اليمن

حراك دبلوماسي غير مسبوق.. هل تشهد الأزمة اليمنية انفراجة حقيقية؟

دخلت الأزمة اليمنية مرحلة جديدة على خلفية زيارة وفد من مكتب السلطان العماني للعاصمة اليمنية صنعاء (5 يونيو2021) برفقة المتحدث باسم جماعة الحوثي ” محمد عبد السلام”، إذ حملت تلك الزيارة عدد من الدلالات، خاصة أنها جاءت في توقيت تشهد فيه الساحة اليمنية حالة من الزخم المتصاعد، كما أنها تتزامن مع عدد من التطورات الإقليمية التي قد تؤثر بشكل كبير في الأزمة.

حراك متصاعد

اكتسبت الأزمة اليمنية مطلع العام الجاري زخمًا كبيرًا خاصة في أعقاب تولي “بايدن” مقاليد الأمور في البيت الأبيض، ووضع اليمن وإنهاء الصراع ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما انعكس على مجمل القرارات والإجراءات التي اتخذتها الإدارة الجديدة سواء ما يرتبط بوقف دعم العمليات العسكرية وإلغاء تصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية وصولًا لتعيين ” ليندركينغ ” مبعوثًا لدى اليمن، هذه التحركات أضفت قدرًا من التفاؤل بشأن إمكانية حدوث انفراجة في الأزمة، إلا أن هذا التفاؤل اصطدم بتعقيدات الأزمة وتداخلها، وصعوبة إيجاد مساحة مشتركة بين الفرقاء، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال فشل الجولات الخارجية التي قادها المبعوث الأمريكي – السعودية والإمارات وسلطنة عمان والأردن-  مؤخرًا مع أطراف الأزمة والقوى الإقليمية الفاعلة والمؤثرة، خاصة بعدما حملت الخارجية الأمريكية جماعة الحوثي مسؤولية الإخفاق في التوصل لوقف إطلاق النار.

وعلى ذات المنوال، كثف المبعوث الأممي ” مارتن غريفث” جولاته بحثًا عن التوافق الغائب وفي محاولة لحلحلة الأزمة لجأ للعاصمة الإيرانية طهران خلال شهري فبراير ويونيو 2021، إلا أن تلك الزيارات رغم أهميتها كونها وضعت إيران باعتبارها المتحكم في صناعة القرار الحوثي بشكل مباشر في وجه المجتمع الدولي كأحد الأطراف التي يمكن التعويل عليها في التسوية الجادة، إلا أنها لم تؤدي إلى أية نتائج إيجابية. 

وفي إطار الحراك الدبلوماسي المتصاعد، ومع فشل مبادرة المبعوث الأمريكي وتحركات المبعوث الأممي جاءت زيارة الوفد السلطاني العماني للعاصمة صنعاء كمحاولة لإقناع الحوثيين باتخاذ خطوات جادة نحو السلام، ورغم عدم الإعلان عن نتائج الزيارة بشكل رسمي، إلا أن توقيتها يحمل عدد من الدلالات والرسائل الإيجابية التي يمكن الوقوف عليها فيما يلي:

  • أولًا: توحي الزيارة وطبيعة الوفد السلطاني المكون لها بان هناك توافق دولي على أهمية دفع الأزمة اليمنية للأمام، حيث تعتبر الزيارة الرسمية الأولى منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، كما أنها تأتي بعد يوم من اتصال بين وزير الخارجية الأمريكي ونظيرة العُماني، فضلًا عن أنها جاءت بعد أيام من زيارة ” آن ليندي” وزيرة خارجية السويد (2 يونيو) لمسقط ولقائها “محمد عبد السلام” رئيس الوفد التفاوضي للجماعة، كما تزامنت مع زيارة وزير الخارجية اليمني “أحمد عوض بن مبارك” (5 يونيو) لُعمان لبحث سبل تسوية الأزمة اليمنية. ولا تنفصل عن تلك التحركات الزيارة التي قام بها وزير خارجية عمان للرياض (9 يونيو) والتي تزامنت مع وجود الوفد السلطاني في صنعاء، وعليه تُشير هذه التحركات لمستوى وحدود التنسيق بين مختلف الأطراف المتفاعلة في الأزمة اليمنية.
  • ثانيًا: يُنظر لاصطحاب ” محمد عبد السلام” ومرافقته للوفد السلطاني باعتباره ملمحًا إيجابيًا، ودليلًا على التوافق، خاصة أن ذلك ما كان ليحدث لولا وجود موافقة وقبول ضمني من السعودية، خاصة أن عضو جماعة الحوثي لم يتمكن من الدخول لليمن منذ عام 2016، وذلك بسبب تحكم الرياض وسيطرتها على المجال الجوي.
  • ثالثًا: تؤكد الزيارة على إمكانية التعويل على الدور العُماني كوسيط وضامن لعملية التسوية، حيث تحظى عُمان بقبول لدى كافة الأطراف المنخرطة في الصراع والقوى الإقليمية المؤيدة، وذلك على خلاف الجهود الأمريكية التي قد لا تجد قبولًا لدى الحوثيين، فقد تسمح حالة الحياد العُمانية والوقوف على ذات المسافة من أطراف الأزمة، وعدم انخراطها في عاصفة الحزم، واستضافتها لعناصر من جماعة الحوثي في لعب دور الوسيط المُحايد أو النزيه لدى كافة الأطراف، ما قد يعزز من الثقة المفقودة في نهاية المطاف ويدخل الأزمة مرحلة جديدة.

انفراجة حقيقية أم مشهد متكرر؟

ثمة مسارات يمكن أن تتخذها التفاعلات في المشهد اليمني خلال الفترات القادمة، منها ما يشير لوجود اختراق كبير وبعضها لا يخرج عن كونه مشهدًا متكررًا يظهر في أعقاب أية حراك دبلوماسي أو مساعي لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، وفي هذا السياق يمكننا تتبع حدود الانفراجة المحتملة فيما يلي:

أولًا: اختراق يقود للتسوية، يفترض هذا الاتجاه أن المساعي العُمانية قد نجحت في تحقيق اختراق وتقدم غير مُعلن، وأن نتائج زيارة الوفد السلطاني قد تقود لتسوية الأزمة على المدى البعيد، إذ تدخل المرحلة الراهنة فيما يمكن وصفه بمرحلة التريث أو الإعداد لمبادرة التسوية العمانية والتي ستنطلق من البحث عن الأرضية المشتركة التي ترضى كافة الأطراف، مع العمل على التغلب على عقبة ترتيب الأولويات، ففي الوقت الذي ترغب فيه جماعة الحوثي بمعالجة الملف الإنساني وفتح مطار صنعاء وإيقاف عمليات التحالف، يؤكد الأخير على أن الأولوية يجب أن تكون لوقف إطلاق النار والحيلولة دون تقدم الحوثيين تجاه مأرب.

وعلى الرغم من عدم الإعلان عن نتائج الزيارة حتى الآن، إلا أن الأمر يبدو منطقيًا وقد يدخل في إطار انتظار المبعوث الأممي الجديد الذي سيخلف “مارتن غريفث”، ما يعني أن المسار الدبلوماسي قد يزداد زخمًا وأن الخطة العمانية للتسوية قد تُقدم من خلال المبعوث الأممي المُنتظر.

ويمكننا الوقوف على عدد من الشواهد التي تدفع في مسار التسوية سواء المرتبطة بالتفاعلات الإقليمية والدولية أو تلك المتعلقة بالداخل اليمني، فعلى الصعيد الإقليمي، قد تتأثر الأزمة اليمنية بالمباحثات الإيرانية السعودية وإمكانية التوفيق – ولو جزئيًا- بين الطرفين، كما أن التقدم الملحوظ الذي تحقق عبر مفاوضات ” فيينا” بشأن إحياء الاتفاق النووي بين طهران وواشنطن يمكنه أن يقودنا إلى انفراجة ما في الأزمة.

وعلى صعيد الداخل، يوجد عدد من المؤشرات الإيجابية، يأتي في مقدمتها، إعلان التحالف (10 يونيو) إيقاف تنفيذ عمليات عسكرية بمحيط صنعاء أو أي مدينة أخرى بهدف تهيئة الأجواء للمسار السلمي وذلك وفقًا لتصريحات العميد ” تركي المالكي” المتحدث باسم التحالف. من ناحية أخرى بدأت جماعة الحوثي بأعمال تجديد في مطار صنعاء وسط تكهنات باحتمالية إعادة فتحة والاستجابة للمساعي القائمة.

وعليه تدخل هذه المؤشرات، علاوة على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودي ” فيصل بن فرحان” لمسقط بعد أيام من عودة الوفد العُماني من صنعاء في إطار وضع اللمسات النهائية ومتابعات حدود الاتفاق أو المبادرة التي تتطلع السلطنة لإعدادها. 

ثانيًا: تراجع مؤقت، يفترض هذا المسار أن السلام في اليمن لا يزال بعيدًا، وأن مساعي التسوية والحراك الدبلوماسي الراهن لا تخرج عن كونها مشهدًا متكررًا، وقد يقبل الحوثيين في المرحلة الحالية تحت الضغوط الدولية الخوض في غمار المفاوضات والمباحثات السياسية، وإبداء نوعًا من المرونة الشكلية في عدد من القضايا، على غرار ما حدث في ستوكهولم، حيث قبل الحوثي بالمفاوضات ونجح في الحصول على الشرعية والاعتراف الدولي باعتباره طرفًا أساسيًا في التسوية، إلا أن الوضع الميداني ظل كما هو بل تمكن الحوثي من توسيع نفوذه فيما بعد مباحثات السويد، وما يدعم هذه التوجه المواقف الحوثية السابقة من العمليات التفاوضية والانقلاب المتكرر عليها على غرار ما تم في أعقاب اتفاق الشراكة والسلم، أو ما حدث في جنيف أو الكويت وغيرها من مسارات التسوية.

ويشير عزم الحوثيين على وقف إطلاق النار المشروط لصعوبة تحقيق الهدنة دون مزيد من الضغوط، خاصة في ظل هدف الجماعة الاستراتيجي بالسيطرة على محافظة مأرب، علاوة على استمرار هجمات التصعيد العسكري والذي تزامن مع زيارة وفد عُمان لصنعاء، حيث أطلقت الجماعة صاروخًا باليستيًا (5 يونيو) على محطة وقود في مأرب تسبب في مقتل نحو 17 شخصًا، فضلًا عن استمرار الهجمات تجاه المملكة العربية السعودية.

إلا أن لجوء الحوثي لذات النهج المتمثل في تسجيل مواقف تكتيكية والمراوغة قد تصطدم هذه المرة باللهجة الأمريكية الحادة والإجراءات التصعيدية التي يمكن أن تلجأ إليها إدارة ” بايدن” خاصة بعدما حملت الخارجية الأمريكية الحوثيين مسؤوليتهم عن استمرار الحرب، كما أن الإجماع الدولي والتوافق بشأن دفع الأزمة نحو التسوية قد يفرض قيدًا شديدًا على الحوثيين، علاوة على الرصيد والثقل الذي تحتفظ به عُمان لدى الحوثي والتي يمكن من خلالها أن تمارس مزيدًا من الضغوط لإقناع الجماعة بالاستجابة للتسوية.

في الأخير، تدخل الأزمة اليمنية مرحلة جديدة يمكنها أن تؤسس للتسوية السياسية المأمولة، والتي قد تنهي أسوأ أزمة إنسانية في الوقت الرهان، ويبدو أن هناك اختراقًا قد يحدث خلال الفترات القادمة، وتظل حدود الانفراجة مرتبطة بمستوى وحدود التوافق سواء بين أطراف الأزمة وكذلك مدى جدية التحركات الدولية والوسطاء في إيقاف الصراع الممتد منذ نحو سبعة أعوام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى