ليبيا

تعقيد الحل: أهداف ودلالات زيارة الوفد العسكري التركي إلى طرابلس

في خطوة لا تخلو من أهداف ورسائل، أجرى وفد تركي رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو ووزير الدفاع خلوصي آكار زيارة مفاجئة إلى العاصمة الليبية طرابلس (11 – 12 يونيو) بتعليمات من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وضم الوفد وزير الداخلية سليمان صويلو، ورئيس هيئة الأركان يشار غولر، ورئيس جهاز الاستخبارات هاكان فيدان، ورئيس دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية فخر الدين ألطون، والمتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالن.

جرت الزيارة في ظل تصاعد الأحداث في ليبيا على المستويين السياسي والعسكري، وتعطي طبيعة تشكيل الوفد الذي قام بالزيارة دلالة بأن الزيارة وضعت الملف الأمني والعسكري في مقدمة أجندتها، خاصة وأن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار قد سبق الوفد التركي في الوصول إلى طرابلس بيوم؛ إذ وصل (11 يونيو) إلى مطار معيتيقة قادمًا من جزيرة صقلية الإيطالية بعد اجتماع عقده في قاعدة حلف الناتو بالجزيرة مع كل من وزير الدفاع الإيطالي لورينزو غويريني ووزير الدفاع البريطاني بن والاس (11 يونيو).

\\SERVER\Folder Redirection\M.abdelrazik\Desktop\12.jpg

وتشير طبيعة الاستقبال في مطار معيتيقة والتي خلت من وجود أي طرف ليبي إلى أن الزيارة كانت مفاجئة ولم يُخطر بها الجانب الليبي مسبقًا؛ إذ جرى استقبال آكار من قبل قادة وضباط أتراك فقط، وانتقل بعد ذلك إلى مقر قيادة القوات التركية العاملة في ليبيا غرب قاعدة معيتيقة الجوية، والتقى بالفريق أول محمد علي الحداد رئيس أركان حكومة الوفاق السابقة، واللواء عبد الباسط مارفان قائد منطقة طرابلس العسكرية. ثم استقل مروحية وتوجه إلى الفرقاطة التركية “TCG Gelibolu”. ثم وصل بقية الوفد التركي إلى طرابلس (12 يونيو) وأجرى مباحثات منفردة مع كل من رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي ونائبيه عبد الله اللافي وموسى الكوني، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، فضلًا عن لقاء جاويش أوغلو بنظيرته الليبية نجلاء المنقوش.

T.C. Millî Savunma Bakanlığı on Twitter: "İtalya ziyareti sonrası Libya'ya  geçen Millî Savunma Bakanı Hulusi Akar, Libya Görev Grup Komutanlığını  ziyaret etti. Bakan Akar daha sonra helikopterle Libya açıklarındaki TCG  GELİBOLU fırkateyninde

دلالة التوقيت

جاءت هذه الزيارة رفيعة المستوى والتي تُعد الثانية في غضون شهر تقريبًا في توقيت حيوي ومهم؛ إذ أجرى الوفد ذاته عدا وزير الداخلية ورئيس دائرة الاتصال برئاسة الجمهورية والمتحدث باسم الرئاسة زيارة إلى طرابلس (3 مايو) التقى خلالها برئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية ووزيرة الخارجية. فجاءت هذه الزيارة قبل توجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووزير خارجيته مولود جاويش أوغلو (13 يونيو) إلى العاصمة البلجيكية بروكسل للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والتي التقى خلالها أردوغان (14 يونيو) بنظيره الأمريكي جو بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون.

وعلاوة على ذلك، تأتي هذه الزيارة قبيل انعقاد قمة برلين 2 (23 يونيو) والتي “ستبحث سبل استقرار البلاد، ومناقشة التحضير للانتخابات المقررة في 24 ديسمبر المقبل، وخروج الجنود الأجانب والمرتزقة من ليبيا” ومناقشة ما تم تنفيذه من مخرجات مؤتمر برلين (19 يناير 2020) واتفاق جنيف لوقف إطلاق النار (23 أكتوبر 2020) وتهيئة الأجواء لإتمام الانتقال السياسي الليبي وفقًا لمخرجات الحوار في جنيف التي أفضت إلى اختيار السلطة الليبية الحالية (5 فبراير).

ومن ثم فإن توقيت الرسالة يبعث برسائل للأطراف الدولية المعنية بالأزمة الليبية وخاصة الولايات المتحدة التي عيّنت السفير ريتشارد نورلاند مبعوثًا خاصًا إلى ليبيا (10 مايو)، مفاد هذه الرسائل هو إثبات قوة وحضور أنقرة في الملف الليبي وفق مذكرات التفاهم التي وقعتها مع حكومة الوفاق، والقدرة على تغيير مسار الأحداث في أي وقت كأوراق تفاوضية تملكها أنقرة في تعاملها مع القوى الدولية في الأزمات والقضايا محل الخلاف.

أهداف استراتيجية

  • ترسيخ الحضور

يعد الهدف الأساسي للزيارة الأخيرة التي أجراها الوفد التركي إلى طرابلس وما سبقها من زيارات هو ترسيخ الحضور التركي في ليبيا وتأكيد شرعية مذكرتي التفاهم التي وقعهما الرئيس التركي أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق السابقة فايز السراج (27 نوفمبر 2019) بشأن التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية بين البلدين، رغم كل الاعتراضات الدولية التي وجهت لهما، ومجيء سلطة انتقالية ليبية جديدة عملت أنقرة على تعميق هذه الاتفاقيات معها من خلال توقيع اتفاقات جديدة في مجالات شتى خلال زيارة رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة ووفد وزاري مرافق إلى أنقرة (12 أبريل).

ورغم الدعوات الدولية المستمرة لإخراج جميع القوات الأجنبية من ليبيا وكذلك ما أكدته حكومة الوحدة الوطنية الليبية على لسان وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش خلال زيارة الوفد التركي السابقة، فإن أنقرة لا ترى أن قواتها الموجودة في ليبيا قوات أجنبية، وهو ما أكده وزير الدفاع خلوصي آكار خلاله زيارته إلى طرابلس، قائلًا “تركيا ليست قوة أجنبية في ليبيا في حاضرة بدعوة من حكومة طرابلس وتقوم بأنشطة التعاون والتدريب والتشاور العسكري بما يتماشى مع الاتفاقات الثنائية والقانون الدولي، وستواصل الوقوف إلى جانب ليبيا وتقديم الدعم انطلاقًا من مفهوم ليبيا لليبيين”. 

وتمثل هذه الكلمات رسالة مهمة حرصت أنقرة على تأكيدها وتوجيهها من طرابلس قبيل لقاء أردوغان بالرؤساء في قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو”. فضلًا عن المضي قدمًا في تعزيز مصالحها وحضورها على الأراضي الليبية من خلال الاتفاقات المبرمة مع الحكومة السابقة والحكومة الحالية لتأمين حضور طويل الأمد سياسيًا وعسكريًا وحتى على الجانب الاقتصادي والتجاري الذي شهد قفزة كبيرة خلال الشهور الأخيرة مع ارتفاع الصادرات التركية إلى ليبيا بنسبة 67% في الفترة من يناير إلى مايو 2021 لتصل إلى أكثر من 983 مليون دولار، والسعي إلى توقيع اتفاقية تجارة حرة بين البلدين.

ويمكن القول إن المسعى التركي الأساسي في هذا السياق هو أن يكون وجودها السياسي والعسكري والاقتصادي في ليبيا شبيهًا بالحضور الروسي والإيراني في سوريا، من خلال قواتها المنتشرة والتوسع في إنشاء القواعد العسكرية، وعدد كبير من الاتفاقيات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تجعل خروج تركيا من ليبيا أمرًا بالغ الصعوبة والتعقيد.

  • مقايضة الغرب

نظرًا إلى أن ليبيا تمثل ساحة نفوذ أساسية تحاول قوى دولية كثيرة تعظيم حضورها فيها ومنها روسيا، تسعى تركيا إلى استغلال ورقة وجودها العسكري في ليبيا كورقة مقايضة مع الدول الأوروبية والقوى الدولية التي لديها تخوفات من توسع النفوذ الروسي هناك، وطالبت بصورة مستمرة بضرورة إخراج مجموعات مقاتلي “فاغنر” من الميدان الليبي، خشية أن تؤسس روسيا موطئ قدم ثابت لها في ليبيا التي تمتلك احتياطات نفطية وغازية كبيرة.

ومن هذا المنطلق تأتي هذه الزيارة وما سبقها لإثبات الحضور التركي في ليبيا وتأكيد ضرورة إخراج مقاتلي “فاغنر”. وقد يمثل توقيت هذه الزيارة الأخيرة قبيل انعقاد قمة حلف الناتو إشارة إلى أن هناك سعيًا تركيا إلى جعل الحضور التركي من خلال القوات والقواعد العسكرية في ليبيا حضورًا ممثلًا لحلف الناتو داخل ليبيا، ومن ثم تأمين المخاوف الأوروبية. لا سيّما وأن زيارة وزير الدفاع خلوصي آكار تحديدًا جاءت بعد لقاء وزيري الدفاع الإيطالي والبريطاني داخل قاعدة حلف الناتو في صقلية، والذي من الممكن أن يكون ناقش هذا الملف، وجاء آكار إلى طرابلس لأخذ موافقة الحكومة الليبية عليه، قبل طرحه في مباحثات قمة الناتو في بروكسل.

إلا أن المطالب الدولية الخاصة بإخراج القوات الأجنبية من ليبيا لا تتوقف عند مقاتلي “فاغنر” وإنما تشمل أيضًا المرتزقة السوريين الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا والذين يصل عددهم إلى أكثر من 20 ألف مقاتل، ويتعدى ذلك أيضًا إلى القوات التركية الموجودة في ليبيا والتي تدخل ضمن القوات الأجنبية.

وهذا الشمول لكافة القوات الأجنبية وضرورة خروجها من ليبيا هو ما عبرت عنه مخرجات قمة برلين، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2570 (16 أبريل) الذي حثّ الدول على دعم تنفيذ اتفاقية وقف إطلاق النار (23 أكتوبر 2020) “بما في ذلك من خلال انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا دون تأخير”. وهو كذلك ما عبرت عنه مصر في أكثر من موضع، آخرها ما قاله وزير الخارجية سامح شكري (14 يونيو) إن “وجود قوات أجنبية من ضمنها قوات تركية في ليبيا، أمر لا يمكن قبوله، ليس فقط من مصر، لكن من المجتمع الدولي”.

ويمثل إظهار القوة العسكرية التركية في طرابلس أحد الأهداف المهمة للزيارة، لإرسال رسالة تركية بتمام الاستعداد؛ ردًا على الاستعراض العسكري الذي نظمه الجيش الوطني الليبي في بنغازي (29 مايو) والذي أظهر حجم القوة والتطور النوعي الذي يملكه الجيش الليبي، وما تردد بعده داخل أوساط ليبية عن احتمالات تجدد المواجهات، وهو ما ألمح إليه وزير الدفاع التركي خلال تصريحاته أمام الفرقاطة التركية “TCG Gelibolu”، والذي جاءت زيارته بعد يوم واحد من هبوط طائرة شحن عسكرية تركية من طراز إيرباص A400M-180. في قاعدة الوطية العسكرية في الغرب الليبي.

إجمالًا، تشير زيارة الوفد التركي رفيع المستوى إلى طرابلس وما حملته من رسائل وأهداف إلى عدة نتائج، أولها أن وجود القوات الأجنبية في ليبيا ومنها القوات التركية والمرتزقة الذين أرسلتهم تركيا والذين يُقدر عددهم بنحو 20 ألف مقاتل، وحتى مقاتلي “فاغنر” سيبقى أمرًا يسهم في تعقيد الحل في ليبيا، خاصة مع إصرار تركيا على بقاء قواتها، والتأكيد الدولي على ضرورة إخراج كل القوات الأجنبية.

وثانيها أن تركيا مصممة على أن وجود قواتها في ليبيا غير قابل للتفاوض وغير متضمن في الدعوات لإخراج القوات الأجنبية، وأنه مستمر بموجب الاتفاقات الموقعة مع الحكومة السابقة بل وأنه سيتعزز بموجب اتفاقات وتفاهمات مع الحكومة الانتقالية الجديدة -رغم أن ذلك يواجه معارضة كبيرة داخل الحكومة ذاتها- وقد تقبل القوى الدولية ذلك الوجود إما وفق تفاهمات مع حلف الناتو أو بأن تطرح أنقرة هذه الورقة وضرورة إخراج مقاتلي “فاغنر” لمساومة إخراج المرتزقة الذين أرسلتهم من ليبيا خلال قمة برلين 2. 

وثالثها أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة تواجه انقسامات حادة وتحديات ضخمة قد تجعلها عُرضة لانتقادات إقليمية ودولية مثل تلك التي وُجهت لحكومة الوفاق إذا ما قررت أن تسلك نفس مسلكها، وقد تكون سببًا في تداعي التوافق الهش بين الفرقاء الليبيين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى