القضية الفلسطينية

اللواء محمد إبراهيم الدويري: السير قدماً نحو مصالحة فلسطينية شاملة

أجرت صحيفة الأهرام ويكلي” المصرية الناطقة بالإنجليزية، حواراً تم نشره اليوم الخميس على صفحاتها وموقعها الألكتروني، مع اللواء محمد إبراهيم الدويري، نائب رئيس المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، حول الوضع العام الحالي للقضية الفلسطينية، وآفاق الحل سواء في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أو في ما يتعلق بملف المصالحة الداخلية الفلسطينية.

كان اللواء الدويري، لما يقرب من 20 عاما، أحد القيادات المصرية التي تصدرت إدارة ملف المصالحة الفلسطينية، وكانت له كذلك مساهمات مهمة في مجال العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، خاصة في الأوقات التي يسود فيها التوتر ، وتتصاعد فيها الأحداث الميدانية، بين حركة حماس والجيش الإسرائيلي.

يرتبط اسم  اللواء الدويري، بشكل خاص باتفاق القاهرة للمصالحة الفلسطينية الذي تم توقيعه عام 2011، ووضع أساس قوي للبناء عليه من أجل إنهاء الانقسامات الفلسطينية العميقة التي باتت هي العنوان الأول للوضع الداخلي في فلسطين منذ عام 2007. يرتبط اسمه كذلك بصفقة التبادل بين حركة حماس وإسرائيل عام 2009، والتي بموجبها تم الإفراج عن 1000 أسير فلسطيني مقابل إفراج حركة حماس عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

بالنظر لما سبق، ولموقع اللواء الدويري اليوم بصفته نائب رئيس المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، يمكن القول أنه يوجد في موقع يسمح له بالمتابعة الحثيثة للمسار المتعرج لقطار المصالحة الفلسطينية، والذي كانت القاهرة تأمل في أن يستقر هذا القطار في القاهرة هذا الأسبوع من أجل إطلاق جولة اخرى من المباحثات الفلسطينية – الفلسطينية، وكذلك يتيسر للواء الدويري متابعة المفاوضات الجارية حالياً بشأن صفقة التبادل المتوقعة بين حركة حماس وإسرائيل، والتي بموجبها قد يتم إطلاق سراح إسرائيليين اثنين وجثتي أثنين أخرين، مقابل نحو 1111 أسيرا فلسطينيا ، تحدث عنهم رئيس حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار مؤخراً.

في هذا الصدد أفاد اللواء إبراهيم أن مصر أطلقت منذ عام 2011 ، وبعد تمكنها من إقناع الفصائل الفلسطينية بالتوقيع على اتفاق القاهرة للمصالحة، جهوداً متواصلة من أجل البناء على هذا الاتفاق، والدفع نحو إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي بشكل كامل ، لكن لم تتوافر خلال الفترة السابقة إرادة سياسية كافية للمضي قدمًا في هذا الاتجاه. بالنسبة لأبرز نقاط الخلاف البارزة في ملف المصالح الفلسطينية، أشار اللواء الدويري إلى ان مسألة إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية تعد من أبرز هذه النقاط.

تأسست منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، كمظلة جامعة لكل الفصائل بهدف تحرير الأراضي الفلسطينية بكافة السبل الممكنة بما في ذلك العمل المسلح، وقد مرت المنظمة منذ ذلك التوقيت بتحولات وتغيرات عديدة على مدى العقود الأخيرة. فبعد حرب أكتوبر 1973، تخلت المنظمة فعليًا عن هدف تحرير “كامل” الأراضي الفلسطينية، وأعلنت في الثمانينيات، عن تأسيس دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967. في التسعينيات، وقع ياسر عرفات، الزعيم الفلسطيني التاريخي وقائد حركة فتح، اتفاقية أوسلو للسلام مع إسحاق رابين وشيمون بيريز، وهي الاتفاقية التي أسست للنهج الحالي الذي يستهدف إقامة دولة فلسطينية على أجزاء من الأراضي التي تم احتلالها عام 1967.

بعد وفاة ياسر عرفات عام 2004، تولى القيادي الفتحاوي محمود عباس أبو مازن قيادة كل من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية التي تم تأسيسها لإدارة قطاع غزة وأجزاء من الضفة الغربية وفقًا للاتفاقيات الفلسطينية – الإسرائيلية. وفي عام 2006، تمكنت حركة حماس، التي تأسست عام 1987، من تحقيق انتصار انتخابي كبير خلال الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وبعد عام واحد قررت السيطرة على كامل مناطق قطاع غزة، بزعم وقف قمع السلطة الفلسطينية لنشطاء ومنتسبي الفصائل الإسلامية المسلحة، واحتجاجًا على التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية الأمني وإسرائيل.

وفي هذا الصدد يرى اللواء إبراهيم أن كل ما سبق أصبح اليوم من الماضي، وقال “الهدف الأساسي في الوقت الحالي هو المحافظة على كيان منظمة التحرير الفلسطينية على حاله، بالنظر إلى كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت إيجاد آلية تسمح بضم فصائل فلسطينية أخرى مثل حماس والجهاد الإسلامي إليها، وهذا يعني عملياً أن أي كيان سينضم إلى منظمة التحرير الفلسطينية، سيكون عليه إبداء موافقته على الوفاء بجميع الاتفاقات والالتزامات التي تعهدت بها منظمة التحرير الفلسطينية”.

في ملف المصالح الفلسطينية، أقر اللواء أبراهيم أن القرارات المتضاربة لبعض القادة الفلسطينيين بشكل عام، وليس فقط قادة حركتي فتح وحماس، كانت دائماً من عوائق تحقيق المصالحة الفلسطينية الشاملة، لكنه استطرد قائلاً “مهما حدث، يجب اتباع طريق المصالحة الفلسطينية الشاملة، ومصر من جانبها ملتزمة التزاما كاملاً بالسير في هذا الطريق مع الفصائل الفلسطينية مهما كانت الصعوبات، فبدون المصالحة، لا يمكن لبقية الملفات الفلسطينية أن تمضي قدماً، وسيتعذر في حالة عدم التوصل إلى مصالحة داخلية شاملة، إطلاق مسار سياسي للسلام يخدم الحقوق الفلسطينية بشكل فعال”. وأضاف اللواء الدويري “القادة الفلسطينيين اليوم بحاجة ماسة إلى تنحية خلافاتهم جانبا، وحينها فقط ستصبح إمكانية تعاونهم بشكل مشترك متوفرة، فقد تمكنوا في استحقاقات سابقة من التوافق، وبالتالي يمكنهم بالتأكيد العمل معًا “.

فيما يتعلق بالعلاقة بين ملف المصالحة وملف التبادل مع إسرائيل، قال اللواء الدويري أن مسار المصالحة الفلسطينية “مستقل” عن مسار صفقة تبادل الأسرى، وأشار إلى أنه في عام 2011، تم إبرام صفقة التبادل التي شملت إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي شاليط، على الرغم من استمرار الخلافات الداخلية حينها بين الفصائل الفلسطينية، وأضاف اللواء الدويري أن إمكانية إبرام صفقة تبادل مماثلة اليوم قائمة وممكنة، وأضاف “مصر في هذا الإطار تتموضع في وضع جيد للغاية، حيث تستطيع بخبراتها المتراكمة وأجهزة استخباراتها ذات الباع الطويل والعلاقات المتشعبة والعميقة، التعامل في وقت واحد مع ملف المصالحة الفلسطينية وملف صفقة التبادل”.

مع ذلك، حذر اللواء الدويري من أن صفقة تبادل الأسرى السابقة كانت صفقة صعبة في حد ذاتها، وقال “لقد استغرق الأمر خمس سنوات من المفاوضات لتأمين صفقة شاليط، وعادة ما تكون المفاوضات في مثل هذا النوع من الملفات شاقة للغاية، حيث يتعين عليها تغطية الكثير من التفاصيل، بما في ذلك عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم الإفراج عنهم، وماهية الفصائل التي ينتمي إليها المفرج عنهم، وطبيعة الأحكام التي يواجهونها، والعديد من النقاط الأخرى، لذا الأمر ليس سهلاً على الإطلاق، والعمل جارٍ حالياً لتأمين صفقة تبادل جديدة، لكن مثل هذه الملفات تستغرق وقتًا أطول بكثير مما قد يعتقده البعض”. لم يصرح اللواء إبراهيم بشكل واضح ما اذا كان القيادي البارز في حركة فتح مروان البرغوثي سيكون ضمن قائمة الأسرى الفلسطينيين الذين ستشملهم صفقة التبادل الجاري التفاوض عليها حالياً أم لا، وقال “هذه مسألة معقدة. يجب أن يخضع الإفراج عنه لموافقة إسرائيلية، نظراً لأن البرغوثي لديه عدة أحكام بالسجن المؤبد، وفي صفقة شاليط حاولت مصر إدراج أسمه في ​​قائمة الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم، لكن إسرائيل رفضت ذلك حينها”.

في ملف إعادة إعمار غزة، قال اللواء الدويري أن مصر قامت بالفعل بتخصيص الموارد اللازمة للشروع في تنفيذ الخطة المصرية الطموحة لإعادة إعمار القطاع، وأضاف أنه بالإضافة إلى “الجهد الكبير والجاد” الذي قامت به مصر لتأمين وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس الشهر الماضي، التزم الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمساهمة في إعادة إعمار غزة، وكانت هذه حسب رأي اللواء الدويري رسالة سياسية عملاقة، ورسالة للشعب الفلسطيني تؤكد على التزام مصر الكامل بالقضية الفلسطينية، كما كانت رسالة واضحة جدًا إلى المجتمع الدولي مفادها أن عليه أن يحذو حذو القاهرة على طريق إعادة إعمار غزة.

في نهاية الحوار، تناول اللواء الدويري ملف العلاقة بين القاهرة والفصائل الفلسطينية في غزة، وأوضح أن عمل مصر في إعادة الإعمار لا يتعلق بالعلاقة بينها وبين الفصائل والسلطة الفلسطينية، فمصر “تتمتع بعلاقات ممتازة مع جميع الفصائل السياسية الفلسطينية، وبالطبع تتمتع بعلاقات جيدة بشكل استثنائي مع القيادة الفلسطينية خاصة في عهد الرئيس محمود عباس ( أبو مازن) ، ومصر في هذا الصدد تبقى دائماً على مسافة واحدة من جميع الفصائل، وتتعامل مع حركة حماس كفصيل فلسطيني على الأرض، لذلك فهناك حتما تنسيق خاص بينها وبين الحركة في ضوء حقيقة أن حماس تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007، ما يعني أن لها حدود مشتركة تمتد إلى أكثر من 14 كم مع مصر. لذلك، هناك أيضًا تنسيق أمني وقضايا أمنية على الحدود يجب إدارتها بين القاهرة وحركة حماس، ومن بينها ملف شمالي سيناء، فقد نجحت قواتنا العسكرية والأمنية بشكل ملحوظ في مواجهة الجماعات الإرهابية التي كانت تستخدم الأنفاق بين غزة ومصر”. وفي النهاية تهدف هذه الاتصالات وجهود الوساطة من جانب مصر، إلى السماح باستئناف العملية السياسية “التي تؤدي إلى حل الدولتين الذي يجب أن يؤدي بالتبعية إلى تأسيس دولة فلسطينية تعيش في سلام وأمن إلى جانب دولة إسرائيل”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى