تركيا

عودة العنف العرقي في تركيا.. كيف نفهم حادثة قتل موظفة في حزب الشعوب الديمقراطي؟

ترددت أصداء طلقات مدوية في تمام الساعة العاشر والنصف من صباح أمس، 17 يونيو، في شارع “عصمت كابتان”، بضاحية “كوناك” في ولاية إزمير التركية، وكان مصدرها مكتب حزب الشعوب الديمقراطي “الكردي” الكائن في هذا الشارع، والمعارض لنظام الرئيس رجب طيب أردوغان. إذ تبين أن الطلقات ناجمة عن اقتحام لمكتب الحزب، ما تسبب في مقتل موظفة عاملة فيه تدعى “دنيز بويراز”، 38 عاماً.

وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي في بيان له: “نتيجة استهداف حزبنا من قبل الحزب الحاكم ووزارة الداخلية لأشهر تم تنفيذ هجوم مسلح على مكتبنا في محافظة إزمير في الساعة العاشرة والنصف صباح اليوم.. زميلتنا دنيز بويراز، قتلت في هذا الهجوم”.

وذكرت السلطات التركية في الولاية أن المشتبه به، “عامل سابق في مجال الصحة، وقد تم اعتقاله”، دون أن تكشف عن هويته.

وفي غضون ساعات من وقوع الهجوم؛ كشفت وسائل إعلام تركية عن هوية منفذه، وهو شخص يدعى “onurgencer”، 27 عامًا، ويعمل في مجال الصحة، وأظهرت التقارير الإعلامية صورًا له في سوريا وتحديدًا في مدينة “منبج” بمحافظة حلب، وكان يحمل بعض الأسلحة الرشاشة؛ لافتة إلى أنه شارك مع الجيش التركي والمرتزقة السوريين في معارك قتالية بشمال سوريا حيث استولت على مئات الكيلومترات من الأراضي من الميليشيات الكردية، في خضم العمليات العسكرية للقوات المسلحة التركية 2016-2018-2019. 

وتواترت تقارير تفيد بتسجيل عمليات نهب وسرقة وحوادث اغتصاب نفذت في المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا. وقد نشر المرصد المصري ورقة “النهب الممنهج .. من حلب السورية لترهونة الليبية والفاعل واحد” في يونيو العام الماضي 2020. إذ عالجت الورقة عمليات النهب التي تمت على أيدي العناصر المسلحة الموالية لتركيا في شمال سوريا.

كما أكد مسؤولو حزب الشعوب الديمقراطي أن الهجوم وقع بينما كان يخضع المبني لمراقبة الشرطة على مدار الساعة، متهمين سلطات إنفاذ القانون بغض الطرف عن الجريمة.

الهجوم على الطريقة “النيوزيلندية”

رغم الهجوم تسبب في مقتل ضحية واحدة، إلا أنه جاء مشابهًا لهجوم “كرايستشرش” في نيوزيلندا مارس 2019؛ من حيث طريقة استخدام الانترنت لنقل الهجوم وتوثيقه. حيث قام ” Onur Gencer ” باقتحام مكتب الحزب، وإطلاق النار عشوائيًا، حتي أردى “دنيز بويراز” قتيلة. ونشر على خاصية صورة القتيلة على تطبيق واتساب؛ معلقًا: “الذبيحة رقم1”.

وزعم منفذ الهجوم المعتقل حاليًا لدى السلطات التركية، أنه تصرف من تلقاء نفسه، قائلا في بيان: “أنا لست منتميًا إلى أي جماعة. دخلت المبنى لأنني أكره حزب العمال الكردستاني وأطلقت النار عشوائيًا”. وهدد حزب الشعوب الديمقراطي في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، معربًا عن استيائه ووعد بـ “جعلهم ينزفون”.

وبتتبع حسابات منفذ الهجوم على منصات التواصل الاجتماعي، ظهرت صورًا له، قد نشرها مشيرًا بإشارة قومية متطرفة مرتبطة بـ منظمة “الذئاب الرمادية”، وهي جماعة شبه عسكرية قومية تركية متطرفة لها علاقات وثيقة مع حزب الحركة القومية، حليف حزب العدالة والتنمية الحاكم. وقامت فرنسا بحظر هذه الجماعة في نوفمبر 2020، فيما تدرس الحكومة الألمانية حاليًا قرارات حظرها بعدما تبين ارتباطها بأحداث عنف وأيديولوجية متطرفة وفق ما جاء في تقرير سابق لهيئة حماية الدستور “الاستخبارات الداخلية الألمانية”، حيث يبلغ عدد أعضاء منظمة الذئاب الرمادية 3 أضعاف حزب “إن بي دي”، أخطر حزب نازي في ألمانيا. 

كما زعمت المشرعة عن حزب الشعوب الديمقراطي “هدى كايا” أن منفذ الهجوم تدرب على يد شركة “صادات”، وهي شركة أمنية خاصة تقدم خدمات أمنية وتدريبية للكيانات والمؤسسات والحكومات، ويملكها عدنان تانريفيردي، المساعد السابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقد تناول المرصد المصري في إحدى ورقاته المنشورة العام الماضي، دور شركة “صادات” في نقل المرتزقة السوريين للميدان الليبي.

ويأتي هذا الحادث، بالتزامن مع صعود خطاب الكراهية ضد المكون الكردي والحزب الممثل له “حزب الشعوب الديمقراطي”. حيث أعاد المدعي العام بمحكمة الاستئناف العليا التركية في 7 يونيو الجاري قرار اتهام للمحكمة الدستورية يطالب بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي. 

إذ أعادت المحكمة في مارس الماضي النسخة الأولى من لائحة الاتهام إلى مكتب المدعي العام في محكمة الاستئناف العليا لمراجعتها على أساس وجود أوجه قصور في لائحة الاتهام. وتسعى لائحة الاتهام إلى فرض حظر سياسي على 451 من أعضاء الحزب بالإضافة إلى تجميد الحسابات المصرفية للحزب. 

وتترافق هذه التطورات مع اتهامات تتصاعد لحزب العدالة والتنمية بتسليح الجماعات الإرهابية في سوريا وتسهيل تجارة الأسلحة والنفط غير المشروعة في المنطقة. ظهرت هذه المزاعم مرة أخرى في أعقاب ما كشفه أحد زعماء المافيا “سيدات بيكر” قبل أسابيع عن تورط شخصيات حكومية بارزة في النشاطات الإجرامية من مناطق الشمال السوري وصولاً لشرق أوروبا، إذ بدأ فعلياً في توريط أشخاص في مناصب عليا في الحكومة التركية. 

الأمر الذي دفع بالمشهد السياسي التركي لحالة من الارتباك، عبّرت عنها استطلاعات الرأي الصادرة من مؤسسة MetroPOLL research، حول التأثير الواسع الذي أحدثه كشف زعيم المافيا عن صلات الحكومة التركية العميقة بهذه النشاطات غير مشروعة. ما دفع الحكومة التركية بالترويج لنظرية المؤامرة، وتصعيد خطاب الكراهية للداخل. إذ طالب زعيم الحركة القومية التركي “دولت بهجلي” في فبراير الماضي بإغلاق حزب الشعوب الديمقراطي – ثالث أكبر أحزاب تركيا -. وهذه ليست المرة الأولى التي يطالب فيها القوميون المتشددون بإغلاق الحزب الموالي للأكرد انطلاقاً من دوافع وصفت في نظر المراقبين على إنها خليط من المزيد من التقرّب لحزب العدالة والتنمية الحاكم وتنسيق المواقف بينهما وفي إطار الاستعدادات لانتخابات 2023. كما أن الاستهدافات المتبادلة لم تحل كتطور جديد في الساحة التركية، حيث أفادت وسائل إعلام تركية بأن نائبي رئيس شعبة حزب “الحركة القومية” في منطقة ديار بكر تعرضا لهجوم شنه مسلح مجهول، أثناء مرور سيارتهما في المنطقة، في إبريل الماضي، ما يضع رصيد الرأس المالي الاجتماعي لتركيا تحت نظام الرئيس أردوغان لحالة تتصاعد معها التوترات، وتباعًا الاستقرار السياسي وسط تداعي مؤشرات الاقتصاد التركي منذ العام 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى