على المدى المتوسط؛ إذ تعد الحكومة الوطنية المؤقتة في البلاد -التي مزقتها الحروب الأهلية، وتنامي الفاعلين الدوليين والإقليميين فيها بوصفها ساحة جديدة للنفوذ للبعض منهم، علاوة على ارتباطها تاريخيًا ببعض القوى الآخر الأمر الذي أدى إلى تعقيد المشهد السياسي وانعكس بشكل سلبي على ليبيا وامتد إلى دول الجوار الإقليمي- مؤشرًا إيجابيًا على عودة الاستقرار، وتمهيدًا لمرحلة إعادة الإعمار بعد إجراء الانتخابات التي تعد فرصة لبرلين للمشاركة فيها فوفقًا للدراسة أعدتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا “إسكوا”، بشأن علاقة السلام في ليبيا بالمكاسب التي ستنتج عنه، أشارت إلى إنها ستصل إلى ما يقرب من 162 مليار دولار يستفيد منها الشعب ودول الجوار والشركاء الدوليين، مثل ألمانيا التي من المتوقع أن تصل مكاسبها إلى 7.5 مليار دولار.ختامًا؛ بالرغم من الدلالات الإيجابية التي يحملها المؤتمر إلا إنه من المبكر الحكم على مدى فاعليته في قدرته على إلزام الدول الفاعلة في الأزمة على الالتزام ببنوده، وخاصة فيما يتعلق بالمرتزقة والقوات بالأجنبية، هذا بجانب مدى قدرة الحكومة المدعومة دوليًا على توحيد مؤسسات الدولة الليبية، وبناء قوات أمنية موحدة.  بالإضافة إلى أي مدى تستطيع ألمانيا التموضع في ليبيا في مرحلة ما بعد الاستقرار، خاصة وأنها توجد فيها قوى أوروبية أخرى مثل إيطاليا وتتمتع بنفوذ قوي، ومن المتوقع أن تُزيد حكومة “ماريو دراجي” من علاقاتها مع الحكومة الجديدة، لتكون فاعلاً أساسيًا في مرحلة إعادة الأعمار وهو ما أشار إليه وزير الخارجية الإيطالي إبان زيارته للبلاد، بعد تشكيل الحكومة، وقد يكون هناك الآن حالة من الترقب الإيطالي للأوضاع السياسية الألمانية مع قرب رحيل “ميركل” لزيادة نفوذ روما، لكون خليفتها أيًا كان لن يتمتع بحضور سياسي قوي مثلها على الصعيد الخارجي في الوقت الراهن، وسيكون تركيزه بالأساس على الداخل والجوار الأوروبي أكثر من مناطق الأزمات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى