دول المغرب العربي

“الجزائر الجديدة” وضبابية المشهد بعد الانتخابات التشريعية

أجرت الجزائر انتخابات تشريعية مبكرة (12 يونيو) لاختيار 407 نواب يشكلون برلمانًا جديدًا غير ذلك الذي أصدر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قرارًا بحله والدعوة إلى انتخابات مبكرة (18 فبراير). وقد جاءت هذه الانتخابات في خضم حالة معقدة تعيشها السياسة الجزائرية في الوقت الراهن على إثر استمرار مظاهرات الحراك الشعبي الذي انطلق (فبراير 2019)، وتعطي الانتخابات ونتائجها ملمحًا لاحتمالات استمرارها في المستقبل القريب.

مشهد انتخابي معقد

أعلن الحراك الشعبي استمرار وجوده بقوة في المشهد الجزائري في الذكرى الثانية للحراك الشعبي عبر مسيرات حاشدة جابت العديد من المدن الجزائرية تعبيرًا عن استمرار المطالبة بتلبية مطالب الحراك. ورغم أن الرئيس عبد المجيد تبون قد أعلن عددًا من القرارات التي تتماس مع هذه المطالب، وأهمها حل البرلمان الذي يمثل النظام الجزائري السابق للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والدعوة إلى انتخابات مبكرة، إلا أن الحراك الشعبي رفض هذه الانتخابات، ووصفها بـ”الصورية” و”هروب إلى الأمام”، داعيًا إلى مقاطعتها.

وجاءت نسبة المشاركة في الانتخابات التي أعلنت عنها السلطة المستقلة للانتخابات (15 يونيو) معبرة عن واقع هذه الأزمة، إذ شارك نحو 5.6 مليون ناخب بنسبة 23.03% فقط من إجمالي من يحق لهم التصويت في الانتخابات والبالغ عددهم أكثر من 24.4 مليون ناخب. وهي نسبة مقاربة لتلك التي شاركت في استفتاء تعديل الدستور (1 نوفمبر 2020) والتي بلغت 23.7.

وتمثل نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة النسبة الأقل على الإطلاق في الانتخابات التشريعية الجزائرية خلال العشرين عامًا الماضية؛ فنسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة التي أجريت عام 2017 بلغت 35.7% وهي التي كانت بدورها أقل من الانتخابات التشريعية السابقة عليها والتي جرت عام 2012 وبلغت نسبة المشاركة فيها 43.1%. 

ويؤشر ذلك التراجع المستمر في نسب المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة منذ عزل نظام بوتفليقة، والذي ظهر في الانتخابات الرئاسية بنسبة 39% فقط ثم الاستفتاء على تعديل الدستور ثم الانتخابات التشريعية على أن حالة رفض الحراك الشعبي لانتخاب عبد المجيد تبون رئيسًا للجزائر (ديسمبر 2019) بوصفه امتدادًا للنظام القديم مازالت مستمرة ومتمددة في قطاعات واسعة من الشعب الجزائري، وخاصة الشباب.

مسارات ضبابية

أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات (15 يونيو) النتائج غير النهائية للانتخابات التشريعية قبل أن يفصل المجلس الدستوري في الطعون المقدمة إليه ويصدر النتائج النهائية. وعكست هذه النتائج تغيرات طفيفة في المشهد السياسي الجزائري كان أبرزها حصول المستقلين على كتلة كبيرة داخل البرلمان، أما المشهد العام فكان استمرار الأحزاب التقليدية في المشهد بحصولها على أكثرية المقاعد دون تحقيق أغلبية.

فحل حزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم في عهد بوتفليقة) في المرتبة الأولى في الانتخابات بحصوله على 105 مقاعد، ثم حصل المستقلون على 78 مقعدًا، ثم حركة مجتمع السلم “حمس” (إخوان الجزائر) حصلت على 64 مقعدًا، ثم حصل التجمع الوطني الديمقراطي على 57 مقعدًا، وحصلت جبهة المستقبل على 48 مقعدًا، ثم حصلت حركة البناء على 40 مقعدًا. 

وذلك على الرغم من التوقعات التي سبقت الانتخابات وأشارت إلى تراجع مكانة الأحزاب التقليدية التي تصدرت المشهد في عهد بوتفليقة (جبهة التحرير الوطني –التجمع الوطني الديمقراطي) واحتمالات بروز أحزاب جديدة تمثل مطالب الحراك، أو التوجه نحو إعطاء الأغلبية للأحزاب ذات التوجه الإسلامي (حركة مجتمع السلم – حركة البناء).

ويمكن قراءة انعكاسات هذه النتائج على مستويين:

شعبيًا

تعمق نتائج هذه الانتخابات ونسبة المشاركة المتدنية فيها من أزمة الرفض والمعارضة للنظام القائم أيًا كانت سياساته، بوصفه امتدادًا لنظام بوتفليقة؛ إذ لا ينسى الحراك الشعبي أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون كان رئيسًا للوزراء في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ويمثل فوز الحزب الحاكم في عهد بوتفليقة بالأكثرية داخل البرلمان تعميقًا لهذه الأزمة التي ستفرض نفسها على المستقبل الجزائري.

ورغم إعلان الرئيس تبون عمله على بناء “الجزائر الجديدة”، ومحاولة تلبية مطالب الحراك الشعبي، فإن ما نتج عن هذه الانتخابات لن يسهم وفق ما يراه الحراك في الوصول إلى “جزائر جديدة”، وإنما إعادة إنتاج النظام الذي خرجوا عليه في فبراير 2019 وتكريس له. ومن ثم فإن النظام الجزائري بشقيه الرئاسي والنيابي سيستمر في مواجهة أزمة الثقة المتجذرة بين الحراك والنظام من جانب، وبين القبائل والنظام من جانب آخر، وذلك بالنظر إلى أن أكثر المناطق التي شهدت عزوفًا عن المشاركة في الانتخابات هي ما تسمى بـ”منطقة القبائل” والتي تشمل عدة ولايات أبرزها ولايتي “بجاية و”تيزي وزو” والتي بلغت نسبة التصويت فيهما 0.79% و062% على التوالي، وهي نفسها المناطق التي شهدت مسيرات تابعة للحراك قبيل الانتخابات.

وسيتعين على النظام مواجهة موجات متصاعدة ومستمرة من الغضب الذي يعبر عنه الحراك الشعبي في مسيراته، لا سيّما مع المشكلات الهيكلية التي يعاني منها الحراك والتي انعكست في عدم اصطفافه تحت لواء واحد يخوض به غمار الانتخابات التشريعية لمأسسة مطالبه وتنفيذها بصورة رسمية، وعزوفه عن المشاركة مما أسهم في تحقيق أكثرية للأحزاب القديمة؛ فهذه المشكلات الهيكلية وعدم وجود قيادة موحدة ستعني استمرار الحراك في مدن عدة، ولذلك فإن المسيرات التي توقفت لأوقات بسبب جائحة كورونا من المتوقع أن تستمر وتتمدد، خاصة مع استمرار تعقد الأوضاع الاقتصادية في الجزائر، وما أنتجته من تأثيرات على حياة الجزائريين وأوضاعهم المعيشية.

سياسيًا

لم تفرز الانتخابات التشريعية الجزائرية أغلبية واضحة تستطيع تشكيل حكومة جديدة، وإنما أفرزت برلمانًا منقسمًا بين عدد من الكتل حازت أكثرها على 25% من عدد مقاعد البرلمان، ومن ثم تنطبق على هذه الحالة المادتان 103 و105 من الدستور الجزائري المعدل في 2020، فتنص المادة 103 على “يقود الحكومة وزير أول في حال أسفرت الانتخابات عن أغلبية رئاسية، ويقود الحكومة رئيس حكومة في حال أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية برلمانية”. وتنص المادة 105 على “إذا أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، يعين رئيس الجمهورية وزيرًا أول ويكلفه باقتراح تشكيل الحكومة وإعداد مخطط عمل لتطبيق البرنامج الرئاسي الذي يعرضه على مجلس الوزراء”.

ومن ثم فإن نتائج هذه الانتخابات ستفرز عن تشكيل حكومة يرأسها “وزير أول” يختاره رئيس الجمهورية، مع صلاحيات واسعة للرئيس وفق “البرنامج الرئاسي الذي يعرضه على مجلس الوزراء”. وقد تكون هذه الصيغة فرصة أكبر للرئيس عبد المجيد تبون، ولذلك كان تصريحه أثناء الانتخابات بأنه لا يهتم بنسبة المشاركة في الانتخابات. ولكنها في الوقت ذاته تمثل مأزقًا كبيرًا لتبون الذي يضعه مجمل المشهد السياسي الجزائري في مواجهة منفردة مع الحراك الشعبي الغاضب في ظل الحاجز السميك من عدم الثقة الذي يفصل بينهما، والوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه الجزائر والذي قد يفرض احتمالات اللجوء إلى إجراء إصلاحات اقتصادية قد تزيد من هذا الغضب الشعبي.

وتبقى بذلك سمات الضبابية وعدم اليقين وعدم الاستقرار السياسي هي الحاضرة في المشهد الجزائري خلال الفترة المقبلة، وسيتعين على الرئيس وحكومته الجديدة العمل بشكل قوي وفعّال وسريع لإحداث إصلاح اقتصادي عميق يسهم في بناء الثقة مع المواطنين والتخفيف من وطأة الغضب، مع ضرورة إجراء حوار وطني على مستوى الولايات لتخفيف الاحتقان الشعبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى