سياسة

“كلمة السر في 30 يونيو”.. الجيش وحماية استقلال القرار الوطني

لا تزال ثورة 30 يونيو، تكشف أسرارها وحقيقة المتغيرات والركائز التي صنعتها، فلم يبالغ الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط حينما قال إن تأثير ثورة 30 يونيو 2013 يماثل نتائج الحرب العالمية الثانية فيما يتعلق بصعود قوى دولية وأفول أخرى.

وتعرضت مصر ما بين 25 يناير 2011 و3 يوليو 2013 إلى أشرس حملة للتدخل الأجنبي في القرار الوطني عبر تاريخ مصر الحديث بأكمله، في ضوء وجود عناصر محلية داعمة لأجندة التدخلات الأجنبية.

العناصر المحلية الداعمة للتدخل الأجنبي

رغم أن صناعة الغرب للجماعات الإسلامية المتطرف أمر مثبت في كتب التاريخ، ولكن ترتيبات ما سمي لاحقاً بـ “الربيع العربي” كانت مرحلة مختلفة عما سبق، حيث جرى اجتماع إسطنبول الشهير عام 2002 وضم ممثلي كافة الحركات والأحزاب والجماعات الإسلامية حتى التي تدعي العداء فيما بينها جهراً على سبيل تقسيم الأدوار.

ولم يكن المؤتمر برئاسة “إسلامية” ولكن ترأس المؤتمر وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “مادلين أولبرايت” التي تشغل وحتى اليوم منصب مدير “المعهد الديمقراطي” الخاص بتدريب النشطاء وصناعة التيار الحقوقي والمجتمع المدني في مصر والشرق الأوسط.

ورغم أنها كانت سنوات الحرب على الإرهاب الا أن سنوات “الربيع العربي” كان يعد لها، عبر تمكين تنظيم الإخوان وما يماثله من تنظيمات إسلامية في الدول العربية والإسلامية، كمقدمة للفوضى والتقسيم وتصنيف دول المنطقة إلى دول إرهابية، وتفكيك جيوشها الوطنية وإهدار مواردها الطبيعية في سلسلة من العقوبات الدولية تؤدي في النهاية إلى اندثار الدولة الوطنية في الشرق الأوسط وتحويله إلى قاعدة كبرى للإرهاب تضرب باستمرار مصالح الكتلة الشرقية التي يستهدفها الغرب مثل روسيا والصين في المرتبة الأولى وتالياً النمور الاقتصادية الصاعدة وأخيراً فرملة صعود القوى الإقليمية العربية والحصول على موارد الشرق الأوسط بثمن بخس عبر البيع غير الشرعي وتجارة التهريب، وفتح باب الهجرة باسم الفوضى والاضطهاد لاستيعاب الغرب لأيد جديدة رخيصة نظراً للمشاكل الديموجرافية في الغرب.

والتقط تنظيم الاخوان في مصر الخيط فوراً، ونظم المعارضة المصرية وأعاد تشكيلها كظهير مدني للإسلام السياسي، وأمعن في لعبة تقسيم الأدوار ما بين يسار وليبراليين وإسلاميين وسطيين ومتشددين بينما أغلب من يحرك تلك التيارات كان على تنسيق مع تنظيم الاخوان او منتم للتنظيم وتظاهر بالانشقاق، ولاحقاً تجمع كل هؤلاء مرة أخرى في إسطنبول تحت راية الاخوان ثانية عام 2013 عقب ثورة 30 يونيو 2013.

وشكلت الأجنحة العسكرية للإسلام السياسي في دول الجوار “ظهيرا مسلحا مهما” لدعم فكرة الحرس الثوري المسلح، منتظرين مخطط ضرب الأجهزة الأمنية المصرية، مثلما جرى من حرق الأقسام واقتحام السجون والدعوة إلى حل جهاز أمن الدولة وإنهاك عناصر الأمن المركزي في تظاهرات سياسية وفئوية، وصولاً إلى توطين تنظيم الاخوان ما بين عامي 2011 و2013 لعناصر إرهابية في شبه جزيرة سيناء والحدود الغربية المصرية استغلالاً للفراغ الأمني والسياسي في ليبيا الشقيقة.

ومهد التيار المدني الطريق لتنظيم الإخوان من أجل الحصول على الشرعية الدولية، سواء ما أسماه الإعلام الدولي، الشرعية الثورية بما جرى في يناير وفبراير 2011، أو قيام التيارات المدنية بالدعوة لانتخاب مرشحي التيارات الدينية في انتخابات مجلسي الشعب والشوري ثم الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية 2012 كما نسقت بعض تلك القوى مع الاخوان في استفتاء إقرار دستور 2012، ما أدى في النهاية إلى أن يصل تنظيم الإخوان إلى الرئاسة والبرلمان وينفرد بالدستور ويضع إطارا شرعيا لتنظيم إرهابي عمل ضد الدولة المصرية 85 عاماً وقتذاك.

محاولة نظام الإخوان فتح باب التدخل الأجنبي

عمد تنظيم الإخوان منذ يومه الأول في السلطة وحتى يومه الأخير، بالاستقواء على الداخل المصري عبر استدعاء قوي الخارجية على الدوام، حيث سعى تنظيم الإخوان لبيع أهم المؤسسات المصرية أو استئجارها إلى قوى عربية وإسلامية تنتمي لتنظيم الاخوان.

كما استقوى التنظيم، بالإدارة الأمريكية ورئيسها باراك حسين أوباما ووزرائه هيلاري كلنتون وجون كيري على الجيش المصري والشعب وحتى الساسة الذين شكلوا جبهة الإنقاذ الوطني، بل وتطور أداء الإخوان إلى استهداف بعض عناصر الإعلام والنشطاء الذين انقلبوا على مشروعهم.

ومع تولي الإخوان للسلطة منتصف عام 2012 تم تفعيل كافة الأجندات الأجنبية فيما يتعلق بترتيب تجنيس بعض شعوب الجوار من اجل تصفية القضية الفلسطينية وتأسيس دويلة فلسطينية في سيناء، وتقسيم سيناء إلى ثلاثة اقسام، شمالاً دويلة فلسطينية ووسط سيناء يتم استهداف إسرائيل عبر تنظيمات إسلامية ما يعطي الذريعة لإسرائيل التدخل في هذه المنطقة الوسطى تحت ادعاء حماية الأمن الإسرائيلي وجنوب سيناء كان يفترض أن يصبح دويلة لتنظيم داعش كما جرى في الموصل العراقية والرقة السورية ودرنة الليبية.

وكانت هناك ترتيبات لحصر الاستثمار الأجنبي في إقليم قناة السويس لصالح الحكومات الإخوانية في الشرق الأوسط، وأن يتم تسليم إدارة القناة لشركات كان يتم إعدادها من خلف الستار تعمل على النهج الإخواني ذاته، كما سعى تنظيم الاخوان إلى توطين عناصر إرهابية في منطقة حلايب وشلاتين المصرية تمهيداً لفصلها عن الدولة المصرية وتحويلها إلى منطقة مسلحة بين مصر والسودان مثلما الحال مع كشمير بين الهند وباكستان.

كما تمت تصفية الدور الخارجي المصري ومحاولة الحاق القاهرة بالمحاور الإيرانية والتركية والقطرية والإخوانية الإسلامية بالشرق الأوسط ومحاولة استخدام القاهرة لاستهداف الدولة الوطنية السورية وتفكيك العلاقات الاستراتيجية المصرية مع الإمارات والسعودية والأردن وتلغيم العلاقات التاريخية بين مصر والسودان، وكان الهدف النهائي هو التمهيد لدولة فاشلة رخوة منعزلة قابلة للتقسيم الطائفي والجغرافي والديموغرافي عبر ابتكار دولة للأمازيغ في الصحراء الغربية وأخرى للنوبة وثالثة للمسيحين ورابعة للسلفيين.

وكان غياب محمد مرسي – بصفته رئيساً للجمهورية – عن حضور جلسة تنصيب البابا تواضروس الثاني جاء اتساقاً مع هذه الإملاءات الأجنبية التي وجدت صدى لدى التيار الديني وحتى أغلب عناصر التيار المدني الموالي للإخوان، ورفض مرسي ومستشاريه الذهاب لاحقاً الى الكاتدرائية وتهنئة البابا الجديد على منصبه.

وكان الغرض من هذا الغياب الرسمي عن المشهد المسيحي هو إيصال شعور غياب المواطنة وعدم الترحيب الإخواني بالمصريين المسيحيين وعدم اعتبار تنصيب بابا جديد لكنيسة الإسكندرية والكرازة المرقسية امر يستحق التهنئة او الزيارة للكاتدرائية بما يساعد في تعميق الشعور بالغبن الطائفي والاحتقان المجتمعي.

أجندة التدخل الأجنبي في مصر

منذ تأكدت الإدارة الامريكية من رحيل النظام المصري في فبراير 2011، وخروج باراك أوباما للقول يوم 10 فبراير 2011 أن رحيل الرئيس مبارك يماثل سقوط سور برلين في أوروبا الشرقية، كان هناك بنك أهداف أمريكي واضح ومتعمد إملائه على الدولة المصرية، على مؤسسات الدولة والشعب المصري، وكان المستهدف الأول هو القوات المسلحة في ضوء انها المؤسسة الوحيدة التي ظلت بكامل قواتها على الأرض بعد انقشاع غبار يناير وفبراير 2011 وما مثله من زلزال لكافة مؤسسات الدولة المصرية.

وشملت تلك الإملاءات الإذعان لتنظيم الاخوان وتمكينه من مفاصل الدولة وخزائن اسرار مؤسسة الرئاسة المصرية والمخابرات العامة والمؤسسة العسكرية والدبلوماسية وجهاز الشرطة المصري، إضافة الى التعاون في بسط سيطرة الاخوان على مجلس الوزراء خاصة وزارة الأوقاف بما تمثله من ثروة قومية، ونشر الفكر التكفيري لسيد قطب في المجتمع المصري بغية تحويل الشعب المصري الى نسخة مدمجة مما يجرى في مجتمعات باكستان وأفغانستان وإيران وبعض الدول الخليجية.

وشملت الإملاءات تصفية الدور المصري وحرية صناعة القرار والعودة الى خطوط ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 حينما كانت إدارة بالخارجية البريطانية مسؤولة عن القرار الوطني للدولة المصرية، حيث كانت أمريكا تعتزم تشكيل مجموعة مراقبة للدولة المصرية بالمشاركة مع الاتحاد الأوروبي لإدارة القرار المصري وسلبه الاستقلال الذي حصده عبر ثورتي 1919 و1952 وما بينهم من انتفاضات شعبية اثخنت الاحتلال البريطاني.

ولعل أخطر إملاءات الغرب عموماً والولايات المتحدة الامريكية على وجه التحديد، هو تصفية الحراك الثوري أو الشعبي بعد أن أتم مهمته بإيصال الإخوان للسلطة، وانه يجب فرملة هذا الفوران الشعبي وعدم الاستجابة له مرة أخرى مهما كان على حق ومهما بلغ من الذروة، وان تصبح يناير 2011 وفقاً للمسميات الأمريكية هي آخر ثورات الشعب المصري على الاطلاق، وأن تفرض الدولة المصرية عموماً والمؤسسة العسكرية على وجه التحديد الأمن والسيطرة في الشارع لصالح الحكومة الاخوانية حتى لو اتخذت مصر احدي اشكال ديكتاتوريات جمهوريات الموز فهذا هو المطلوب لتنفيذ البنود عقب الانتهاء من تصفية الحراك الثوري.

وجرى تحذير المؤسسة العسكرية المصرية بشكل مباشر من جون كيري عقب توليه وزارة الخارجية الامريكية بأن انحياز الدولة المصرية للشعب المصري ضد النظام الإخواني هو خط أحمر امريكي سيكون له تبعات خطيرة على العلاقات الثنائية وعلى المساعدات الامريكية الاقتصادية والعسكرية لمصر.

وهكذا كان المشهد عشية بدء حراك يونيو 2013 الذي وصل للذروة يوم ثورة 30 يونيو، دوائر إقليمية ودولية تقف خلفها دولة عظمى تصنف بأنها اقوى دولة من العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وفي الداخل عشرات الالاف من العناصر المحلية الداعمة سواء تنظيم الإخوان أو ظهيره المدني وقد جلسوا على مقاعد الرئيس والوزراء والبرلمان وامتلكوا ناصية الدستور.

استرداد وصيانة القرار الوطني المصري

أدركت المؤسسة العسكرية المصرية منذ اليوم الأول لبدء الربيع العربي في تونس ديسمبر 2010 بأن المخططات الإقليمية التي تم رصدها عبر المخابرات العامة والحربية قد أصبحت موضع تنفيذ، ونظراً لتآكل النظام المصري وقتذاك، كان مستحيل تفادي حراك يناير 2011 ولكن الدولة المصرية عملت على تقليل خسائره في السر والعلن، وعقب مغادرة المتظاهرين للميادين عقب احتفالات 11 فبراير 2011، بدأت الدولة المصرية وعلى راسها القوات المسلحة في إعادة بناء مؤسسات الدولة من اجل العمل معاً لاسترداد الجمهورية المصرية من ايدي قوى الشر.

وكانت التحديات الموجودة أمام الجيش المصري تتمثل في إعادة الثقة إلى وزارة الداخلية المصرية وجهاز الأمن الوطني وكافة عناصر جهاز الشرطة الذي سطر مواقف تاريخية وطنية للدولة المصرية أبرزها معركة الإسماعيلية يوم 25 يناير 1952، والحفاظ على أسرار واستقلالية جهاز المخابرات العامة المصرية من أيدي تنظيم الإخوان ومحاولات لجان البرلمان التطاول على أسرار الدولة المصرية، إضافة الى فرملة الأخونة الناعمة للجهاز الإداري والقطاع العام للدولة المصرية.

والتصدي لمحاولات “تجنيس إخوان” الدول المجاورة وتوطينهم في سيناء ومطروح وحلايب وشلاتين، وتعليق أي مشاريع او صفقات يمكن ان يوقعها النظام الإخواني مع الحكومات الاخوانية في المنطقة، والتصدي لأي محاولة من نظام الاخوان لدفع المؤسسة العسكرية لمشاريع إقليمية في سوريا او السودان ضد الدولة والجيوش الوطنية الشقيقة.

وأيضاً التصدي لمحاولات تنظيم الاخوان استخدام عناصر جهادية عائدة من الخارج تنتمي إلى تنظيم الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد وقضية العائدين من ألبانيا من أجل تشكيل حرس ثوري إخواني يكون بديلاً عن القوات المسلحة وتشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكون بديلاً لجهاز الشرطة، وكذا التصدي لمحاولات تحويل منصة القضاء المصري الشامخ الى منصة اخوانية شديدة الشبه بتنظيم المحاكم الإسلامية الصومالي.

ولكن ذروة استقلال القرار الوطني المصري النابع من قوة وتماسك القوات المسلحة المصرية تجسد في التحدي الصارخ الواضح للإملاءات الأمريكية، بالانحياز للثورة الشعبية الرافضة للمشروع الأمريكي، وعدم المساس بالحركة الوطنية طالما كان نهجها سلمياً ولم ترفع السلاح أو تمارس العنف أو تقبل بان يندس وسطها التكفيريين بدعوى العمل الثوري.

كما كان موقف المؤسسة العسكرية واضحاً في أن المساعدات العسكرية الأمريكية هي تعاون ثنائي وليست منحة، ولا يمكن أن تقترن بحزمة شروط تتعلق بقرار المصري السياسي والعسكري في الداخل والخارج.

وكان واضحا رأي القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، ممثلة في القائد العام وزير الدفاع والإنتاج الحربي الفريق أول عبد الفتاح السيسي في اخر لقاء مع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قبل ثورة 30 يونيو 2013، بأن القوات المسلحة قادرة على العمل بدون السلاح الأمريكي والمساعدات العسكرية الأمريكية السنوية.

ومثل انحياز الجيش المصري لثورة الشعب في يونيو/يوليو 2013 ذروة التحدي المصري للهيمنة الأجنبية، بما يماثل كسر الحاجز الذي قام به الجيش المصري في أكتوبر 1973.

وطلب البيت الأبيض في الفترة ما بين 30 يونيو 2013 و 3 يوليو 2013 من وزارة الدفاع المصرية أن يبقى الرئيس الإخواني في منصبه مع تسليمه صلاحياته إلى مجلس الوزراء، ولكن المؤسسة العسكرية المصرية لم تستمع الا إلى ممثلي الشعب المصري في الاجتماع التاريخي يوم 3 يوليو 2013، حينما اجتمع السيسي مع زعماء جبهة الإنقاذ وممثلي حركة تمرد إضافة الى فضيلة شيخ الازهر وقداسة بابا الإسكندرية، وبعض ممثلي الأطياف السياسية والحقوقية الأخرى.

وقد اتخذ المجتمعون القرار الوطني الخاص ببيان 3 يوليو 2013 بينما وقفت المؤسسة العسكرية تحرس وتصون وترعا استقلالية وحرية القرار الوطني النابع من الميادين والذي وصل صداه إلى بيان 3 يوليو 2013 دون الاستماع إلى اتصالات باراك أوباما الداعي لإبقاء محمد مرسي بلا صلاحيات على أمل أن يجتاز المشروع الأمريكي أزمة 30 يونيو 2013 قبل أن ينقض مرة أخرى على الثورة حال بقاء الرئيس الإخواني في منصبه ولو شرفيا.

لولا وجود القوات المسلحة المصرية، قوية، متماسكة ومستقلة وبدون اختراق وتمكين إخواني، وارادتها في صيانة وحفاظ القرار الوطني مستقلاً وخالياً من الشوائب الغربية والإملاءات الأمريكية، لما وصلت ثورة 30 يونيو 2013 إلى محطة 3 يوليو 2013 وتم تنحية أول رئيس مصري يصدر بحقه حكما بالتجسس لصالح جهة أجنبية ويحاول استبدال الجيش والشرطة والقضاء والأزهر بمؤسسات إخوانية تكفيرية بديلة.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى