العراق

تطور قدرات السلاح السياسي.. اختبار جديد لمشروع الدولة الوطنية في العراق

في ذكري تأسيسها السابعة؛ تستعد ميليشيات الحشد الشعبي في العراق لاستعراض عسكري كبير نهاية شهر يونيو الجاري، ومن المفترض أن يُقام الاستعراض بين نقطتين تبدأ من العاصمة بغداد لتصل لمعسكر “أشرف” في محافظة ديالي شرق العراق. وعلى الرغم من التزام الحشد الشعبي باستعراض وحداته العسكرية مع حلول الذكري السنوية للتأسيس، إلا أن الاستعداد الحالي للاستعراض العسكري المرتقب في نهاية يونيو يؤشر إلى تغيير نوعي في القدرات التسليحية لميليشيات الحشد الولائية –التي تحتفظ بولاء للمرشد الإيراني خامنئي–ويجئ الاستعراض في ظروف تتسم بالتوتر الأمني، ما يضع المشهد العراقي الضبابي أمام جملة من الاستفهامات المتعلقة بمستقبل مشروع الدولة الوطنية الذي يقوده الكاظمي. وتسعي الورقة لتفنيد أجواء التوتر الأمني الذي يعيشه العراق قبيل الاستعراض العسكري للحشد الشعبي المزمع تنفيذه نهاية يونيو الجاري، وكذا توضيح نقاط التطور العسكري والتقني لميليشيات الحشد.

مؤشرات التوتر الأمني في العراق

يمكن تحديد مؤشرات التوتر الأمني في العراق خلال الأسابيع الماضية في النقاط التالية:

  • استمرار استهداف القوات الأمريكية: ففي خلال العام ونصف العام الماضي تعرضت المصالح الأمريكية لما يقرب من 300 هجوم في العراق معظمها كان بواسطة الصواريخ والعبوات الناسفة التي باتت تستهدف قوافل الإمداد، فضلًا عن تسجيل أولي لاستخدام المسيرات والمسيرات الانتحارية في أعمال الهجوم. ووقف خلف تلك الهجمات ميليشيات مسلحة مدعومة من إيران، وترتبط بصورة وثيقة بشبكة ميليشيات الحشد الشعبي، حسبما أعلن المسؤولون الأمريكيون. 

وطالت صواريخ ومُسيرات هذه الميلشيات القواعد الأمريكية ومحطات الاستخبارات المُلحقة في المطارات في كل من “أربيل – بغداد – عين الأسد”، وكان آخر الهجمات المٌركزة هجومين استهدفا مطار بغداد يوم الاثنين، 14 يونيو، وقاعدة عين الأسد، 7 يونيو، بطائرات مسيرة لأول مرة. وهو ما دفع قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال كينث ماكينزي للإعراب عن قلق واشنطن من لجوء الجماعات المسلحة إلى استخدام المٌسيرات ضد القواعد العسكرية في العراق. وتجدر الإشارة إلى أن مطار بغداد وحده تعرض لهجومين بالطائرات المسيرة خلال أسبوع.

  • اعتقال قاسم مصلح: توجهت قوة أمنية عراقية لمنطقة الدورة جنوبي بغداد، واعتقلت القيادي في ميليشيا الحشد الشعبي “قاسم مصلح” بعدما نفذت القوة الأمنية عملية إنزال جوي، تمكنت على إثرها من اعتقاله. وقال الجيش العراقي في بيان له عقب العملية: “إنه وفق المادة 4 من قانون مكافحة الإرهاب نفذت قوة أمنية عملية إلقاء القبض على المتهم قاسم محمود كريم مصلح، وجارٍ التحقيق معه من قبل لجنة تحقيقية مشتركة في التهم الجنائية المنسوبة إليه وفق السياقات القانونية”. وتواترت الأنباء عن الدافع الحقيقي لإلقاء القبض على “مصلح”، إذ قالت وكالة فرانس برس أن الاعتقال يجيء بعد اتهامات لـ “مصلح” باغتيال الناشط العراقي “إيهاب الوزني”. فيما قالت مصادر أمنية لرويترز إن مصلح اعتُقل في بغداد لضلوعه في عدة هجمات، منها هجمات في الآونة الأخيرة على قاعدة عين الأسد الجوية التي تستضيف قوات أمريكية وقوات دولية أخرى. 

وبعد اعتقاله؛ في الـ26 من مايو الماضي، توجهت تشكيلات مسلحة منضوية داخل الحشد الشعبي للمنطقة الخضراء، فمنعت دخول المنطقة، وتمركزت فيها لحوالي نصف الساعة، في رسالة للحكومة العراقية بضرورة الإفراج عن مصلح. ويعرف مصلح بكونه رجل إيران القوي في غرب العراق “الأنبار” حيث يقود لواء الطفوف الذي يدير من خلاله مناطق “القائم” و”عكاشات” بالتعاون مع الألوية التابعة لميليشيات كتائب حزب الله العراقي. بيد أن المنطقة التي يُحكم مصلح –الذي أُفرِج عنه لاحقًا- سيطرته عليها “القائم” تعد نقطة عالية القيمة في الجسر الإيراني الذي يصل بطهران للساحل السوري واللبناني. 

  • حدة خطاب الجيش العراقي لميليشيات الحشد الشعبي: إذ قال وزير الدفاع العراقي “جمعة عناد”، 29 مايو، في حوار لموقع “المربد” المحلي، أن الجيش قادر على قتال دولة تعتدي على العراق وليس قوات تمتلك أسلحة بسيطة في إشارة إلى الحشد، مشيرًا إلى أن من يحاول استخدام لي الأذرع والتلويح بالقوة يجب أن يعرف حجمه. يأتي ذلك مع تحريك الجيش العراقي لعدد من مدرعاته ودباباته للحفاظ على دائرة التأمين الخاصة بالمنطقة الخضراء، حيث بدت المفارقة أن فوهات البنادق والصواريخ التابعة للحشد تتراص أمام الجيش العراقي هذه المرة.

التطور النوعي في قدرات الحشد الشعبي التسليحية

كشفت استخبارات الحشد الشعبي -التي تأسست بإيعاز من القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني-، في استعراض لها الأسبوع الماضي؛ عن أنواع المسيرات التي تمتلكها لأول مرة ما يمثل تطورًا نوعيًا في قدرات الحشد إذا ما تم النظر لمنظومة تسليحه في بين العامين 2014-2017. إذ اعتمد في تشكيلاته العسكرية على وحدات من سيارات البيك آب والمدرعات، وآليات المدفعية الصاروخية قصيرة ومتوسطة المدي. ولكن قبل التطرق لتفاصيل المقاربة النوعية لتطور قدرات الحشد الشعبي، ينبغي أولًا الوقوف حول عديد قواته وفصائله المسلحة.

تأسس الحشد الشعبي في يونيو من العام 2014، بفتوي “الجهاد الكفائي” من المرجع الديني الأعلى في العراق “على السيستاني. وسرعان ما حظي الحشد ككيان عسكري؛ على شرعية وجوده وإدماجه في هيكل القوات المسلحة العراقية وذلك بموجب قانون صادر من البرلمان العراقي. 

يتشكل الحشد من عدد يتراوح بين 75 لـ 140 ألف مقاتل، ويضم ما يقرب من 50 فصيل مسلح يتباينون في جزئية الولاء التام والمطلق “للخامنئي” والمرجعيات العراقية. ومع هذا الكم الكبير من المقاتلين، تسلح الحشد من خليط هجين من الترسانة العراقية لحقبة صدام حسين، والأسلحة الإيرانية المعدلة ولاسيما المدفعية الصاروخية قصيرة – متوسطة المدي. 

وكشف تقرير أمريكي في أغسطس 2018 أن إيران نقلت بضع عشرات من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى إلى ميليشياتها في العراق، وشملت هذه الشحنات صواريخ زلزال (150-250 كم)، وفاتح 110 (200-300 كم)، وذو الفقار (700 كم)، مكملة ترسانة الميليشيات الحالية من الصواريخ غير الموجهة عيار 107 ملم و122 ملم. 

وبحلول أوائل مايو 2019، قام وزير الخارجية السابق مايك بومبيو برحلة غير معلنة إلى العراق لمناقشة خطر عمليات نقل الصواريخ الإيرانية وحينها أصدرت إدارة ترامب أيضًا تحذيرات متكررة من أن الولايات المتحدة ستعتبر أي هجوم من قبل وكلاء إيران هجومًا من قبل إيران. كما دفع حيازة الميليشيات المدعومة من إيران للصواريخ الباليستية؛ إسرائيل إلى شن سبع غارات جوية على الأقل حتى الآن على مستودعات صواريخ الحشد الشعبي في العراق في عام 2019 وحده.

ليمتلك بذلك الحشد الشعبي قوات برية مع تسليح متوسط وثقيل، وتشكيلات ميكانيكية قوامها سيارات البيك آب والمدرعات السوفيتية، إلا أن حتى العام 2016-2017 كانت تمتلك الطيران المسير لأغراض الاستطلاع. الأمر الذي يبدوا أنه تغير كليًا باستعراض استخبارات الحشد الشعبي لعدد من وحداتها معلنة عن حيازتها لأنواع متطورة من الطائرات المسيرة ذات المهام القتالية والمديات البعيدة، ومنها:

نموذج طائرات “سايا” الإيرانية: وهي نسخة إيرانية معدلة على الطائرات RQ7 الأمريكية” في اليمن تعرف صماد ٣ “وتشير مصادر بأن مداها العملياتي يصل لـ 1000 كم، لكن لم يتم إثبات فاعليتها ضمن هذا المدى بعد. وتُستخدم هذه الطائرات في مهام الإغارة والإسناد.

  • نموذج طائراتSkywalker X8 shape: مثبت على سيارات دفع رباعي، ولم يتسن بعد مشاهدة هذا الطراز في مهام قتالية.

ويقود الكاظمي جهودًا حثيثة لإعادة دمج العراق في محيطه العربي ومنظومته الأمنية، إذ لاقت سياساته الأمنية الأخيرة انتقادات حادة من الأجنحة الولائية لـ “الخامنئي”، فعلى سبيل المثال يتصاعد الصراع بين الكاظمي وفصائل الحشد الشعبي يومًا بعد يوم. حيث كشفت صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنية أن ميليشيات مثل حزب الله والنجباء والعصائب تريد التخلص نهائيًا من أحمد أبو رغيف، الضابط الرفيع في مكتب رئيس الحكومة الكاظمي والذي كُلّف في أغسطس الماضي بإدارة لجنة “الجرائم الاستثنائية” للتحقيق في قضايا فساد. حيث تراه الميليشيات المسؤول عن قرار اعتقال “قاسم مصلح”. ومع ذلك تظهر تحركات الكاظمي وخطابه السياسي انتهاجه لسياسة تراعي مراكز القوي وخصوصية الحالة العراقية دونًا عن السورية واللبنانية؛ فقد غازل الكاظمي في بيان له بحلول الذكرى السابعة لصدور فتوي الجهاد الكفائي للمرجع الديني “علي السيستاني”، بالقول: “إن العناية الإلهية وما صدر من المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، من فتوى وتوجيهات، أوقفت وحشًا إرهابيًا كان قد أرعب العالم كله، وقد أدت إلى القضاء على هذا التنظيم خلال مدة لم يكن يتصورها العالم كله”. وتابع الكاظمي أنه يعمل على تصحيح هذه المسارات ووضع البلد على الخط الصحيح بدعم القوات المسلحة وضبط أدائها وفق القواعد العسكرية الوطنية، كما أوصت بها المرجعية دائمًا، محذرة من استغلال الفتوى سياسيًا واقتصاديًا لصالح مشاريع غير وطنية”.

وهو ما دفع ببروز مواقف شيعية في النجف وعلى لسان وكيلها المعتمد “عبد المهدي الكربلائي” إلى التبرؤ من أي صلة أو ارتباط مع “قاسم مصلح” بعد يومين من اعتقاله، فيما شدد على محاسبة كل من يخرق القانون. وتسبب ذلك في اتساع الهوة بين الأجنحة العسكرية غير الولائية للخامنئي في الحشد، والأجنحة الولائية له؛ إذ انسحبت فصائل عدة من بوتقة الحشد الشعبي البالغة 68 فصيلًا عسكريًا، بيد أن الفصائل المنسحبة لا تدين بالولاء العقائدي للمرشد الإيراني “على خامنئي”، ما يضع فرصًا، قبيل الانتخابات العراقية في أكتوبر المقبل، تحاول فيه القوى الداعمة لسيادة الدولة تخفيف الارتباط الاستراتيجي بين الحشد الشعبي وإيران وخاصة بعد زيارة إسماعيل قاآني الأخيرة لبغداد، وتباعًا سحب الحشد من هيمنة الجناح الولائي.

وهو ما يظهر في الأنباء الواردة من داخل الفصائل المنسحبة من “الحشد الشعبي”، والتي تشير إلى أن تلك الفصائل ستشارك في الاستعراض المُرتقب على أن يشارك أيضًا رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي. فضلًا عن أن الثلاثي الشيعي الأبرز في العراق الممثل في تيار “مقتدى الصدر، وعمار الحكيم، ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي وتحالفه النصر”، وقفوا بشكل علني ضد استعراض القوة الذي مارسته الفصائل المسلحة وأيّدوا إجراءات الدولة والحكومة غداة اعتقال قاسم مصلح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى