مقالات رأي

اللواء محمد إبراهيم الدويري يكتب : السد الإثيوبي ومدى انسداد المسار التفاوضي

لا يمكن لأى متابع محايد لتطورات أزمة السد الإثيوبي إلا أن يقف كثيرا أمام الموقف المصري الذى ضرب أروع الأمثال فى الحفاظ على فرص الحل السلمى لهذه الأزمة، ومازال يتمسك بالمسار التفاوضي رغم كل العقبات التى تثيرها إثيوبيا ضاربة بعرض الحائط الجهود الإفريقية والإقليمية والدولية التى تسعى إلى إيجاد حلول مقبولة من كافة الأطراف .
لم تتوان مصر طوال عقدٍ من التفاوض أن تبدى كل أنواع المرونة الممكنة والبحث عن البدائل وطرح عشرات المقترحات التى من شأنها تحريك الأمور إلى الأمام ارتباطاً بالقناعة التى أعلنتها القيادة السياسية مراراً بأننا لسنا ضد بناء السد أو ضد الجهود الإثيوبية لتنمية اقتصادها، ولكن بشرط ألا يؤثر ذلك على أمن مصر المائي الذى من المؤكد أنه سوف يتأثر فى حالة استمرار إثيوبيا فى نهجها الحالى، خاصة التوجه نحو الملء الثاني دون اتفاق مثلما فعلت فى الملء الأول .
لم تطرح مصر طوال العملية التفاوضية أية مطالب تعجيزية وتمثل جوهر الموقف المصرى فى ضرورة التوصل إلى اتفاق قانونى شامل وملزم بشأن ملء وتشغيل السد ، وهذا هو نفس الموقف الذى تلتزم به أيضا دولة السودان الشقيق باعتبار أن كلا من مصر والسودان هما دولتا المصب والمتضررتان من مسار بناء السد على النحو القائم حالياً ، ولاشك أن ماحدث فى السودان عقب الملء الأول يؤكد هذا الأمر .
سعت مصر إلى إشراك المجتمع الدولى فى هذه الأزمة بعد أن تأكد فشل المفاوضات الثلاثية المطولة مع كل من السودان وإثيوبيا ، ومن ثم حرصت على أن تمنح القوى الأخرى دورا فى حل الأزمة ابتداء من نوفمبر 2019 وذلك من خلال وساطات من ممثلين على أعلى مستوى سياسى وفنى من الولايات المتحدة والبنك الدولي، وتم التوصل إلى اتفاق فى نهاية فبراير 2020 بعد مفاوضات مكثفة، وللأسف رفض المسئولون الإثيوبيون توقيع الاتفاق، وبالتالى تم وأد هذا الجهد الدولى الذى كان يمكن أن يحقق اختراقاً فى هذه الأزمة .
واتساقاً مع موقفنا السياسى قدمت مصر أكثر من خطاب إلى مجلس الأمن الدولى بشأن خطورة الوضع بهدف إشراكه فى تحمل المسئولية، باعتباره المؤسسة الدولية المنوط بها الحفاظ على الأمن والسلم العالمى ، ثم وافقت مصر على التفاوض فى إطار رئاسة الاتحاد الإفريقى من أجل أن تبعث رسالة إلى المجتمع الدولى بأن مصر حريصة أيضاً على حل هذه المشكلة فى إطار القارة الإفريقية، مع الترحيب بوجود وسطاء آخرين فى المفاوضات من الاتحاد الأوروبى وأية أطراف أخرى .
وفى الوقت نفسه تحركت مصر على المستويين الإقليمى والدولى لشرح كافة الجهود التى قامت بها على مدى السنوات الماضية وكيف كانت حريصة على إنجاح المسار التفاوضى فى مقابل تشدد إثيوبى غير مبرر تماماً ، كما اتجهت مصر إلى وعائها العربى المتمثل فى الجامعة العربية ليس فقط لتكون شاهدة على إيجابية الموقف المصري، ولكن من أجل أن يكون الموقف العربى داعما لنا بقوة فى أزمة متفاقمة تتعرض لها دولتان عربيتان .
إذن فإن الواقع يؤكد أن مصر طرقت كافة الأبواب للتوصل إلى حل سياسى للأزمة ابتداءً من توقيع اتفاق إعلان المبادئ فى مارس 2015 ومروراً بالخطاب التاريخى الذى ألقاه الرئيس عبد الفتاح السيسى أمام البرلمان الإثيوبى وانتهاءً باللجوء إلى كل من مجلس الأمن والاتحاد الإفريقى والجامعة العربية ، ولم ترفض مصر فى أى وقت كافة مراحل التفاوض الثلاثى والرباعى والخماسى والسداسى حتى تثبت تمسكها بالحلول السياسية حتى آخر مدى ممكن .
وفى مقابل هذا الموقف المصرى شديد التحضر نجد الموقف الإثيوبى الذى انتهج كل أساليب المناورة والتشدد ورفض كل الحلول السياسية وعارض أى دور فعال للوسطاء ، ثم بدأ فى طرح مقترحات لايمكن قبولها مثل الاستعداد لتبادل البيانات مع مصر والسودان وإمكانية التوصل لإتفاق جزئى حول الملء الثانى فقط دون القبول بأية التزامات، بل والتأكيد على مواصلة بناء عشرات السدود .
وأيا كانت مبررات الموقف الإثيوبي، سواء التذرع بأوضاعه الداخلية المتردية، أو اعتبار أن السد يعد أهم مشروعاته القومية، ولابد من استكماله ، فإن مصر سوف تظل رافضة لكافة الذرائع التى تسوقها أديس أبابا والتى تحاول أن تجعلها الغطاء الشرعى لمواصلة بناء السد دون أن تضع فى اعتبارها المصالح والحقوق المائية المصرية والسودانية .
وبالرغم من تعثر كافة جهود الحل واستمرار التعنت الإثيوبى فإن مصر حريصة على أن توجه للعالم رسالة شديدة الوضوح لها هدفان رئيسيان الأول أننا لانزال نتبنى خيار حل سياسى نقبله مع رفض سياسة الأمر الواقع، أما الهدف الثانى فيتمثل فى أن المياه هى قضية وجود ولن تسمح مصر لأحدٍ أيا كان بالإضراربحقوقها المائية التاريخية .

إننا أمام أزمة واضحة المعالم، سواء فى مواقف أطرافها أوفى إمكانيات حلها، أوفى تداعياتها السلبية على الاستقرار فى المنطقة فى حالة عدم الحل، وهنا أود أن أشير إلى نقطتين مهمتين الأولى أن الشارع المصرى الواعى يؤيد موقف قيادته السياسية فى هذه الأزمة ويتساءل من يحمى إثيوبيا ؟ والنقطة الثانية أتساءل فيها عن أسباب عدم التحرك الدولى الفاعل قبل أن تنزلق الأزمة إلى مرحلة اللاعودة ؟ وكلمة أخيرة أقولها إن على العالم أن يكون على قناعة بأن القيادة السياسية المصرية عندما تعلن أن كافة الخيارت مفتوحة فإنها بإذن الله قادرة على الحفاظ على حياة ومستقبل الأجيال الحالية والقادمة.

17/6/2021 نقلا عن صحيفة الأهرام في عددها الصادر اليوم الخميس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى