روسيا

“تهديدات حلف الناتو”… تعرف على أبرز ملامح العقيدة العسكرية الروسية

نقف أمام مصطلح “العقيدة العسكرية”، قبل التعمق في محاولة فهم أبرز معالم العقيدة العسكرية الروسية ومشوارها منذ بدء تولي الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، لمقاليد الحكم في بلاده. وتُفسر لفظة “عقيدة عسكرية”، باعتبارها مجموعة من القيم والأسس التي تسعى لإرساء نظريات العلوم العسكرية وفنون الحرب، وبناءً عليها يتم بناء الإطار العام لاستخدامات القوات المسلحة لدولة ما، في خلال زمني السلم والحرب على حد سواء، بما يُحقق الأهداف والمصالح الوطنية العامة، والأهداف الاستراتيجية كذلك. 

ويندرج تحت لفظة “العقيدة العسكرية”، الوصف العام لأداء الوحدات والقوات العسكرية خلال الحملات المختلفة والعمليات المسلحة، والمعارك والاشتباكات العسكرية المختلفة. بحيث تُشكل هذه الكلمة في الأساس الخطوط العريضة والمقترحات العملية الخاصة بتقديم إطار عمل قياسي موحد يُساعد على إتمام المهام المختلفة بشكل يفوق كونها مجرد قوانين ونظريات جامدة. 

إذًا، نخلص مما سبق، إلى أن “العقيدة العسكرية الروسية”، هي الإطار العام العلني والوثيقة المفاهيمية للتخطيط العسكري، التي عادة ما يتم تطويرها لفترة طويلة من الزمن مع إمكانية تطويرها كلما تغيرت الأوضاع. ولقد مرت العقيدة العسكرية الروسية بعددٍ من المراحل، نتناول منها أبرز المحطات التي شهدتها خلال الحقبة البوتينية، والفترات القليلة التي تسبقها. 

أبرز محطات تطور العقيدة العسكرية الروسية

تصوغ وثيقة العقيدة العسكرية الروسية التهديدات العسكرية الخارجية والداخلية للبلاد مع الهيئات والمنظمات الدولية على المدى الطويل. وتكشف أيضًا عن طبيعة النزاعات العسكرية، التي قد تكون الدولة مرتبطة بها. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، برزت الحاجة إلى ظهور عقيدة عسكرية روسية جديدة لمواءمة أطر من تغيرات في موازين القوى الإقليمية والدولية، حدث ذلك بالتزامن مع تصاعد أخطار توسع حلف الناتو وزحفه على مقربة مباشرة من الحدود الروسية. لذلك كان من الطبيعي أن تشتمل العقيدة العسكرية الروسية التي صدرت بتاريخ 1993، على أن الأخطار الرئيسية التي تُهدد الأمن القومي الروسي تتمثل في “توسع حلف الناتو والحروب والإقليمية في الفضاء السوفيتي السابق واندلاع الحركات الانفصالية”.

شهد العام 1997، توقيع اتفاقية شراكة بين روسيا وحلف الناتو. كان يُنظر لها في أوانها على اعتبار أنها بارقة امل وإشارة تبعث على التفاؤل في إمكانية وقوع تصالح بين خصمين لا يعرفان الى المواءمة سبيلاً. بحيث كانت هذه الاتفاقية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الطرفين والحد من أخطار الناتو، لكن ما حدث بعد ذلك كان أن وقع تدخلات مباشرة من حلف الناتو في دول البلقان، تلي ذلك أن تم قصف صربيا في عام 1999. مما ترتب عليه أن تراءى لبوتين أنه بحاجة إلى إعادة النظر في العقيدة العسكرية الروسية، وصياغة أخرى جديدة تتضمن تعديلات ضرورية بموجب ما تمليه عليهم أحكام الموقف السياسي الراهن في وقتها. فقد كان أكثر ما يُزعج بوتين، حينها، هو إمعان حلف الناتو في الاستهانة ببلاده. 

وفي عام 2000، تم إصدار العقيدة العسكرية الجديدة، التي أطُلق عليها “عقيدة استعادة الدولة”، وهي عقيدة يغلب عليها الطابع الدفاعي، بحيث ركزت على تعزيز الأمن على الحدود الجنوبية للدولة الروسية، والتأكيد على وصف حلف الناتو بلفظة العدو الرئيسي لروسيا الاتحادية. ولم يمض بعد ذلك سوى سنوات، حتى تم عمل إعادة صياغة جديدة لها بالتزامن مع مطلع ولاية بوتين الرئاسية الثانية. وتلك الصياغة كان يُطلق عليها “عقيدة فرض الاحترام”، وبموجب هذه العقيدة تم التأكيد على مشروعية وحق روسيا في تأسيس جيش قوي، ودعم القوات المسلحة الروسية بأحدث الأسلحة والتقنيات العصرية في ضوء المتغيرات الجديدة وتوازن القوى لمواجهة التحديات الجيوسياسية من جانب الغرب بقيادة الولايات المتحدة وحلف الناتو.

وفي نسختها لعام 2010، نصت على إمكانية إعادة النظر في أحكام العقيدة العسكرية الروسية بالتعديل والإضافة، بالشكل الذي يتناسب والمخاطر والتهديدات لأمن ودفاع البلاد، وظروف تطور الدولة خاصة في أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانية، وما أعلنه حلف الناتو من مخططات بشأن توسيع قواعده على مقربة مباشرة من الحدود الروسية. علاوة على مخاوف موسكو من تكرار سيناريوهات الربيع العربي في الداخل الروسي. 

ليس ذلك فحسب، لكن يَجدر الإشارة كذلك إلى أن العقيدة العسكرية الروسية، أخذت في عين الاعتبار مخاطر أخرى جديدة، تلك على غرار وجود تنظيم “داعش” في المناطق المتاخمة للحدود الجنوبية لروسيا، وإعلانه عن اعتزامه لنقل مركز نشاطه إلى جنوب روسيا والقوقاز. وكل هذه متغيرات كبرى ترتب عليها أن أعلن بوتين عن برنامج تحديث طموح للقوات المسلحة يمتد بين الفترة ما بين 2016- 2025. 

وفي ديسمبر 2014، وافق الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، على نسخة جديدة من العقيدة العسكرية الروسية، والتي كانت تعكس؛ قضايا توسيع التفاعل مع الدول أعضاء “البريكس”، وتطوير العلاقات مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، بالإضافة الى مواجهة التهديدات الجديدة فيما يتعلق بالأوضاع في أوكرانيا وما حولها، وكذلك فيما يتعلق بالأحداث في شمال إفريقيا وسوريا والعراق وأفغانستان.

أبرز ملامح الأحكام العامة للعقيدة العسكرية الروسية: 

  • تُعد العقيدة العسكرية لروسيا نظام آراء مقبول رسميًا في الدولة تختص بالتحضير للدفاع المسلح عن البلاد. 
  • تُصاغ أحكام العقيدة العسكرية الروسية استنادًا لتحليل المخاطر والتهديدات العسكرية، التي تتعرض لها روسيا وحلفاؤها.
  • تقوم العقيدة العسكرية الروسية على الأسس القانونية للمبادئ العسكرية الواردة في الدستور الروسي، ومبادئ وقواعد القانون الدولي المعترف بها بشكل عام، والمعاهدات الدولية التي تشارك بها روسيا في مجالات الدفاع، وتحديد الأسلحة ونزع السلاح، والقوانين الدستورية الاتحادية، والقوانين الاتحادية، وكذا الحال بالنسبة للإجراءات القانونية التنظيمية لرئيس الاتحاد الروسي وحكومته. 
  • يعكس المذهب العسكري التزام روسيا الاتحادية باستخدام التدابير العسكرية اللازمة، لحماية المصالح الوطنية للبلاد، ومصالح الحلفاء، وذلك بعد أن يتم استنفاذ إمكانيات استخدام الوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية وغيرها باعتبارها أدوات غير عنيفة. 
  • ترد أحكام العقيدة العسكرية الروسية عبر رسائل الرئيس الروسي إلى الجمعية الاتحادية، ومن الممكن تعديلها في إطار التخطيط الاستراتيجي في المجال العسكري. 
  • يتم تنفيذ العقيدة العسكرية من خلال إضفاء المركزية على إدارة الدولة في مجالات الدفاع والأمن، ويتم ذلك وفقًا للتشريعات الاتحادية، والقوانين المعيارية لرئيس الاتحاد الروسي وحكومة البلاد. 
  • ويندرج تحت بند التهديدات العسكرية الخارجية للدولة الروسية، النقاط التالية؛ بناء الإمكانات العسكرية لمنظمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، وتنفيذ مخططات الناتو التي تنطوي على انتهاك للقانون الدولي بالشكل الذي يجعل البنية التحتية العسكرية للدول الأعضاء في حلف الناتو في وضع اقرب الى حدود روسيا الاتحادية. ونشر تعزيزات للوحدات العسكرية المنتمية للدول الأجنبية في أراضي دول الجوار الروسي وحلفاؤه وكذا في المياه المجاورة له، بما ينطوي على ممارسة الضغوط السياسية والعسكرية على روسيا الاتحادية. وإنشاء ونشر أنظمة دفاعية استراتيجية بالشكل الذي يقوض الاستقرار العالمي وينتهك توازن القوى الحالي في مجال القذائف النووية، بالإضافة الى وضع أسلحة في الفضاء وكذا نشر أنظمة الأسلحة الاستراتيجية غير النووية الدقيقة. والمطالبات الإقليمية المضادة للدولة الروسية وحلفاؤها والتدخل في شؤونهم الداخلية. وانتهاك الدول بشكل فردي للاتفاقيات الدولية وعدم مراعاة المعاهدات الدولية المُبرمة سابقًا في مجالات حظر الأسلحة والحد منها وخفضها. واستخدام القوة العسكرية في أراضي دول الجوار الروسي وحلفاؤه، في انتهاك واضح لمواثيق الأمم المتحدة وقوانين القانون الدولي الأخرى. ظهور بؤر توتر وتصاعد للنزاعات المسلحة في أراضي دول الجوار الروسي وحلفاؤه. التهديدات الإرهابية المتنامية لحركات التطرف العالمية ومظاهرها الجديدة في سياق تعاون دولي غير فعال لمكافحة الإرهاب، بالإضافة الى التهديدات المتزايدة بإمكانية عمل عجمات إرهابية باستخدام مواد كيميائية سامة أو مشعة، وتوسيع نطاق الجريمة المنظمة، والتداول غير المشروع للأسلحة والمخدرات. ظهور بؤر توتر بين الأعراق والطوائف المختلفة، وتنامي نشاطات الشركات العسكرية الأجنبية الخاصة في المناطق المُتاخمة لحدود الدولة الروسية وحلفاؤها، وكذلك وجود تناقضات إقليمية وتنامي للنزعة الانفصالية والتطرف. إنشاء أنظمة نتيجة للإطاحة بالسلطة الشرعية في دول الجوار الروسي والتي تهدد سياساتها مصالح الدولة الروسية. 

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى