أوروباالأمريكتان

قمة الناتو 2021: عودة للتماسك الغربي أم محطة جديدة للخلاف؟

انتهت قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الحادية والثلاثين يوم 14 يونيو ببروكسل، حيث اجتمع بها رؤساء دول ورؤساء حكومات الثلاثين دولة الأعضاء بالمنظمة.  وتعد تلك القمة هي الأولى للرئيس الأمريكي “جو بايدن” الذي يختلف عن سلفه في إيمانه بالحلف، إذ يعد “بايدن” من أشد مؤيدي الناتو، وسبق وأن وصفه بـ “أهم تحالف عسكري في تاريخ العالم” وهو ما دفع مختلف القادة بالناتو للشعور بالارتياح لعودة الولايات المتحدة (المهيمنة على الإنفاق الدفاعي للحلف).

وقد تطرّق البيان الختامي لعدد كبير من القضايا. بداية من الاتفاق على الإعداد لمفهوم استراتيجي وأجندة جديدة للحلف لعام 2030 يتم التصديق عليه في الاجتماع القادم للحلف في 2022، وحتى مناقشة توسيع مجال المهددات التي تواجه الحلف، وغيرها من قضايا متنوعة وأساسية.  وعليه فإن الورقة ستتعرّض لأبرز نتائج القمة والقضايا المطروحة بها، وردود الفعل المحيطة بها، والتحديات التي تواجه الحلف ككل، في ضوء التحديات المطروحة.

نتائج القمة: الاتجاه نحو هيكلية جديدة للحلف

تطرّق الأمين العام للحلف “ينس ستولتنبرغ” لعدد من القضايا تمثل أبرز ما تم التوافق عليه في البيان الختامي التي توافق عليه قادة الحلف، والتي تكوّن من 79 فقرة، غطت أبرز اهتمامات الحلف وتوجهه المستقبلي. ولكن نظرًا إلى تشعب الملفات التي تم تغطيتها، فإنه سيتم إلقاء الضوء على أبرز التغيرات في تلك القمة، والتي كانت كالتالي:

الانسحاب من أفغانستان: تمت مباركة خطوة الولايات المتحدة بسحب قواتها، والتي تلاها خطط الناتو بسحب قواته. فتم التأكيد على سحب قوات الناتو، ولكن مع تقديم الدعم للقوات المحلية، واستمرار تدفق المساعدات الإنمائية، ومناقشة استمرار تركيا في الاضطلاع بدورها في تأمين المطار الدولي في كابول.

مواجهة التغير المناخي: لأول مرة في تاريخ الناتو، اتفق قادة الدول الأعضاء على ضرورة التطرق للتأثير الأمني للتغير المناخي، إذ سيقوم الحلف بإجراء تقييمات دورية لوقع التغيرات المناخية على العمليات العسكرية للناتو وعلى منشآته وبعثاته، مع دمج التغير المناخي في مناورات الحلف، ومشترياته، وعمله الدفاعي بصفة عامة. واتفق قادة الحلف على أن يصل صافي الانبعاثات الدفيئة إلى صفر كربون في العام 2050.

التحالف مقابل الصعود الصيني: أشار ستولتنبرغ إلى ضرورة تكيف الناتو مع واقع أن الصين تقترب من الحلف بشكل لا يمكن تجاهله في العديد من المناطق كإفريقيا والقطب الشمال، ومحاولتها لتمديد نفوذها داخل البنية الحيوية لدول الحلف بشكل خاص وفى العالم بشكل عام. يتوازى مع ذلك استثمارها المكثف في القدرات العسكرية المختلفة، وما يشكله هذا من تهديد بسبب يرجع لعدم توافقها مع القيم الليبرالية الغربية، بل وانتهاكها لها من خلال قمع الاحتجاجات الديمقراطية في هونغ كونغ، واضطهاد الأويغور وجميع الأقليات. وبرر ذلك ضرورة إدخال هذا التحدي في المفهوم الاستراتيجي للحلف، فقد تم تجديده آخر مرة عام 2010، ولم يأت فيه ذكر الصين بكلمة واحدة، بل أن الصين بدأت تطرح للمرة الأولى بقمة لندن 2019. ولكنه شدد على عدم اعتبار الصين “عدو” بل “تحدي”، وهو ما يتسق مع الرؤية الأوروبية بامتياز.

توسيع مجال المادة الخامسة: تُعد تلك المادة الممثلة لروح للحلف، وهي التي تنص على أن الهجوم على دولة من دول الحلف، بمثابة هجوم على دول الحلف ككل، بما يستوجب دفاع الدول الأعضاء عن الدولة. وقد تم الإشارة لتوسيع مجال التهديدات المهددة للحلف؛ فلم تعد مقتصرة على الهجوم الجوي والبري والبحري، ولكن تم توسعتها كذلك لمجال الفضاء الجوي والفضاء الإلكتروني، وهو ما يتناسب مع التهديدات السيبرانية الأخيرة على الدول المختلفة داخل الحلف، والتي تم التطرق للتهديد الروسي مباشرة في هذا المجال. فتم التأكيد على زيادة الاستثمار في الدفاعات السيبرانية والتكنولوجية للحلف، بجانب قواته الدفاعية التقليدية. بالإضافة إلى التنافس على الفضاء، الذي بدأت الصين في اقتحامه مؤخرًا، والذي ثمّن الحلف كذلك توسع الدول في الاستثمار به، إذ سيتم إنشاء مركز الفضاء التابع لحلف الناتو في ألمانيا، والتأسيس المرتقب لمركز الامتياز الفضائي في فرنسا في هذا السياق.

مستقبل التوسع بمنطقتي البلقان والبحر الأسود: أكدّ ستولتنبرغ أهمية الدفاع عن المنطقة، وتوسع عمله بها. فبالنسبة لمنطقة غرب البلقان أوضح الحلف التزامه بمساعدة دول المنطقة، أولها من خلال قبول انضمام دولتي الجبل الأسود ثم مقدونيا الشمالية العضو الأحدث. مع وجود على الأرض كذلك من خلال مهمة له بكوسوفو أيضًا. أما فيما يخص منطقة البحر الأسود فتمت الإشارة إلى وجود ثلاثة أعضاء بالحلف مطلين على المنطقة وهم تركيا وبلغاريا ورومانيا، بالإضافة إلى تعزيز الوجود الخاص بالحلف في المنطقة. 

ولكن بالرغم من هذا فقد أشار ستولتنبرغ إلى دعم دول الحلف لأوكرانيا وجورجيا، ولكنه أكد في الوقت ذاته أن قبول عضوية الدولتين يعُد مستبعدًا في الوقت الحالي (وهو ما يمثل تهدئة من قبل الحلف في مواجهة روسيا، بالابتعاد عن مجالها الحيوي المباشر في الدولتين)، حيث قال بشكل مباشر عن قبول عضوية جورجيا إنه “في قمة بوخارست، ذكرنا بوضوح أن جورجيا ستصبح عضوًا، لكننا لم نقدم أي تواريخ، ولن نقدم أي تواريخ اليوم أيضًا”.

مستقبل الحلف: تباين الرؤي والأولويات

لقد تعرّض حلف الناتو لعدد من المهددات، ولكنه استمر في تطوير هيكلته حتى يتواءم مع تلك التغيرات، فتوسع شرقًا، وبدأ بالقيام بعمليات حفظ سلام في الخارج وغيره. ولكن ما تعرّض له الحلف في سنوات حكم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مثلّت تهديدًا أشبه بالوجودي للحلف، حيث ألمح لخروج بلاده من الحلف، ما لم يقم باقي الأعضاء بالمساهمة التي تم الاتفاق عليها (لم يكن أول من وجّه تلك الانتقادات، فقد بدأت منذ وقت الرئيس أوباما). وما تبعه من تصريح الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” بموت الحلف دماغيًا والذي أحدث زخمًا حول فاعلية الحلف، وجدوى استمراره.

ولكن تولي الرئيس الأمريكي “جو بايدن” للإدارة الأمريكية، أعاد أحياء الآمال في بقاء الحلف، واستمراره. ولكن هذا في الوقت ذاته لم ينهِ بشكل حاسم عددًا من التحديات الهيكلية التي مازالت تواجه الحلف، وهو ما سيتم إيضاحه، كالتالي:

أولًا: انخفاض حجم الانفاق الدفاعي:

ترجع بداية الجدل حول الإنفاق الدفاعي للناتو إلى الاتفاق الذي توصل له قادة الحلف في قمة ويلز عام 2014 (وهو ما كان مدفوعًا باحتلال روسيا لجزيرة القرم) بالاستثمار وإنفاق 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2024، وإنفاق 20 ٪ من ذلك على المعدات الرئيسية.

ولكن بالرغم من ذلك، فنجد أنه وفقًا لتصريح الأمين العام للحلف، فإن عشر دول بالحلف فقط هي التي ستصل لهذا الحجم من الإنفاق هذا العام. إلا أنه أضاف أن دول الحلف استمرت في زيادة الانفاق، حيث زاد الأوروبيون وكندا 260 مليار دولار أمريكي بنهاية هذا العام. ويخطط حوالي ثلثا الحلفاء للوصول إلى الحد الإرشادي 2٪ أو تجاوزه بحلول عام 2024. بالإضافة إلى ذلك، ينفق 24 من الحلفاء أكثر من 20٪ من نفقاتهم الدفاعية على المعدات الرئيسة، بما في ذلك الأبحاث والتطوير ذات الصلة، ومن المتوقع أن يزيدوا إلى 27 دولة بحلول عام 2024. 

ولكن بالرغم من ذلك يظل هذا البند عاملًا مؤرقًا، وبخاصة أن تلك الخطط تتعارض، وتراجع عدد كبير من الدول على رأسها ألمانيا عن الدفع نحو مزيد من الإنفاق الدفاعي؛ في وقت تركز فيه على مواجهة التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا، وهو الأمر الذي يمتد لأغلب دول الحلف كذلك. وعليه فإن هذا الأمر من المتوقع أن يستمر كملف خلافي بين الولايات المتحدة وأغلب الدول بالحلف.

ثانيًا: عراقيل التعاون بين الاتحاد الأوروبي والناتو:

يٌعد اختلاف الرؤي للتهديدات ما بين الدول الأوروبية التي تمثل القوام الأساسي للحلف من جهة، والولايات المتحدة الممول الرئيس والأكثر إنفاقًا على الدفاع بالحلف من جهة أخرى، سمة أساسية بالحلف؛ ولكن هذا التباين أصبح أكثر اتساعًا في السنوات الأخيرة.

وأول القضايا التي يختلف الفريقان حولها توصيف الصعود الصيني بأنه مهدد. فقد أصبحت الولايات المتحدة منذ حكم الرئيس الأمريكي الأسبق “باراك أوباما” أكثر توجهًا نحو آسيا، وهو ما اصطدم بتصاعد قوة الصين بالمنطقة. ومنذ ذلك الحين تم محاولة الدفع بالشركاء الأوروبيين للاتحاد مع الولايات المتحدة في جهودها لمحاصرة النفوذ الصيني. ولكن أغلب الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا وألمانيا، يرون الصين دولة مهمة للغاية، واتفقوا في الأخير على أنها “منافس منهاجي” أي شرريك لا غنى عنه لمواجهة التحديات العالمية وقوة اقتصادية أساسية في النظام الدولي، ولكنها تتعارض مع القيم الليبرالية الغربية، وتهدد نفوذه في عدد من الأماكن. 

وهو ما يتسق مع تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن قرار الناتو تسمية الصين كتهديد “لا ينبغي المبالغة فيه” لأن بكين، مثل روسيا، هي أيضًا شريك في بعض المجالات. الصين هي الشريك التجاري الأول لألمانيا وتعتمد بشكل كبير على روسيا في تلبية احتياجات الطاقة في البلاد. وأضافت أنه من المهم “إيجاد التوازن الصحيح” لأن الصين شريك أيضًا في العديد من القضايا.

وكذلك حث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحلف على عدم السماح للصين بإلهائه عما اعتبره قضايا أكثر إلحاحًا تواجه الناتو، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والقضايا الأمنية المتعلقة بروسيا. وقال ماكرون: “أعتقد أنه من المهم للغاية عدم تشتيت جهودنا وعدم التحيز في علاقتنا بالصين”.

أما ثاني القضايا فتتصل بالتنسيق ما بين الدفاع الأوروبي الذي يقوم عليه الاتحاد الأوروبي، وتعزيز الاستثمار الخاص به، وما بين إعطاء الأولوية للدفاع الموجه لدعم حلف الناتو. وتأتى على رأس الدول التي تسعى إلى تعزيز الدفاع الأوروبي فرنسا، التي تسوق بشكل كبير لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد (هذا المفهوم لم تتبلور أهدافه وحدود دوره حتى الآن). وهو ما يمكن تفهمه نظرًا لأن فرنسا بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي تعد القوة النووية الوحيدة والجيش الأكثر تنوعًا بالاتحاد. 

بالإضافة إلى أنه وبحسب الخطط والعمليات الدفاعية الأوروبية، وتلك المتعلقة بتطوير الأسلحة، فستضطلع فرنسا بدور كبير، ربما تصل نسبته إلى 60% في المشروعات البالغ عددها 47، والتي يتم معظمها بالتعاون مع ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. وبذلك فإن لفرنسا دور محوري في تعزيز الاتحاد الذي يدفع نحو الاستثمار في الدفاع الأوروبي عن التوجه شرقًا، والاستثمار في المناطق التي تراها الولايات المتحدة مهددًا أساسيًا للحلف. وعليه فإن هذا التباين من المتوقع أن يستمر كتحدٍ قد يعرقل تماسك الحلف، ما لم يتم تحديد مجالات التعارض والتغلب عليها، وتعزيز التعاون بين المنظمتين.

ثالثًا: الدور التركي المثير للجدل:

تُعد تركيا من أهم الدول الأعضاء بالحلف؛ نظرًا لموقعها الجغرافي المتميز، وضخامة عدد قواتها البرية، ومساهمتها في العديد من عمليات الحلف الخارجية، وغيرها من أسباب. إلا أن اتجاه الإدارة التركية الحالية تسبب في السنوات الأخيرة في العديد من الصدامات بينها وبين عدد من دول الحلف الأخوي مثل فرنسا وقبرص واليونان بسبب انتهاكاتها المستمرة لسيادة الأخيرتين، واستمرار تصادمها مع فرنسا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى بسبب عدد من القضايا أبرزها دعم للمرتزقة في ليبيا واستخدامها لملف اللاجئين السوريين وتعديها على القوات الكردية، وغيرها.

إلا أن نقطة الخلاف الجوهرية بين دول الحلف وبخاصة الولايات المتحدة وتركيا، كان على ملف نظام الدفاع الجوي الروسي “إس 400”، قد بلغ التوتر ذروته بين الإدارة الأميركية الجديدة وأردوغان، وتكلل بفرض واشنطن عقوبات على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا المعروف بـ “كاتسا ” (CAATSA)، مطلع أبريل الماضي.

ولكن سعى الرئيس التركي أردوغان للتهدئة مع جيرانه الأوروبيين، وبخاصة في شرق المتوسط، وسعيه لخلق دور جديد لتركيا يزيد من أهميتها للحلف، وهو عرضه الخاص باضطلاع تركيا بدور أكبر في أفغانستان، حيث صرّح الرئيس التركي أن بلاده ستكون “البلد الوحيد الموثوق به” الذي يحتفظ بقوات في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي والأطلسي.

 وهو ما يعد معقولًا بدرجة كبيرة؛ نظرًا لاعتياد قواتها على تأمين مطار كابول الدولي (أهم أهداف الحلف في أفغانستان)، وعلاقتها الوثيقة بالفواعل المحليين ونفوذها الناعم بالبلاد. وهو ما يشير إلى أن هذين الملفين سيساهمان بشكل كبير، في عودة تركيا لأخذ دور متعاظم داخل الحلف مرة أخرى. ولكن في الوقت ذاته، يعد مؤشر خطر جديد؛ إذ إن تلك الإدارة التركية من المعروف تقلبها، وإجادتها استخدام أوراق الضغط التي تملكها لخدمة مصالحها التي تأتى في أغلب الأوقات على حساب الدول الأخرى. ولذلك سيظل الدور التركي يمثل تحديًا أساسيًا للحلف وتماسكه أيضًا.وختامًا بالرغم من التحديات التي تم عرضها، سيظل حلف الناتو يمثل للدول الأعضاء الركن الأساسي للتعاون الأمني والدفاعي. ولن يتم التخلي عن دوره بسهولة، وقد سبق وأن قام الحلف بتوسعة وتنويع أدواره ليوائم التهديدات المختلفة والجديدة التي تواجهه. ولكن سيظل عدم التوصل لصيغة توافقية لتلك التحديات بمثابة معرقل أساسي لفاعلية أكبر لدور الحلف في وجه التحديات المنوط به مواجهتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى